المشهد اليمني الأول

تتميز مراكز الفكر في أمريكا بعدة أمور تجعل من التعاطي مع منتوجها بجدية أمرًا لازمًا. ويمكن رصد أهم هذه المميزات فيما يلي:

1- حيثية كاتبي التقارير والتوصيات، فمعظمهم عمل بوظائف مختلفة في إدارات أمريكا المتعددة، ومنهم من عمل مبعوثًا في كثير من الملفات الحساسة.

2- الصراحة والمكاشفة في التوصيات والإفصاح عن التوجهات والنوايا دون مناورات، وربما تكون القناعة بأننا أمة لا تقرأ، أو لا تهتم بالمكتوب، تغري على التمادي في هذا الأسلوب دون محاذير.

3- القرب من الإدارات ومعاقل اتخاذ القرار بما يجعلها توصيات معتبرة ومحتملة التنفيذ.

4- صدور التوصيات على هيئة حزمة من السياسات والإجراءات، بما يجعلها أطروحات متكاملة.

5- وربما هو الأهم، التحقق التاريخي لكثير من هذه التوصيات وتنفيذ الكثير منها بشكل شبه حرفي.

هنا نحن أمام ملعب مكشوف، يمكننا من خلال رصده التعرف، وربما بدقة، على النوايا والسياسات القادمة لأي إدارة في أمريكا.

وفي مقال سابق بعنوان “ملامح التعديلات الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط”، رصدنا مقترحات وتوصيات بتقرير لمعهد واشنطن، وتوسمنا أن هذه التوصيات ربما تشكل الملامح الرئيسية للسياسات والإجراءات الأمريكية الجديدة، بما يشكل تعديلات إستراتيجية.

وما يدفعنا للحديث مجددًا عن هذه التوصيات، هو تنفيذ خطوة منها بشكل عملي، بما يعني أنها قد اعتمدت وخرجت من نطاق المقترحات إلى نطاق آخر، وهو برنامج العمل التنفيذي.

وترجمة ذلك المباشرة والمنطقية، هو توقع تنفيذ بقية التوصيات تباعًا.

وهنا لا بد من التذكير بدوافع التعديلات التي ساقت إلى هذه التوصيات، وذكر الخطوة التي تم تنفيذها عمليًا، وبالتالي التذكير بملخص التوصيات باعتبارها هي الخطوات المتوقع تنفيذها عمليًا:

أولًا: الدوافع التي ساقت للتوصيات:

الدوافع الرئيسية هي عدم اتساق تواجد أمريكا الحالي مع إستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية، والتي اعتبرت أن روسيا والصين هما التهديدان الرئيسيان، وبالتالي فإن هناك حاجة لإعادة انتشار القوات الأمريكية بما يلائم هذه الإستراتيجية ويلائم المستجدات على التوازنات وتنامي قوى المقاومة بالإقليم.

ثانيًا: الخطوة الأولى التي تثبت اعتماد المقترحات والبدء في تنفيذها:

أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية بأن الرئيس جو بايدن أمر البنتاغون بالبدء بسحب بعض القوات التي نشرتها واشنطن في منطقة الخليج وخاصة في السعودية.

وذكرت الصحيفة في تقرير حصري لها، أن الولايات المتحدة قد سحبت من الخليج، بخطوات لم يتم الكشف عنها حتى الآن، ثلاث بطاريات على الأقل من منظومات “باتريوت” الصاروخية للدفاع الجوي.

كما نقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين تأكيدهم أن بعض القدرات، بما فيها حاملة الطائرات “أيزنهاور” (التي تتوجه إلى المنطقة حاليا) ومنظومات رصد واستطلاع، تُسحب من الشرق الأوسط بهدف تلبية احتياجات واشنطن العسكرية في مناطق أخرى، وأن خيارات إضافية لتقليص التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة قيد الدراسة حاليا.

ولفتت الصحيفة إلى أن هذه الخطوات تمهد طريقا لسحب بضعة آلاف العسكريين الأمريكيين من الشرق الأوسط في المستقبل. وذكر المسؤولون للصحيفة أن البنتاغون على خلفية هذه التقليصات خصص فريقا من الخبراء يدرس خيارات لدعم السعودية التي تتعرض حاليا لهجمات مكثفة من “جماعات تعد مرتبطة بإيران في اليمن والعراق، في مقدمتها الحوثيون”، وفقا لقول الصحيفة.

وذكرت الصحيفة أن الخطوات التي يدرسها الخبراء في البنتاغون تضم تزويد السعودية ببعض أنواع الأسلحة الدفاعية، منها منظومات خاصة باعتراض الصواريخ، بالإضافة إلى توسيع تبادل البيانات الاستخباراتية وبرامج التدريب وبرامج التبادل بين عسكريي البلدين.

وقد اعترفت أمريكا رسميًا بصحة التقرير، حيث ردت الولايات رسميًا على التقرير بالقول إن الرئيس الأمريكي جو بايدن أصدر تعليمات للبنتاغون بالبدء في سحب جزء من القوات العسكرية من منطقة الخليج.

وقالت وزارة الحرب الأمريكية “البنتاغون”، إنها ستعيد نشر عناصرها بناء على التهديدات في العالم، مضيفة إن خطتها لإعادة توزيع قواتها في العالم مرهونة بعناصر متعددة.

ثالثًا: ملخص مقترحات معهد واشنطن والتي يتوقع تنفيذها عمليا بشكل متتابع:

قبل سرد ملخص المقترحات، يجب لفت النظر إلى التطابق الحرفي بين الخطوة التي تمت بالفعل مع جوهر المقترحات بل وألفاظها الصريحة، وهو ما يعمق القناعة بأن هذه المقترحات تشكل البرنامج التنفيذي المتوقع تحققه عمليا، وجاءت المقترحات بشكل نختصره كما يلي:

1- مقترحات بإعادة النظر في حسابات التكلفة والفوائد لعمليات الانتشار المستمرة لـ “مجموعة حاملات الطائرات الضاربة” في الخليج.

وفحوى المقترح، هو أنه يجب على البحرية الأمريكية استبدال الانتشار المستمر لحاملات طائراتها بعمليات انتشار أقصر وأقل توقعًا.

2- مقترح بتحويل أصول “الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع” بعيدًا عن الوجود الدائم في منطقة الشرق الأوسط، باعتبار أن الأقمار الصناعية وغيرها من الأدوات تتيح بسرعة جمع معلومات جوهرية عن النقاط التي تهمّ الولايات المتحدة في المنطقة. ويشير المقترح إلى تعاون العدو الإسرائيلي والإمارات العربية المتحدة بعد اتفاق التطبيع، حيث اقترحتا تعزيز التعاون في المجالين “الدفاعي” والعسكري. ويقترح على العدو الإسرائيلي العمل مع دول الخليج لتطوير قدرات إقليمية أكثر قوة.

3- مقترح جذري لتقليل البصمة العسكرية الأمريكية، وذلك بتقليص عدد موظفي المقرات الرئيسية في الشرق الأوسط وإعادة دمجها في الولايات المتحدة خلال العقد المقبل، مع الحفاظ على عدد كافٍ من الأفراد لتلبية الاحتياجات العملياتية، باعتبار وجود العسكريين وأسرهم في الخليج نقطة ضعف وتجعلهم محل استهداف من إيران والمقاومة.

4- مقترح سحب بعض القدرات القتالية الهجومية بعيدًا عن عمليات الانتشار الدائمة في الشرق الأوسط واستبدالها بتمارين نشر قتالية متكررة ومتعددة الأطراف ومناورات مشتركة.

5- مقترح الاستثمار في الدفاع الصاروخي، واستبدال النهج الحالي، المتمثل بنشر منظومات الصواريخ أرض – جو من نوع “باتريوت” في المواقع الحرجة، باعتباره غير مثالي، بسبب كلفته مقارنة بصواريخ المقاومة وطائراتها المسيرة.

ويشير المقترح إلى ما قاله رئيس منظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية “موشيه باتيل” من أن بلاده ستكون منفتحة على العمل مع الإمارات والبحرين بشأن التعاون في مجال الدفاع الصاروخي. ويختتم المقترح بالقول إنه وفي الواقع، مع توسع التطبيع العربي – الإسرائيلي، يجب أن يتوسع هذا التعاون.

ويمكن أن نستخلص أننا بصدد تشكيل تحالف خليجي صهيوني برعاية أمريكية عن بعد، ومحاولة لتشكيل محور جديد بديل عن محور “الاعتدال” وتحويله إلى حلف استراتيجي دخيل على قواعد الصراع بالمنطقة، حيث يقوم على “الدفاع” عن الكيان الصهيوني وتمويله وحصار المقاومة في مقابل حماية الخليج من “العدو المقاوم”!
ــــــــــــــــــــــــــــ
إيهاب شوقي

المقالة السابقةانطلاق تظاهرات جمعة غضب الأسرى في البحرين
المقالة التاليةأوروبا تهيئ فيينا لمفاوضات أمريكية إيرانية وتتوقع اتفاق خلال شهرين