المشهد اليمني الأول

من الطبيعي أن تضطرب المشاعر وتكثر التساؤلات وتتزاحم التأويلات والتكهنات حول الثورة الفلسطينية نتيجة حجم التآمر عليها منذ بدايات تمدد وإمداد المشروع الصهيوني الذي اُعلن عنه في المؤتمر الصهيوني الأول في أغسطس/1897 في مدينة بازل بسويسرا والذي كان من أهم قراراته:

1 – إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وحُددت الوسائل التالية لتنفيذ هذا الهدف:

أ- تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين.

ب- تنظيمهم وربطهم بالحركة الصهيونية.

ج- العمل من أجل الحصول على تأييد دول العالم لتحقيق هذا الهدف (الشرعية الدولية)!.

2 – تشكيل منظمة الصهيونية العالمية بقيادة تيودور هيرتزل.

3 – تشكيل الجهاز التنفيذي (الوكالة اليهودية) لتنفيذ قرارات المؤتمر وأبرز مهام الوكالة جمع الأموال في صندوق قومي لشراء الأراضي وإرسال المهاجرين وتشجيعهم على إقامة المستعمرات والمستوطنات.

وكنتاج للتحالف الصهيوني الاستعماري كان الوعد أو الإعلان الذي أطلقته بريطانيا على لسان وزير خارجيتها آرثر جيمس بلفور في 2/نوفمبر/1917 الذي قضى بإعلان فلسطين وطناً قومياً لليهود ليشكل ذلك الوعد صورة من أبشع صور الاستهتار بالقانون الدولي وانتهاكاً صارخاً للشرعية الدولية.

كانت فلسطين حينها تحت الاحتلال البريطاني الذي اتخذ شكل الانتداب وترتب على ذلك التصرف ممن لا يملك لمن لا يستحق إنشاء الكيان الصهيوني (إسرائيل) في 14/مايو/1948.

تلك كانت بعض مقدمات وبدايات المشروع الصهيوني، وهو مشروع بينت الأحداث والوقائع على الأرض أنه يستهدف العرب وكل المنطقة، وحين نقول: يستهدف أمة فهذا يعني أن (المُستهدِف) بكسر الدال قد درَس (المُستهدَف) بفتحها أي المنطقة بكل تفاصيلها الجغرافية والإنسانية ووضع الخطط لاستيعابها.

لا تقل إن هذا تضخيم ناتج عن سيطرة نظرية المؤامرة على الأذهان، فمثل هذا القول جزء من المؤامرة، لكن السؤال المطلوب طرحه أولا هو: ماذا صنع العرب في مواجهة المشروع الصهيوني منذ انطلاقته؟! أما السؤال الثاني فهو: هل تأتي معركة (سيف القدس) اليوم ضمن مشروع مقاومة حقيقية وفعالة توازي فعالية وحيوية المشروع الصهيوني التي تزداد مع الزمن في مواجهة ضمور واضمحلال وخمول وبلادة العقل العربي؟.

وهذه نتاج قراءة لبعض ما يجري على أرض الواقع وليس جلداً للذات ولا تثبيطاً لهمم هؤلاء الأحرار المشاركين في المعركة ولا تقليلاً من أهمية تضحيات أبناء القدس وفلسطين الذين انطلقوا بفعل الضرورة لمواجهة عنجهية الكيان الصهيوني الذي استباح كل المقدسات بأعلى درجة من الاستهتار بكل القيم مسنوداً بالدعم الأمريكي اللامحدود ليمض بكل صلف وأريحية في تنفيذ مشاريعه الاستيطانية.

وما قصدته من سرد بعض الوقائع التاريخية أن مسلك النظام الرسمي العربي مع القضية الفلسطينية يبين مدى مشاركته في الدفع بإنجاح المشروع الصهيوني، ومن عجائب الزمن أن تُجنَّد أمة ضد وجودها، فالشعوب العربية المنكوبة بقياداتها أياً كان شكلها واتجاه أيديولوجيتها كانت دولهم من أوائل الدول التي فتحت أبوابها ودفعت بموجات هجرة قطعان الصهاينة إلى أرض فلسطين تمهيداً لقيام دولة الكيان الصهيوني الغاصب (إسرائيل) ومعظم -إن لم يكن جميع- مشاريع الاستيطان في أرض فلسطين المحتلة مُولت وما تزال بالمال المُسمى بالعربي أو الخليجي.

لأن أغلب حكام العرب صنيعة هذا المشروع كان ذلك بصورة مستترة ثم كُشف الستار عنه بوقاحة بإعلان : (صفقة القرن) أو (خطة ترامب للسلام) التي أعدت باسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 29/ 1/ 2020 بما يعنيه من تصفية للقضية الفلسطينية أو التخلص من الحد الأدنى الذي رأى البعض إمكانية أن يؤدي إلى ما يسمى حل الدولتين.

وهذه الصفقة في الحقيقة لم تكن سوى نتاج لاتفاقات أوسلو التي وقَّعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع الكيان الصهيوني في مدينة واشنطن في 13/سبتمبر/1993 لتتحول بموجبها القضية الفلسطينية من ثورة إلى سلطة وظيفتها الاستجابة لإدارة المفاوضات العبثية المستمرة منذ أكثر من 27 عاماً تم خلالها تثبيت وتنمية فساد السلطة التي كان من أهم وظائفها التنسيق الأمني مع الكيان وشرعنة الاستيطان والتغطية على جرائمه وتقاسم المصالح بين رموز السلطة ليكون معنى السلام هو الاستسلام الذي يعلن الرئيس الفلسطيني وكل رموز السلطة في كل مناسبة أنه الخيار الوحيد.

لقد استمرت الحركات الشعبية تحت حصار هذه السلطة المسماة بالفلسطينية والسلطات المسماة بالعربية بسلوكها تغذي استشراس المشروع الصهيوني الذي أراه في أضعف حالاته بفعل المقاومة لولا هذا الانفصال الرهيب بين السلطات العربية وشعوبها وبين الأقوال والأفعال !.

فهل يتمكن الشعب الفلسطيني وشعوب الأمة من استعادة حقهم في الحرية والكرامة؟!

أعتقد أن نشاط المقاومة في فلسطين واليمن والعراق وسوريا تدفع نحو التفاؤل بأن هذه الشعوب قادرة على ذلك, لكن متى؟!

هذا ما ستجيب عليه الوقائع على الأرض مع ملاحظة أن الإعلام العربي المساند للقضية الفلـسطينية بحاجة لاستراتيجية تخدم القضية بشكل أفضل!.

للثورة أقدام وأوردة وماء، للثورة نار تتوهج ودماء، الثورة تصنعُ حُباً وسلاماً ووئاما.

_________
عبد العزيز البغدادي

المقالة السابقةقتل الصحفيين وتزوير الواقع.. استراتيجية الإحتلال لحرب غزة
المقالة التاليةبالفيديو.. خسائر مهولة للكيان في معركة “سيف القدس” (مليار دولار يوميا)