المشهد اليمني الأول

نشر “معهدُ واشنطن لسياسات الشرق الأدنى”، تقريراً عبَّرَ عن قلقٍ أمريكيٍّ كبيرٍ من تعاظُمِ القدرات العسكرية لصنعاءَ، حَيثُ أكّـد أن التطويرَ المُستمرَّ للصواريخ البالستية والمجنحة والطائرات المسيَّرة اليمنية، أصبح يمثل تهديداً يستدعي أن يبدأ القادةُ الأمريكيون بالتعامل معه بما يتجاوز حسابات الحرب الجارية على اليمن، كما أكّـد أن سيطرةَ قوات الجيش واللجان الشعبيّة على محافظة مأرب، ستشكل انتصاراً فعلياً على تحالف العدوان في هذه الحرب، مُشيراً إلى أن الولايات المتحدة تحتاجُ إلى اتِّخاذ خطوات عاجلة “لاحتواء” المشكلة.

وبقدر ما يؤكّـد التقريرُ على أن صنعاء قد استطاعت بالقدرات العسكرية أن تقلبَ موازينَ القوة خلال ست سنوات، وُصُـولاً إلى فَرْضِ معادلات جديدة على تحالف العدوان ورُعاته، فَـإنَّه يعبر بشكل واضح عن حجم المأزق الذي تواجهه الولايات المتحدة اليوم نتيجة هذا التحول، إذ لا يلوح في الأفق أيُّ خيارٍ مضمونٍ أمامَ واشنطن للتخلص تداعيات هذه الورطة إلا بوقف العدوان ورفع الحصار.

تداعياتٌ سياسية وعسكرية على مستوى المنطقة

التقرير الذي جاء تحت عنوان “تداعيات التحسينات في الصواريخ والطائرات المسيَّرة الحوثية” أوضح أن الهجمات الجوية والصاروخية اليمنية على السعوديّة أصبحت “حدثاً أسبوعياً”، مع التسارع المستمرّ لمعدل الإطلاق، الأمر الذي يدل على “وجود قطاع متطور” لتصنيع الصواريخ والطائرات بدون طيار، و”ينذر بزيادات أُخرى في مدى الصواريخ بما يتيح الوصول إلى أهداف جديدة” إذَا أرادت صنعاء، مُشيراً إلى أن الكيان الصهيوني على قد يكون على قائمة الأهداف.

وعبَّر التقرير عن قلق كبير من تأثير هذه القدرات العسكرية على مصالح الولايات المتحدة وحلفاءها، وعلى رأسهم الكيان الصهيوني، في البحر الأحمر. وأضاف: “سيحتاج الدبلوماسيون والمخطّطون العسكريون الأمريكيون إلى التعامل مع هذا التهديد المركب في حساباتهم المستقبلية فيما يتخطى الحرب الحالية في اليمن”. واستعرض التقرير بعضَ القدرات العسكرية كأنواع الصواريخ والطائرات المسيَّرة اليمنية، محاولاً التنبؤ بمراحل مقبلة من عمليات تطوير هذه الأسلحة والمخاطر التي تترتب على ذلك بالنسبة للكيان الصهيوني والنفوذ الأمريكي في المنطقة بكلها.

وإلى جانب ذلك، تحدث التقرير عن معركة تحرير مأرب، بوصفها أحد جوانب تعاظم قوة صنعاء العسكرية، حَيثُ قال إنه إذَا سيطرت قوات الجيش واللجان الشعبيّة على مأرب، فَـإنَّها ستنتصر فعلياً في الحرب، لكن حتى بدون ذلك لا زالت مناطق الغالبية السكانية ومحافظة الحديدة تحت سيطرة صنعاء، الأمر الذي سيمنحها “استقراراً” ونفوذاً في البحر الأحمر، سواء في حالة الانتصار أَو التعادل، بحسب التقرير.

ويقدِّمُ التقريرُ جُملةً من “التوصيات” للولايات المتحدة؛ مِن أجلِ مواجهة “التهديد” الذي باتت تشكله صنعاء، وعلى رأس تلك التوصيات: “استعراض القوة الأمريكية دعماً لجهود الدفاع عن مأرب، مثل تنظيم عملية بث المعلومات، وإعادة إمدَاد المقاتلين عبر الإنزال الجوي”، إلى جانب “إدراج مختلف قادة حركة أنصار الله على قائمة حجب ممتلكات الأفراد الذين يهدّدون السلام والأمن والاستقرار في اليمن”.

ويقترح التقرير أَيْـضاً على الولايات المتحدة أن “تكثّـف جهودها” للعمل على تجريد صنعاء من جميع الصواريخ. وتضمنت التوصيات أَيْـضاً أنه “يجب على واشنطن أن تعقدَ بشكل سري اجتماعاً مغلقاً يضُمُّ السعوديّةَ وإسرائيل والأردن ومصر” لإنشاء “شبكة مشتركة للإنذار المبكر في البحر الأحمر” ووضع “خطط متوسطة المدى للتعاون الدفاعي”. وآخرُ التوصيات كانت أنه (يجب على واشنطن إجراءُ مراجعة محايدة لسياستها تجاه الحوثيين، وتقييم نواياهم المستقبلية ليس تجاه العناصر الأمريكيين والمنشآت الأمريكية في المنطقة فحسب، بل أَيْـضاً تجاه إسرائيل والشحن الدولي والسعوديّة وإيران و«حزب الله».

وَإذَا خَلُصَت مثل هذه المراجعة إلى أن الحوثيين سيكونون على الأرجح خصماً للولايات المتحدة في المستقبل بغض النظر عن كيفية انتهاء الصراع في اليمن، فيجب على المسؤولين البدءُ بالتفكير في استراتيجية احتواء الآن وليس لاحقاً. وبالنظر إلى تعاظُمِ ترسانتهم البعيدة المدى والتزامهم بشعارهم الرسمي “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام”).

اعترافٌ بالورطةِ الأمريكية

هذا التقريرُ الصادرُ عن “معهد واشنطن” المرتبِط بالاستخبارات الأمريكية يمثِّلُ إقرارًا واضحًا بجُملةِ أمور: أولُها: الأهدافُ الحقيقيةُ من وراء شن العدوان على اليمن، حَيثُ يؤكّـد التقريرُ الارتباطَ المباشِرَ للولايات المتحدة الأمريكية بالحرب، ويعبِّرُ صراحةً عن حرصِ واشنطن على حماية مصالحها ومطامعها السياسية والجيوسياسية في المقام الأول، بعيدًا عن أية شعارات أَو مبرّرات أُخرى.

ثانياً: يعترفُ هذا التقرير، وبشكل جلي، بفشل العدوان في تحقيق الأهداف المرجوة منه، بل وارتداده بشكل عكسي على الولايات المتحدة وأذرعها الإقليمية من خلال تداعيات التطور غير المتوقع لـالقدرات العسكرية اليمنية، وهو بذلك يعترفُ أَيْـضاً بفاعلية ونجاح جميعِ ضربات الردع الاستراتيجية التي حاولت الولاياتُ المتحدة الأمريكية والسعوديّةُ التقليلَ من شأنها طيلة السنوات الماضية.

وإلى جانب ذلك، يعبر التقريرُ بوضوح عن “المأزق” الذي تواجهُهُ الولاياتُ المتحدة و”حلفاؤها” في الحرب، اليوم، نتيجةَ هذا الانقلاب الاستراتيجي في موازين المعركة؛ لأَنَّ المشكلةَ الآن -وبحسب تعبير التقرير- “تتجاوز الحربَ في اليمن”، الأمر الذي يعني أن صنعاءَ تقفُ في موقفِ قوة على مستوى المنطقة كلها، وهو موقفٌ يفرِضُ على الولايات المتحدة وأصدقائها تغييرَ استراتيجياتهم في التعامل مع المِلف اليمني، أي أن صنعاء فرضت بالفعل واقعًا جديدًا على أعدائها.

وتوضِّحُ التوصياتُ التي يقدِّمُها التقريرُ للولايات المتحدة المزيدَ من أبعاد هذه الورطة، إذ ينصَحُ التقريرُ واشنطن بمضاعفة دورِها المباشر كطرف رئيسي في الحرب؛ لتدارك مصالحِها في المنطقة، الأمر الذي يبدو أن الولايات المتحدة تدركُه وتسعى إليه عمليًّا، لكنه لا ينسجم مع ما “تحتاج” إليه من غطاء تبدو فيه كـ”وسيط سلام”، وهذا التناقُضُ تمكن ملاحظته الآن بسهولة في تحَرّكات إدارة بايدن التي تتأرجحُ مكشوفةً بين شعارات “السلام” التي ترفعُها، والسلوكيات الإجرامية التي تمارسُها بحق اليمنيين.

وفي الواقع، وبناءً على ما سبق، لا تمنحُ توصياتُ التقرير أيَّ مخرَجٍ مضمونٍ للولايات المتحدة من مأزق اليمن؛ لأَنَّ هذه التوصياتِ مبنيةٌ على أَسَاس أن واشنطن تمتلكُ خياراتٍ تستطيعُ وقفَ تحرير مأرب، أَو إجبار صنعاء على التخلّي عن سلاحها، وذلك غير واقعي؛ لأَنَّ مثلَ هذه الخيارات لو كانت موجودةً لتم استخدامُها قبل وصول قوات الجيش واللجان إلى مشارفِ مدينة مأرب، وقبل وصولِ الصواريخ والطائرات المسيرة إلى “رأس تنورة”، وبالتالي فالتوصيةُ الوحيدةُ التي يمكن تقديمُها للولايات المتحدة بالنظر إلى المعطيات هي: الاعترافُ بالواقع ثم وقفُ العدوان والحصار.