المشهد اليمني الأول

لا شك أن أمريكا التي تمهّلت بضعة أيام ليست بالغباء الذي يمكن أن يجعلها تظن، ولو للحظة، أنّ بالإمكان القضاء على المقاومة في غزة، عن طريق عملية عسكرية أو حتى حرب تشنها إسرائيل على القطاع…

‎للقضاء على المقاومة هم يزرعون السوس داخل المجتمعات العربية… وداخل المجتمع الفلسطيني نفسه، وداخل الفصائل أيضا.. هذا هو الكفيل بالقضاء على المقاومة وعلى روحها وفكرها….

‎ما نراه هذه الأيام هو الصور المشرقة للِانتصار… ما نراه ونسمعه، هو ما نريد أن نراه ونسمعه… نتجاهل تلك الصور الرمادية التي تمجد حركة الإخوان المسلمين التي تتحمل وزر مذهبة المجتمعات، وزرع أفكار ابن تيمية في عقول الجاهليين المعاصرين، حتى أنبتت جماعات من التكفيريين الذين أحرقوا الأخضر واليابس، في سوريا والعراق وحتى مصر، دون أن يقوموا حتى بغزوة واحدة من غزواتهم الجاهلية باتجاه فلسطين وبيت المقدس…

‎فيصل القاسم ليس على الجزيرة فقط.. أمثال فيصل القاسم ليسوا قلة في غزة وفلسطين… أمثال محمود عباس ومحمد دحلان أيضا…

‎هذ ليس تثبيطاً للهمم… بل هو مجرّد تحذير ٍ مِمّا تنسجه لنا الإمبريالية…

‎لقد حذّرت أميريكا نتنياهو من التمادي في استفزاز المشاعر الوطنية والدينية والقومية… لكنّ نتنياهو الجالس على رقاب حكام الرياض وأبو ظبي والمنامة، والمتحكم بمحمود عباس ودحلان على الريموت كونترول لم يعبأ…بالنسبة له، هؤلاء العرب ليسوا سوى فقاعات صوتية…

‎محور المقاومة يُراكِم السلاح فوق السلاح، ويتردد في تفجير الشرق الأوسط

‎استفزازات نتنياهو والمستوطنين ليست جديدة… هي تحصل كل يوم… لكن يبدو أن القشة التي قصمت ظهر البعير أتت أخيرا، والحمدلله…

‎تساقطت الصواريخ وحاصرت غزة المُحاصرة سجانيها وأنزلتهم إلى الملاجئ… أحد عشر يوما وجهابذة الإمبريالية يفتشون عن مخرج…

‎تحرك الفرنسي في مجلس الأمن، وتحرك المصري والقطري …. يجب وقف النار دون اضطرار إسرائيل لدفع ثمن ما اقترفته والأهم، ثمن الهزيمة….

‎أخيرا، تفتقت عبقرية السيد الأبيض فأوعز إلى وكلائه بتعيين وقت متزامن لوقف النار، لكن دون شروط…

كانت هزيمة الكيان قاسية جداً، وكان المفروض طرح شروط قاسية عليه، ليس أقلها خطوط حمراء حول القدس وجماهير الضفة وال48… كان يتوجب على الأقل كسر حصار غزة…

‎أمريكا تعرف أن هذا الكيان لا يتحمل خسارة فادحة، فعملت على تمييع المواقف وحشر الغزاويين في الزاوية… إذا هم رفضوا وقف إطلاق النار..

‎في حرب الـ 73 تدخلت أمريكا مباشرة لقلب الموازين.

‎بعد هزيمتها في العراق، وهروبها منه، ثم تورطها مجددا في بعض مناطق العراق وسوريا، لم يعد بإمكانها الدخول مباشرة ضد الفلسطينيين…

‎يقول المحور: إنّه كان يراقب الأمور، وإنّ غزة لم تكن بحاجة، ولو تطلب الأمر، لجاءها الدعم من كل حدب وصوب… لكن، ما حدث فعلا هو أن الأمريكيين أرجعونا إلى اليوم الأخير ما قبل انفجار انتفاضة القدس…

‎عادوا يعتدون على حي الشيخ جراح… ودخلوا الساحات من جهة باب المغاربة الذي كانوا اجتاحوه مباشرة، بعد سقوط القدس… نرى كل هذا بأيدِِ مكبلةٍ بوقف النار.

الحصار لا زال جاثما على صدور الغزيّين…

عندما تخمد انتفاضة، لا يكون من السهل إعادة بعث الروح فيها…

‎بدل روح القتال وعشق الشهادة، عدنا نبكي للعالم ظلامتنا، ونسينا أننا نتحمل وزر هذه الظلامة، لعدم إعلانها حرباً شعواءَ لا رحمة فيها… أليس الحصار سبباً كافيا ً لكي تعود الجبهة إلى الِاشتعال.. فكما وجّه القائد محمدضيف، حماه الله، الأمر ببدء عملية سيف القدس، يستطيع توجيه إنذار من أجل رفع الحصار عن غزة وإلا…

‎لقد انتصر الصهاينة على جنود العرب وضباطهم سنة 48، عبر سياسة الهدنة في كل مرة يكون الجانب العربي منتصرا… لقد فعلها هذه المرة أيضا… وثم، رمى لنا موزة الدولتين لنتذابح…

‎قد تقول المقاومة: إنّها أُجبرت على قبول وقف النار، حتى تُسقط أي ذريعة قد تُتّخذ ضدها…

‎اليوم يجب أن تدعوا الفصائل إلى اجتماع يضم الجميع ويضع الشروط الكفيلة بتحرير إرادة كل الفلسطينيين والإصرار على الحد الأدنى من حقوقهم لمرحلة مؤقتة كاملة…

‎منذ اليوم، يجب البدء بالتحضير لحربٍ قادمةٍ آتيةٍ حتماً…

‎يتوجب على المحور وضع الخطط منذ اليوم، حتى لو استوجب الأمر تفجير كل المنطقة، بما في ذلك ضرب أصدقاء الصهاينة في الخليج ضربات قاصمة…

‎المفروض أنّ قِوى المحور تملك ثقة لا تُثمّن، بعد ما حصل، والمفروض أن يكون هو أمام الجماهير المنتفضة، بدل أن يكون خلفها، كما حدث في الجولة الأخيرة..

‎حتى لو جاءت أمريكا… لا بل يجب استجلابها وتوريطها كي ننتهي من الكيان… بعد أن نمرًغ أنوف الِاثنبن بالتراب..

‎لا أحد يقول: إنّ هذه العملية سوف تنتهي سريعاً ودون صعوبات…. هذا العمل لا بد منه، مهما بلغت التضحيات… وإلا، فالستاتيكو والموت من الأمراض والحصار…

‎ماذا إذا قررت المحكمة إخلاء البيوت…هل سوف نلطم على خدودنا… أم نعود إلى إشعال الحرب؟…

‎ليس قدرنا السير وفق الخطط الأمريكية…علينا نحن فرض القدر الذي نريد….

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حليم خاتون

المقالة السابقةقائد بجيش احتلال العدو الإسرائيلي: إنجازات حـمـــاس أعظم مما نتخيله وهيئة الأركان لها دور في ذلك
المقالة التاليةفورين بوليسي: لهذا السبب قد تتفجر الأوضاع في فلسطين رغم الهدنة الأخيرة؟