المشهد اليمني الأول

مع التحفّظ على أيّ وصف آخر، فقصّة السفينة التي علقت في قناة السويس كانت «طريفة».

 

يتم إشعارنا عادة بأنّ الاقتصاد العالمي وكأنّه موضوع محرّم لشدة تعقيده، وعملياته تبدو مبهمة رغم تأثيرها الكبير على حياتنا. لكن فجأة شهدنا حدوث مشكلة اقتصادية شديدة أوقفت 12% من التجارة العالمية، سببها بسيط: سفينة كبيرة عالقة. وحتى بعد فتح القناة وإزالة السفينة، ستستمرّ مليارات التكاليف بالتراكم. بعض السفن تستهلك المزيد من الوقود أثناء تغييرها مسارها للالتفاف حول الطرف الجنوبي من إفريقيا، بينما من المتوقع أن تتسبب السفن التي انتظرت فتح القناة اختناقات مرورية كبيرة عند وصولها إلى الميناء بالقرب من بعضها بعضاً.

أحد الأسباب الذي يجعل الأمر طريفاً هو أنّ السفينة العالقة قد أوضحت بشكل جليّ الهوّة بين الخطاب والواقع في الأسواق النيوليبرالية. لقد نسجوا أهازيجَ عن سحر الأسواق والسرعة المبهرة وحجم سلاسل التوريد العالمية. قارَنوا سلاسلَ التوريد بالسيمفونيات ومديري سلاسلِ التوريد بالعباقرة. ذهَب ميلتون فريدمان أبعدَ مِن ذلك، واصفاً النيوليبرالية «بالإيمان الجديد»، وعزا تصنيع قلم الرصاص ليس إلى عمل بشر حقيقيين، بل إلى سحر «نظام التسعير». ليس من الشطط أن ننظر إلى المسؤول عن تجميع مواد جهاز آيفون من 43 بلداً على طول العالم بأنّه «ساحر».

لكنّ السفينة التي علقت في القناة كشفت الأوراق وعرضتها على الملأ. كشفت حقيقة سلاسل التوريد العالمية المعتمدة على استغلال كدح العمّال أكثر بكثير من كونها سيمفونيةً أو سحراً. سلاسل التوريد العالمية مربحة لأنّها تخفِّضُ التكاليف بلا رحمة وتعمل بأقلّ قدرٍ ممكن من فائض المخزون. يتطلب هذا التصنيع المضبوط على الوقت عملاً سريعاً لتجميع الأجزاء بالزمن المناسب، لكنّه يجبر العمال أيضاً على القبول بساعات عملٍ إضافيٍّ قسريّ وجداولَ زمنية غير إنسانية.

السفينة العالقة أثبتت أنّ العَمَل لا يتمّ بسِحر، وأنّه يتمُّ من خلال بَشَرٍ عاملين في العالم الواقعي، يواجهون حدوداً بيئيّة وماديّة.

تدرك الشركات ومديرو سلاسل التوريد هشاشةَ هذه السلاسل، وهُم يحاولون بالفعل جعلها أكثر مرونة بأقلّ تكلفة. كانت ندرة معدات الوقاية الشخصية في الأيام الأولى للوباء تذكيراً أقلّ إمتاعاً بأنّ النظام القائم هشّ. يحاول النخب ومدراء الشركات إقناعنا بأنّ هذه المرونة يمكن تحقيقها عبر تعميق النيوليبرالية وجعل حركة رأس المال أكثر سهولة، بحيث يمكن استبدال الروابط المتعثرة في السلسلة بسهولة أكبر، سواء أكان ذلك بسبب جائحة أو إضراب عمالي. أي باختصار: تعميق المسبّب الرئيس للمشكلة.

هذه الحلول هي سعي نحو كوارث أكبر. سلاسل التوريد ضعيفة وطيِّعة ليوقفها قاربٌ أو حَجرٌ صحيّ، وضمن قواعد تخفيض التكاليف لتحقيق الربح الأقصى لن تكون إلّا أكثرَ ضعفاً وهشاشة. ولهذا فالحلّ ليس تعميقَ الرأسمالية النيوليبرالية، بل إسقاطها وبناء نظام بديل بشكل جذري.

يأخذنا هذا إلى مسألة أخرى. فضعف سلاسل التوريد وقدرة سفينة عالقة على إيقافها، يعني بأنّ مستوى معين من التنظيم العمّالي سيسمح للعمال المتضامنين مع بعضهم بدلَ التنافس، بتعطيل هذه السلاسل الشركاتية والسيطرة عليها. قد يبدو هذا الأمرُ خياليّاً بعضَ الشيء لمدى طول وتعقيد هذه السلاسل، لكنّه ممكنٌ في الحقيقة. لنأخذ مثالاً مَتاجر وول-مارت أو تارغت. عندما يشتري المرء بضاعة رخيصة من هذه المتاجر، فهو يصبح مرتبطاً بسلاسل التوريد العالمية شاء أم أبى، فالشركات تمتلك بيانات هائلة عن زبائنها من أجل التنبُّؤ بالطلب ومن أجل تخفيض الأجور بشكل متوقَّع في السباق نحو القاع، وهذه البيانات تعني حال الحصول عليها قدرة تنسيق جهد العمّال في روابط السلسلة المتعددة من أجل السيطرة عليها.

يجعلنا هذا نصل إلى خلاصة: النظام القائم هَشّ، والسيطرةُ عليه واستبدالُه ممكنان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ