المشهد اليمني الأول

تشهد الساحة الفلسطينية هزّات تحذيرية تُنبئ بزلزالٍ قادم، وفي الواقع لم يعد الحديث عن هذا الزلزال مجرد نبوءة، فعناصره باتت واضحة وتنضج بشكلٍ متسارع كلّ يوم. ربما يكون مرسوم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس والذي صدر يوم الجمعة في 30 نيسان، والذي أجلّ بموجبه الانتخابات التي كان من المفترض أن تجري في شهر أيار الجاري تلك (الشعرة التي ستقصم ظهر البعير).

إذا أردنا توصيف الوضع السياسي الحالي بشكل دقيق، لا بد لنا من الوقف عن نقاط ثلاث تتفاعل فيما بينها، وتحت تأثير تمظهر التوازن الدولي الجديد، فتخلق هذا المناخ الذي نشهده اليوم. النقطة الأولى: الأزمة السياسية التي يعاني منها كيان العدو الإسرائيلي، والتي ترقى لتشكل خطراً وجودياً عليه، أما النقطة الثانية: تتمثل في أزمة الفصائل الفلسطينية التي بات من الواضح أنها غير قادرة على تلبية لوازم المرحلة، فبعض البُنى السياسية الفلسطينية التقليدية باتت أشبه بجهازٍ يعمل بصعوبة، وسيتوقف قريباً عن الحركة، ليصبح لزاماً الاستغناء عن أجزائه العاطلة. أما النقطة الثالثة: فهي الحركة الشعبية التي أظهرت أحداث باب العامود الأخيرة أن الفلسطينيين يتحركون على المستوى الشعبي بنشاطٍ أعلى.

الانتخابات «تلك المصيبة»

شكل الإعلان عن إجراء انتخاباتٍ فلسطينية شاملة ارتياحاً مؤقتاً في الشارع الفلسطيني، وكان البيان الختامي لقمة القاهرة التي عقدتها الفصائل الفلسطينية في شباط الماضي، طاقة أملٍ بالنسبة للشارع الفلسطيني المُنهك، لكن إشارات الاستفهام الكبرى التي وُضعت فوق مخرجات القمة، شكّلت عقبات موضوعية في وجه التوافق والانتخابات التي نتجت عنه. فينبغي أولاً: توضيح مسألة أساسية حول الانتخابات، فهذه العملية الضرورية والتي لم يعد من الممكن إبقاءها مجمدة منذ 2006، لا تُعد المطلب الوحيد للشارع الفلسطيني، بل شكّلت بالنسبة له البوابة الوحيدة لإعادة توحيد الفصائل المنقسمة، أي: إن الشارع وعلى الرغم من حقه في انتخاب قيادته السياسية إلا أنه يدرك أن المهمة الكبرى هي إعادة توحيد الفصائل التي انقسمت في الانتخابات الماضية. لكن الواقع أثبت أن ما جرى في قمة القاهرة كان محاولة لكسب الوقت لا أكثر.

فالسبب المعلن لتأجيل الانتخابات هو إعلان رئيس السلطة الفلسطينية والقيادي في حركة فتح محمود عباس، أن الشروط الأساسية لإجراء الانتخابات لم تتحقق، ويتحدث تحديداً عن أن «إسرائيل لم تسمح بإجراء الانتخابات في القدس»، وهو ما لا يمكن قبوله بالنسبة له. وللحقيقة يدرك الجميع: أن كلمات عباس هذه إنما كلمات حقٍ يُراد بها باطل، فكيان العدو الصهيوني أعطى منذ البداية إشارات إلى عدم قبوله بإجراء هذه الانتخابات في القدس، ولا يُعتبر هذا الموقف مفاجئاً، بل الأكثر من ذلك أن وسائل الإعلام وبعض المصادر المتنوعة تتناول معلومات تفيد بأن حلولاً بديلة وضعت على طاولة عباس تضمن إشراك المقدسيين في هذه الانتخابات عبر إيجاد طرقٍ بديلة، لكن محمود عباس تجاهل هذه الأصوات كما لو أنه متمسك بقرار كيان العدو الإسرائيلي بمنع الانتخابات أكثر من كيان العدو الإسرائيلي نفسه! ومن هذه النقطة يبدو أن قوىً داخل هذه الفصائل تتقاطع رغباتها مع رغبة الكيان، وهذا ما بات يُرى في عددٍ من الملفات الأخرى.

لا شك أن أسباباً كثيرة كانت وراء تأجيل الانتخابات، ولا نستبعد هنا الرأي الذي يرد هذا التأجيل إلى قلق محمود عباس من حظوظ قوائم فتح الأخرى، وتحديداً قائمة (الحرية) التي أطلقها القيادي ناصر القدوة، والتي حظيت بدعم الأسير مروان البرغوثي، أو ذلك الرأي الذي يرد التأجيل إلى قلق فتح من حظوظ حماس في هذه الانتخابات. لكن ما يهم في نهاية المطاف، هو أن قرار التأجيل هذا يعني شيئاً واحداً وهو تأجيل ملف المصالحة والحفاظ على الانقسام، أي: إنه إعلان جديد عن عجز البنية الحالية عن إنجاز المهام الموضوعة على الطاولة، مما سيجعلها في مواجهة مع الأجزاء الحيّة في هذه البنية، ومع الشارع الذي نفذ صبره.

شارع غاضب من الاحتلال وأشياء أخرى كثيرة

شكّلت المواجهات التي دارت في الأسابيع الماضية في باب العامود داخل القدس المحتلة، حدثاً يجب الوقوف عنده، فهي في البداية رد من الشارع على تصعيد كيان العدو الصهيوني، والذي تراجع تحت ضغط الفلسطينيين، لكن جانباً آخر أكثر «خطورة» يتضح، فتحركات المقاومة في قطاع غزة والصواريخ التي جرى إطلاقها بشكل متزامن مع الأحداث الجارية في القدس، إنما تُعطي مؤشراً جديداً، أن حالة الانقسام الظاهرة في الفصائل لم تكن يوماً معبراً حقيقياً عن حال الشعب الفلسطيني، الذي يتعامل مع نفسه بوصفه شعباً واحداً ويتحرك- وعلى الرغم من الاعتبارات السياسية- كشعبٍ واحد، لذلك تشكّل حالة التصعيد الأخيرة هذه- بالإضافة إلى الاحتجاجات التي تلت الإعلان عن تأجيل الانتخابات- أرضية يمكن أن يتحرك الشارع الفلسطيني على أساسها، فهذا الشارع يصوغ تدريجياً برنامجاً واحداً، ويدرك بالوقت نفسه أن جزءاً من القيادات السياسية باتت انعكاساً للكيان الصهيوني نفسه، تدافع عنه وتتحرك وفقاً لمصالحه. ويدرك الشارع الفلسطيني بفطرته أن سلطة أوسلو باتت بوحدة حالٍ مع كيان العدو الصهيوني.

الكماشة تطبق على الكيان

في تصريحات لرئيس الوزراء الصهيوني الأسبق، إيهود أولمرت قال فيها: إن استهداف الفلسطينيين بهذا الشكل الكثيف والمتكرر، لا يترك لهم إلّا خياراً واحداً وهو الرد العنيف. وأضاف أولمرت في مقاله في جريدة (معاريف): «يجري عمل منظم ومنهجي لمحافل يهودية في مناطق مختلفة في الضفة الغربية تستهدف الفلسطينيين، وإلحاق أضرار اقتصادية جسيمة بهم، بل وإيقاع الأذى الجسدي بهم (….) وهذا ما يستهدف حشر الفلسطينيين بشكل منهجي في الزاوية، بحيث لا يترك الحال لهم في النهاية أي خيار غير الرد العنيف». على الرغم من محاولة أولمرت الترويج كما لو أن الصهاينة تصرفوا بشكل مختلف فيما مضى! ومحاولته القول: إن بعض «اليمينيين المتطرفين» يسيئون لصورة كيان العدو الإسرائيلي في هذه التصرفات العنيفة تجاه الفلسطينيين، متناسياً أن العصابات الصهيونية ومنذ بدء نشاطها وصولاً إلى احتلال فلسطين وحتى اليوم، لم تستخدم شكلاً آخر، بل إن سلوك «اليمينيين المتطرفين» هؤلاء إنما هو جوهر سلوك الكيان منذ نشأته. لكن اللافت هو السبب الذي يدفع الصهيوني أولمرت لها القول الآن!؟ وفي اليوم نفسه الذي جرى الإعلان عن تأجيل الانتخابات الفلسطينية. أولمرت على ما يبدو بات أحد المتخوفين داخل كيان العدو الصهيوني مما يجري، فهناك أصوات باتت ترى أن الوضع يوشك على الانفجار، وأن كيان العدو الصهيوني وضمن التوازن الدولي والإقليمي الحالي، لن يكون قادراً على التعامل مع انتفاضة فلسطينية شاملة، لذلك تتخوف هذه القوى من أن الصراع السياسي داخل كيان العدو الإسرائيلي بات يفرض على اللاعبين أن يقامروا بتلك اللبنات الأساسية التي تضمن توازن كيان العدو الإسرائيلي. فما يقوله أولمرت صحيح لكنه ليس جديداً، ولم يكن في نظره خطراً وجودياً سابقاً! لكن الجديد في المسألة، أن الطريق بات مزروعاً بالألغام، فكيان العدو الصهيوني يخسر إن تمت المصالحة الوطنية الفلسطينية، ويخسر إن أعاق هذه المصالحة، فترسيخ الانقسام الفلسطيني كان ممكناً، والدليل أنه تم واستمر 15 عاماً! لكن إنهاء هذا الانقسام بات مطلباً شعبياً فلسطينياً، مدعوماً من قوى دولية صاعدة، مثل: روسيا والصين، قادرة على تأمين غطاءٍ دولي لتحوّل سياسي كهذا، لذلك هو قدرٌ لا راد له. وإعادة توحيد الشارع الفلسطيني سينتج قوى سياسية جديدة تعبّر فعلاً عن إرادة الشعب الفلسطيني، وتعيد النظر بأوسلو ومفرزاتها. الفرق الوحيد يكمن بأن تتم هذه العملية عبر تلك القوى القائمة اليوم، أو أن يفرضها الشارع على كيان العدو الإسرائيلي والقوى الأخرى. أي: إن كيان العدو الصهيوني محكومٌ في نهاية المطاف بإطلاق النار على قدميه ولا خيار آخر ضمن الشروط الحالية.

المقالة السابقةأزمة كورونا تحرم السعودية مليارات الدولارات من عائدات الحج للموسم الثاني
المقالة التاليةترقبوا.. افتتاح موقع الإعلام الحربي اليمني بمناسبة يوم القدس العالمي