المشهد اليمني الأول

تسبب قائد الجيش اللبناني جوزيف عون بحالة من الصدمة لدى الأوساط للبنانية بعد مهاجمته للحكومة، مثيراً تساؤلات حول الهدف من ذلك وهل يريد أن يكون رئيساً خلفاً للرئيس الحالي العماد ميشال عون أم أنه بصدد التخطيط لانقلاب عسكري.

ومنذ أن تم تعيين عون قائداً للجيش في مارس/آذار 2017، نادراً ما يصدر العماد جوزيف عون أي تعليق حول الشؤون العامة في البلاد، إلا أنه وبعد أربعة سنوات من توليه لمنصبه، كان قائد الجيش للبناني جوزيف عون قد بدأ صوته بالتعالي، وتتردد أصداء انتقاداته للجميع.

وخلال كلمة قام بإلقائها بقاعة خافتة الإضاءة وبحضور أفراد الجيش اللبناني الشهر الماضي، قام جوزيف عون بتوبيخ الحكومة اللبنانية لخفضها ميزانية الجيش.

وقال قائد الجيش اللبناني خلال كلمته: “هل يريدون الجيش أم لا؟ هل يريدون أن يظل الجيش قائماً على قدميه أم لا؟”، وتابع: “نحن لا نقبل أن يمس أحد بحقوق العسكريين”.

وجاءت انتقادات قائد الجيش اللبناني بالتزامن مع حالة الانهيار التي منيت بها العملة المحلية اللبنانية “الليرة”، منذ أواخر العام 2019 مما اضطر الجيش إلى التقشف لأن رواتب عناصره الشهرية تقل عن 120 دولار، وهو مبلغ يقارب الربع للحد الأدنى للأجور في البلاد قبل الأزمة.

ومع شعور الجيش اللبناني بآثار الأزمة الاقتصادية في لبنان، حاله في ذلك حال بقية مواطني البلاد، بدت حالة السخط في بيان جوزيف عون الصريح واضحة للعيان.

ورغم أن جنود الجيش اللبناني جلسوا في هدوء خلال حديثه، لكن كلماته أحدثت موجات من الجدل والنقاشات في كافة أرجاء البلاد، كما صدرت عديد من التكهنات من مراقبين وصحف حول احتمالية أن يكون خطاب قائد الجيش اللبناني، إنذاراً بنيته إعلان نفسه مرشحاً لرئاسة البلاد بعد انتهاء فترة الرئيس الحالي ميشال عون.

ومن المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية أواخر العام المقبل، لكن القائد العسكري جوزيف عون لم يعرب في أي وقت صراحةً عن رغبته في خلافة الرئيس الحالي.

مع ذلك، فإن هناك شيئاً واحداً مؤكداً، وهو أن علاقة قائد الجيش بالرئيس عون التي لطالما بدت وثيقة تدهورت خاصةً أن المجتمع الدولي أصبح أشد حدةً في انتقاداته لمعظم النخبة الحاكمة في لبنان.

من ناحيته يقول المحلل السياسي اللبناني بشار الحلبي في حديث له عبر موقع “ميدل إيست أي”، إن “علاقات قائد الجيش اللبناني جوزيف عون الممتازة مع الولايات المتحدة كان لها دور في نزع الشرعية عن الرئيس اللبناني الحالي ميشال عون”.

وأشار الحلبي إلى أن “كثيرين يرون أن الرئيس عون هو الذي يمكّن حزب الله من قوته المتزايدة في البلاد”.

بالإضافة إلى ذلك، يرى الحلبي أن احتمال الخلاف بينهما له أهمية خاصة لأن كلا الرجلين يشغلان مناصب رئيسية في الحصة المخصصة للمسيحيين المارونيين في النظام السياسي القائم على تقاسم الطوائف للسلطة في لبنان.

وتابع بما نصه: “جوزيف عون بدا أنه يسحب في خطابه دعم الجيش للرئيس ميشال عون”.

وشهد لبنان على مدى الأشهر الثمانية عشر الماضية حالة احتجاجات كبيرة جابت كل البلاد، كما انهيار اقتصادي يتفاقم أكثر بسبب جائحة مرفاً بيروت العام الماضي.

وفي كل هذه الأزمات، تصرفت الدولة المفلسة وكأنها في غيبوبة، على حد وصف  كورونا وانفجار مراقبين، وفوَّضت الجيش للتعامل مع مختلف الأزمات.

وبناء على هذه المعطيات، فإنه بات من الواضح أن جوزيف عون يحاول أن يفصل الجيش عن النخبة الحاكمة في البلاد كما ويسعى عون إلى تقديم قوات الجيش اللبناني على أنها ضحية الفساد المستشري في البلاد.

وفي ظل حالة التشتت والانقسام التي يعيشها لبنان على أسس طائفية وسياسية مختلفة، طالما تم النظر إلى الجيش اللبناني على أنه أحد أهم الكيانات التي تتجاوز هذه الانقسامات ويتعايش معها.

ويضيف الحلبي حول هذا الأمر “الجيش كان هو كيان الدولة الوحيد القادر على حشد دعم الأغلبية وراءه بصرف النظر عن الانتماءات الطائفية والناس لا يريدون له التفكك”.

وأضاف بما نصه: “كل الطوائف تنظر إلى الجيش على أنه المؤسسة التي يتطلعون إليها في الدولة الذي تتجه إليه لضمان الاستدامة المالية لعائلاتهم وخارج بيروت بدرجة رئيسية، الكثيرون يستثمرون أبناءهم في الجيش”.

دعا بعض المتظاهرين المناهضين للحكومة إلى حكم عسكري في لبنان، ومع ذلك فإن أغلبهم كان يدعو إلى أن يكون ذلك ضمن مرحلة انتقالية لكن كل هؤلاء يشكّلون نسبة ضئيلة مقارنةً بأولئك الذين يبجّلون المؤسسة ببساطة.

ومن ناحية أخرى ورغم ابتعاد الجيش اللبناني بدرجة كبيرة عن التورط في احتجاجات العاصمة اللبنانية بيروت، إلا أن قواته لفت في أحيان كثيرة بالتصدي للمتظاهرين في أماكن أخرى.

وزعم متظاهرون في مدن عدة أنهم تعرضوا للتعذيب على أيدي قوات الأمن والجيش اللبناني، كما حوكم آخرون في محاكم عسكرية وتم توجيه تهم إرهاب أحياناً لهم.

ويعلق ناصر ياسين، أستاذ السياسة والتخطيط بالجامعة الأمريكية في بيروت، لموقع MEE: “أينما تعجز الإدارات المدنية عن القيام بوظائف معينة، فإنهم يطلبون من الجيش أن يضطلع بتلك الوظائف”، مضيفاً أن مؤسسات الدولة لا ينقصها الإمكانات في كثير من الأحيان، لكنها تُدار بطريقة سيئة.

وتابع ياسين موضحا: “لماذا الاعتماد على الجيش؟ لأنه فعال وموثوق به إلى حدٍّ كبير من قبل المواطنين، على خلاف السياسيين”.

 

المقالة السابقةتطورات غير مسبوقة في العلاقات الأمريكية السعودية منذ تنصيب بايدن
المقالة التالية“إسرائيل” تطالب الولايات المتحدة بصلاحيات أكبر لمفتشي “الطاقة الذرية” في الإتفاق النووي مع طهران