المشهد اليمني الأول

يبدو أن أحداث الشغب الأخيرة في مبنى الكابيتول الأمريكي أثناء فترة الانتخابات وانتقال السلطة بين إدارتي ترامب- بايدن، قد أسقطت «هيبة» هذه البناء الرمزي مع كل ما يعنيه ويدور حوله، ليس شعبياً وأمام الرأي العام فحسب، وإنما بالمعنى السياسي بين أطراف الانقسام الأمريكي أنفسهم، ليغدو «ملطشة» فيما بينهم، ولن يقف حدّها هنا.

جرى- في يوم الجمعة- هجوم على البناء أدى إلى مقتل فاعله واستنفار أمني في محيطه ومجمل العاصمة واشنطن، ولتكون هذه ثاني حالة إراقة دماء في مبنى «الديمقراطية» ذاك خلال بضعة أشهرٍ فقط.
وعلى الرغم من أن الهجوم يبدو «صغيراً» بشكله: شخص قاد مركبته مقتحماً حاجز البناء، وحاول الهجوم على عناصر الأمن بالسلاح الأبيض قبل أن يجري قتله. وتضج وسائل الإعلام الغربية كعادتها على تفسيره بشكل موجّهٍ وأحادي، وربطه بشخصه فقط، ولصق صفة «الإرهاب» به وصولاً إلى وصف الأسوشييتد برس عنه بأنه كان يعاني من «الأوهام وجنون العظمة والأفكار الانتحارية» في محاولة لتأريض الحدث عند حدود منفذه فقط، مجرّدةً إياه من الوضع السياسي، إلّا أن الحدث له دلالات أوسع من هذه الحدود.
ففي السياق العام، ربما لم تعد حالة الانقسام الأمريكي تظهر على السطح مثلما وصلت إليه الحال في أثناء حدث الانتخابات الأمريكية الأخيرة، ويأتي هذا الوضع بالتركيب مع محاولة شركات الإعلام الأمريكية، وشركات وسائل التواصل الاجتماعي من تويتر وفيسبوك وغوغل وغيرها، على قمع وإسكات أحد طرفي الانقسام، إلّا أنه وبكل تأكيد يتعمّق أكثر بمرور الوقت، وتتفاعل تناقضاته.
وترامب، كممثلٍ عن أحد الطرفين، لا يزال نشطاً رغم محاولات التعتيم عليه، فلا يزال يؤكد استنكاره للانتخابات، ويحرّض عليها وعلى الإدارة الحالية، وقد دعا مؤخراً أنصاره وأنصار الحزب الجمهوري إلى مقاطعة الشركات التي أدانت قانون الانتخابات الجديد في ولاية جورجيا، ومنها مثلاً «كوكا كولا»، وما هذا إلا تحرك من أحد ممثلي هذا الطرف، من جملة العديد غيره، ومثالاً مجتزأ من حراكٍ عام يمضي قدماً بمواجهة خصومهم. في هذا السياق، يأتي حدث الكابيتول الأخير، خلف كل محاولات شركات الإعلام بتأريضه إلى حدود «الفردي»، إلا أنه لا ينفصل عن الأزمة السياسية الأمريكية الجارية، والذي قد يكون خلفه أيّ من الطرفين على حدِ سواء، لدواعٍ سياسية، وربما أمنية، لم تتضح بعد.
الأمر الواضح جلياً: أن «الإمبراطورية الأمريكية» تنهار تدريجياً، تأكل نفسها من الداخل، بأزمتها وانقسامها، فضلاً عن كل العوامل الخارجية الأخرى المؤثرة، والكابيتول كواحد من رموز الإمبراطورية هذه، بات يتلقى صفعةً تلو أخرى، ومما يعني: أن ما يجري ضربه هنا هو المنظومة الأمريكية بعينها، وككل من خلفها، بمجموع أطرافها المختلفة وتناقضاتها، والذي لن يؤدي في نهاية المطاف إلّا إلى ضعفها أكثر، نحو زوالها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حمزة طحّان