المشهد اليمني الأول

ولِدَت فكرة التطبيع، وتقافات بعض حكومات الخليج الفارسي لاعتناقها، لكنها ما ولِدَت في ظروف الاقتدار الإسرائيلي، ولا مرحلة التفوق الأميركي، بل أجاءها المخاضُ قبل نضوجها ليضعها دون أطراف!.

فهل يناسبها أنها جاءت وإسرائيل مُحاطة بأكثر من مئة وسبعين ألف صاروخ دقيق؛ كما ذُكِرَ على لسان المسؤولين الإسرائيليين!، أم هل يناسبها مجيئها في (عصر ما بعد أميركا).

لُوحِظ مؤخرًا أنّ بعض رجال الدين أخذوا يستخدمون مصطلح الديانات الإبراهيمية الثلاثة: الإسلامية، اليهودية، المسيحية، وأنَّ منظمة غوث اللاجئين الفلسطينيين: (الأونروا)، التي تُعنى بحياة اللاجئين الفلسطينيين؛ بادرت في العام: (2017) إلى تغيير المناهج المدرسية من الصفّ الأول إلى الرابع.

ومن ضمن هذه التغييرات التي كانت كثيرة؛ استبدال تعريف القدس في المنهاج الدراسي من (عاصمة الدولة الفلسطينية) إلى (مدينة إبراهيمية مقدّسة للديانات الثلاثة).

استضافت الإمارات عام: (2019)، لقاءَ قمة بين بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر، وخرجا ببيان مشترك، أطلقوا عليه اسم: (ميثاق الأُخوَّة الإنسانية)، دعا إلى التّسامح، ومناهضة التطرّف والغلوّ.

الإمارات بدورها بَنَت معبدًا مشتركًا للديانات الثلاثة، ليُفتتح في العام: (2022) يُسمى: (بيت عائلة إبراهيم)، وهو يشمل: كنيسًا، كنيسة، جامعًا؛ كلها في قاعة واحدة!.

لأجل تجسيد هذا المشروع [التطبيع] على الأرض، انطلقت كذلك مشاريع سياحيَّة تحت اسم: (مسار إبراهيم) في الدول ذات الصلة، وهو عبارة عن مسارات تمثل المقاطع لمسار واحد طويل.

وهو مسار يُزعم أنّ إبراهيم الخليل -ع- مشى فيه، ينطلق هذا المسار من تركيا، وبعضهم يقول من العراق، ويمرّ في سورية ولبنان وفلسطين، ليصل إلى مكة والمدينة المنورة!.

١- شظايا من ديباجة التطبيع

وثيقة التطبيع مع إسرائيل التي نشرها البيت الأبيض تحت عنوان (اتفاقات إبراهام، أو: اتفاقات إبراهيم) (الإبراهيمية):

مما ذُكِرَ في ديباجة الاتفاقية:

«نحن الموقعون في أدناه، … نشجع الجهود المبذولة لتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات لتشجيع ثقافة السلام بين الديانات الإبراهيمية الثلاثة والبشرية جمعاء»

وكذلك مما ذُكِرَ في فقرات التطبيع بين الإمارات وإسرائيل:

«… وباعترافهما [الإمارات وإسرائيل] بأنّ الشعبين العربي واليهودي ينحدران من جدٍّ مشترك هو إبراهيم، وذلك مصدر إلهام لهما لخلق -في إطار هذه الروح- بيئة في الشرق الأوسط [غرب آسيا] فيها للمسلمين واليهود والمسيحيين والشعوب من الديانات والطوائف والمعتقدات والجنسيات كلها العيش والالتزام بروح التعايش والتفاهم والاحترام المتبادلة».

انتهى

إنهم سيحترمون الإمارات والبحرين، والاحترام الإسرائيلي يتجلى باحتلال جنوبي لبنان نهاية سبعينيات القرن الماضي، واحتلال الجولان السوري، واحتلال فلسطين كلها، والزحف نحو غور الأردن!.

٢- قداسة البابا فرنسيس، والإبراهيمية

قداسة البابا فرنسيس الملقب (سيد دولة الفاتيكان، أسقف روما، الحبر الأعظم)؛ عندما زار العراق وتوجَّه لزيارة المرجعية الدينية في النجف الأشرف المتمثلة بسماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني -دام ظله الوارف- بتاريخ: 6-آذار-2021، كان من أهداف الزيارة دعم مشروع الديانة الإبراهيمية، ولسنا بذلك نساوي بين تطلعات ورؤى ومنهج البابا فرنسيس التي ربما هي أهداف دينية؛ وبين تطلعات وأهداف دُعاة ورُعاة التطبيع الإسرائيلي، لكن دُعاة التطبيع استطاعوا تحقيق عملية ربط بين مشروعهم وبين زيارة البابا.

نحن شاهدنا وسمعنا السيد برهم في مؤتمر مع البابا -قبل يوم من توجّه البابا لزيارة المرجعية- كان السيد برهم قد دعا في المؤتمر إلى تأسيس شيء اسمه (بيت إبراهيم للحوار الديني) ومقره في محافظة ذي قار، ليكون ملتقىً للأديان والحج… إلخ

كانت مخرجات زيارة البابا للمرجعية الدينية هي الحاكمة على مشروع الإبراهيمية (التطبيع)، المخرجات هذه ظهرت في بيان المرجعية الدينية الذي قُدِّمَ للبابا، ونلقي الضوء على بعض مضامين البيان من خلال هذه النِّقاط:

أولًا: أول ما تناولته المرجعية الدينية هو التحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية اليوم، وذكرت بأنّ الإيمان بالله سبحانه هو الكفيل بحلها، كذلك أكدت على مفصل مهم إذ قالت:

«والالتزام بالقيم الأخلاقية السامية في التغلب عليها».

ثانيًا: ذكرت المرجعية الدينية تحديدًا في بيانها:

«الظلم والقهر والفقر والاضطهاد الديني والفكري وكبت الحريات الاساسية وغياب العدالة الاجتماعية… ».

وهذا رفضٌ قاطعٌ لثقافة الاستكبار العالمي، ورفضٌ للحروب الأميركية والغربية والصهيونية ضد شعوبنا.

ثالثًا: الرفض القاطع للاحتلال الصهيوني لفلسطين، إذ قالت المرجعية الدينية:

«… ما يعاني منه العديد من شعوب منطقتنا من حروب وأعمال عنف وحصار اقتصادي وعمليات تهجير وغيرها، ولا سيما الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة»

فهنا نقرأ التوكيد المُركز على إدانة الاحتلال الصهيوني لأرض وشعب فلسطين، إدانة الاحتلال الإسرائيلي للقدس، ومن هنا نجد أنَّ المرجعية تمسك بالبوصلة وتوجِّه المسلمين، ومدَّعي السلام -إن كانوا صادقين- نحو رفض هذا الاحتلال الظالم.رابعًا: المرجعية الدينية ترفض: «… الحصار الاقتصادي… ».

هذا الحصار الذي تمارسه أميركا وأوروبا وإسرائيل والسعودية والإمارات وغيرهم ضد شعوبنا كل من: إيران، اليمن، سورية، فلسطين، لبنان، وحتى فنزويلا وكوبا، وفي القارة السمراء، هذا الحصار الذي فرضه العالم الغربي حتى على الشعب العراقي.

خامسًا: أشار البيان بأنّ الزعامات الدينية في العالم دورها يكون:

«… الدور الذي ينبغي أن تقوم به الزعامات الدينية والروحية الكبيرة في الحد من هذه المآسي… ».

 

سادسًا: وجَّهت المرجعية الدينية نقدها للقوى العظمى التي على رأسها أميركا وبريطانيا، إذ قالت:

«… وما هو المؤمل منها من حثّ الأطراف المعنيّة ـ ولا سيما في القوى العظمى ـ على تغليب جانب العقل والحكمة ونبذ لغة الحرب، وعدم التوسع في رعاية مصالحهم الذاتية على حساب حقوق الشعوب في العيش بحرية وكرامة… ».

سابعًا: ذكرت المرجعية الدينية كذلك موقفها في الدفاع عن المسيحيين والأقليات، إذ قالت:

«… الدور الذي قامت به المرجعية الدينية في حمايتهم وسائر الذين نالهم الظلم والأذى في حوادث السنين الماضية، ولا سيما في المدة التي استولى فيها الارهابيون على مساحات شاسعة في عدة محافظات عراقية، ومارسوا فيها أعمالاً اجرامية يندى لها الجبين… ».

وهنا التوكيد بأنّ (الشيعة) الذين يؤمنون بمفهوم (المرجعية الدينية، الحوزة العلمية) هم الذين حرروا المسيحيين والأقليات من إرهاب السعودية وأميركا في العراق، ولم يتدخل العالم المسيحي لتحريرهم، ولأجل ذلك فإنّ على العالم المسيحي مراجعة الخلل البنيوي عنده، ولا يوهم نفسه بإصلاح الإسلام الأصيل والتشيُّع، الإسلام نجح في أصعب الظروف والاختبارات تحت قيادة التشيُّع أن يحافظ على الالتزام بالقيم الأخلاقية السامية، فلا يجدر بالغرب أنْ يتجرَّأ اليوم ويطرح علينا مفهومات جديدة كأننا نعاني من مرض حتى يعالجنا بها!، المفهومات هذه هي: الإبراهيمية -التي هي اتفاقات إبراهام التطبيعية-، الجد المشترك، النبي المشترك -يقصدون به النبي إبراهيم حتى يشطبون على نبوة النبي الخاتم محمد ص-، وغيرها من الأفكار المشوهة.

بعد هذا العرض لبعض مضامين بيان المرجعية الدينية، لنا أن نعلم بأنّ موقف المرجعيات الشيعية في العالم هو ضد التطبيع حتمًا، ولأجل ذلك أخرِسَت الأصوات التي كانت تدعو لتأسيس أصنام جديدة بعد هذا البيان المشرف.

٣- البعد الديني للإبراهيمية

أولًا: يقول سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158].

ثانيًا: يقول سبحانه وتعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 40].

إنّ النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، هو خاتم النبيين، ورسالته تمتاز بالأَبعاد الثلاثة: الخاتمية، الشمولية، الأبدية، أي: هي خاتمة الرسالات، وهي لأهل الأرض كلهم، وتظل إلى يوم القيامة، وهذا هو مسار المشروع الإلهي في هذا الوجود حسب ما اقتضته مراحل تطور البشرية.

وعلى هذا فإنّ الدعوة للإبراهيمية، التي تستند إلى مفهوم (الجد المشترك، النبي المشترك) لَهِيَ عملية كسر لمراحل المشروع الإلهي، وعملية شطب لحقيقة ومفهوم: الخاتمية، الشمولية، الأبدية، وهي إلغاء لدور النبي محمد (ص)، ولدور أهل بيته (عليهم السلام)، ومِنْ ثَمَّ القضاء على التشيُّع كونه الفكرة الوحيدة القادرة على ردع هذه السياسة الاستكبارية وردع توسعها واحتلالها لمقدرات وثروات شعوب غرب آسيا، والتشيُّع أكبر من أن يقف في المعسكر المهزوم، التشيّع اليوم يرسم معالم العالم المنتصر، التشيّع يتفق مع الدول العظمى اليوم لتكوين أمم متحدة جديدة، ويرسم النظام المالي والاقتصادي والسياسي الجديد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حازم أحمد فضالة

المقالة السابقةمحمد علي الحوثي: السيد غريفيث بموقفه في مجلس الأمن يشرعن لاستمرار جريمة الحصار
المقالة التاليةاليَمَن تاريخ وحضارة ورجولة كانت بعين الله ولا زالت