المشهد اليمني الأول

في تحديد جرائم العدو بشكل عام وما يرتكبه في غزة وفلسطين بشكل خاصّ، لا يكفي أن ننظر إليه على أنه معارك معزول بعضها عن بعض. فكما على القاضي عندما يحاكم متهماً أن ينظر في تاريخه الإجرامي ليتبين ما إذا كان معتاداً الإجرام، ويدرس كيفية سلوكه تجاه الجريمة التي يحاكم من أجلها: هل هي بنت ساعتها أم أتت بعد تخطيط وترصد، علينا أن نأخذ تاريخ العدو كله في المنطقة وحدة واحدة، ذلك أن ما يجري اليوم يعود على الأقل إلى سنة 1897، تاريخ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا، فمنذ ذلك التاريخ بدأ التخطيط الناشط لاغتصاب فلسطين.

إن هذا المنهج يكشف لنا طبيعة الوقائع ويساعد في توصيفها القانوني qualification، كما يوضح ما يسمّى في علم الجريمة بـ «الركن المعنوي» Mens rea على حقيقته.
لكنّ ما يؤسف له أن الحقوقيين العرب والمسلمين يسلمون مع الغربيين الذين يتغافلون، لأسباب معروفة، عن التاريخ الإجرامي للعدو الصهيوني ويعدون كيانه في فلسطين كياناً طبيعياً شرعياً. وأنه يتصرف كسائر الدول «المتحضرة»، فيدافع عن نفسه وعن مصالحه… في حين أن الحقيقة هي أن مجرد وجوده على هذه الأرض هو جريمة متمادية قائمة منذ عشرات السنين.
والآن لنعُد إلى ما يرتكب على أرض فلسطين بما فيها غزة ونبحث في توصيفه على ضوء ما ذهبنا إليه.

في الارتكابات

فما هي طبيعة ما يُرتكب؟ هل هو دفاع عن النفس؟ هل هو جرائم حرب؟ هل هو جرائم ضد الإنسانية؟ هل هو جريمة إبادة جنس بشري؟ هل هو جريمة عدوان؟ هل هو كل ذلك؟

الدفاع عن النفس يتمّ عندما تكون الدولة في مكانها الطبيعي ويجري التعرض لها من قِبل معتدين لا يملكون أي حق تجاهها. فهو فعل تقضي به الضرورة «لدفع تعرّض غير محق ولا مثار» من قبل الضحية. وهذا منتفٍ بالنسبة إلى كيان العدو.

جرائم الحرب (راجع م 8 من نظام روما).

تعني جرائم الحرب:

أ‌) الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 آب/ أغسطس 1949 عندما ترتكب في إطار خطة أو سياسة عامة أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم، أي أي فعل من الأفعال التالية ضد الأشخاص، أو الممتلكات الذين تحميهم أحكام اتفاقية جنيف ذات الصلة (نقتصر على ما ارتكب العدو).
1- القتل العمد.
3- تعمد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بالجسم أو بالصحة.
4 – إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك وبالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة.
6- تعمد حرمان أي أسير حرب أو أي شخص آخر مشمول بالحماية من حقه في أن يحاكم محاكمة عادلة ونظامية.
7- الإبعاد أو النقل غير المشروعين أو الحبس غير المشروع.
8- أخذ رهائن.

ب‌) الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقوانين والأعراف السارية على المنازعات الدولية المسلحة في النطاق الثابت للقانون الدولي، أي أي فعل من الأفعال التالية:
1- تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية.
2- تعمد توجيه هجمات ضد مواقع مدنية، أي المواقع التي لا تشكل أهدافاً عسكرية.
3- تعمد شن هجمات ضد موظفين مستخدمين أو منشآت أو مواد أو وحدات أو مركبات مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام عملاً بميثاق الأمم المتحدة ما داموا يستخدمون الحماية التي توفر للمدنيين أو للمواقع المدنية بموجب قانون المنازعات المسلحة.
4- تعمد شنّ هجوم مع العلم بأن هذا الهجوم سيُسفر عن خسائر تبعية في الأرواح أو عن إصابات بين المدنيين أو عن إلحاق أضرار مدنية أو إحداث ضرر واسع النطاق وطويل الأجل وشديد للبيئة الطبيعية يكون إفراطه واضحاً بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية المتوقعة الملموسة المباشرة.

5- مهاجمة أو قصف المدن أو القرى أو المساكن أو المباني العزلاء التي لا تكون أهدافاً عسكرية بأية وسيلة كانت.
8- قيام دولة الاحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر، بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو إبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها.
9- تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية، والآثار التاريخية، والمستشفيات وأماكن تجمع المرضى والجرحى شريطة ألا تكون أهدافاً عسكرية.

11- قتل أفراد منتمين إلى دولة معادية أو جيش معادٍ أو إصابتهم غدراً.
13- تدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها ما لم يكن هذا التدمير أو الاستيلاء مما تحتّمه ضرورات الحرب.
17- استخدام السموم أو الأسلحة المسممة.
18- استخدام الغازات الخانقة أو السامة أو غيرها من الغازات وجميع ما في حكمها من السوائل أو المواد أو الأجهزة

20- استخدام أسلحة أو قذائف أو مواد أو أساليب حربية تسبب بطبيعتها أضراراً زائدة أو آلاماً لا لزوم لها.
24- تعمد توجيه هجمات ضد المباني والمواد والوحدات الطبية ووسائل النقل والأفراد من مستعملي الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف طبقاً للقانون الدولي.
25- تعمد تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمد عرقلة الإمدادات الغوثية على النحو المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف.
السؤال: هل ترتكب هذه الجرائم ردة فعل على أفعال؟ هل هي أخطاء مما يحصل في الحروب من خسائر جانبية؟ أم تأتي في إطار خطة أو سياسة عامة أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم، ما زالت مستمرة، إن لم نقل منذ اشتداد ساعد العصابات الصهيونية في فلسطين، فمنذ حرب 1948.
إذاً هي جرائم حرب موصوفة ومتكررة بل ومتمادية منذ عقود.

الجرائم ضد الإنسانية (م7 من نظام روما)

الجريمة ضد الإنسانية هي أي فعل من الأفعال الآتية (نقتصر على ما ارتكب العدو)، متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم:
أ) القتل العمد.
ب‌) الإبادة.
د ) إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان.
هـ) السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي.
و) التعذيب.
ح‌) اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرفية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية.
ط‌) الاختفاء القسري للأشخاص.
ي‌) جريمة الفصل العنصري.
ك) الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبّب عمداً في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية.
لغرض الفقرة 1:
أ) تعني عبارة «هجوم موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين» نهجاً سلوكياً يتضمن الارتكاب المتكرر للأفعال المشار إليها في الفقرة 1 ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، عملاً بسياسة دولة أو منظمة تقضي بارتكاب هذا الهجوم، أو تعزيزاً لهذه السياسة.
ب) تشمل «الإبادة» تعمد فرض أحوال معيشية، من بينها الحرمان من الحصول على الطعام والدواء، بقصد إهلاك جزء من السكان.

د ) يعني «إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان» نقل الأشخاص المعنيين قسراً من المنطقة التي يوجدون فيها بصفة مشروعة، بالطرد أو بأي فعل قسري آخر، دون مبررات يسمح بها القانون الدولي.
هـ) يعني «التعذيب» تعمد إلحاق ألم شديد أو معاناة شديدة، سواء بدنياً أو عقلياً، بشخص موجود تحت إشراف المتهم أو سيطرته، ولكن لا يشمل التعذيب أي ألم أو معاناة ينجمان فحسب عن عقوبات قانونية أو يكونان جزءاً منها أو نتيجة لها.

ز ) يعني «الاضطهاد» حرمان جماعة من السكان أو مجموع السكان حرماناً متعمداً وشديداً من الحقوق الأساسية بما يخالف القانون الدولي، وذلك بسبب هوية الجماعة أو المجموع.

ح‌) تعني «جريمة الفصل العنصري» أية أفعال لا إنسانية تماثل في طابعها الأفعال المشار إليها في الفقرة 1 وترتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أية جماعة أو جماعات عرقية أخرى، وترتكب بنيّة الإبقاء على ذلك النظام.

ط) يعني «الإخفاء القسري للأشخاص» إلقاء القبض على أي أشخاص أو احتجازهم أو اختطافهم من قبل دولة أو منظمة سياسية، أو بإذن أو دعم منها لهذا الفعل أو بسكوتها عليه، ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم أو عن أماكن وجودهم بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة.

فهل هذه الارتكابات أخطاء يسأل عنها قائد ميداني، أم هي لبّ المعارك التي يشنها العدو ضد الفلسطينيين، وبالتالي هي ترتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم، منذ أن بدأ نشاطه المكثف للاستيلاء على فلسطين.

جريمة إبادة جنس بشري Genocide (م6 من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية)
جريمة إبادة جنس بشري تقوم على العمل العمدي الهادف إلى القضاء الكلي أو الجزئي على جماعة معينة محددة بانتمائها المشترك المتميز الذي يضعها في مواجهة مع جماعة تنكر عليها حقها بالحياة من حيث المبدأ.

وأتى التعريف ومن ضمنه التعداد في «اتفاقية منع ومعاقبة جريمة إبادة جنس بشري» في 9/12/1948 والتي وُضعت موضع التنفيذ في 12/1/1951، في مادتها الثانية حيث ورد:
تعني إبادة الجنس أياً من الأفعال الآتية المرتكبة، بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو اثنية أو عنصرية أو دينية بصفتها هذه:

أ- قتل أعضاء من الجماعة.
ب-إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.
ج-إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً.
د-فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.
ه-نقل أطفال من الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.

وقد وقف الفقه والاجتهاد، بالنسبة إلى هذه الجريمة، عند ثلاث مسائل:

1- الجماعات التي تشملها أحكام الاتفاقية: فهناك من يقصر هذه الجريمة على الهولوكوست، ومنهم الحركة الصهيونية التي تحاول «الاستئثار» بالتعرض لهذه الجريمة.
2- شرط العدد: يميل الفقهاء إلى أنه، إذا لم يُفصح المرتكبون عن نيتهم القضاء على الجماعة كلياً أو جزئياً، فإن الجريمة تتحقق من خلال تكرار الأفعال بشكل يثبت الإصرار على القضاء الكلي أو الجزئي على الجماعة.

3- مسألة النية: يمكن اكتشاف النية وإثباتها من طريق الوقائع والقرائن، وهذا ما قضت به محكمة رواندا حيث جاء في أحد قراراتها: «أن المحكمة أخذت بعين الاعتبار امتداد أعمال القتل وإطارها العام ورأت أن ذلك فقط يسمح بالاستنتاج العقلاني أن المشاركين يملكون نية خاصة بأن يدمّروا جماعة التوتسي كلياً أو جزئياً» (1).

هل يشكل حصار غزة ثم الهجوم عليها جريمة إبادة جنس

إن الصهاينة الذين طردوا معظم الفلسطينيين وشرّدوهم خارج بلادهم وارتكبوا المجازر في صفوفهم منذ 1948، لا يمكن تفسير سلوكهم إلا على أنه محاولات مستمرة وعلى نفس طويل من أجل القضاء، إن لم يكن كلياً، فعلى الأقل جزئياً، على هذه الجماعة، الجماعة الفلسطينية. إذاً هم يرتكبون جريمة إبادة جنس بشري بكل تأكيد.

جريمة العدوان:

تتمثل جريمة العدوان بواحد من الأفعال الآتية (قرار الجمعية العامة 3314-د29):
1- قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو إقليم دولة أخرى أو الهجوم عليه، أو أي احتلال عسكري، ولو كان مؤقتاً، ينجم عن مثل هذا الغزو أو الهجوم، أو أي ضم لإقليم دولة أخرى أو لجزء منه باستعمال القوة؛
2- قيام القوات المسلحة لدولة ما بقذف إقليم دولة أخرى بالقنابل، أو استعمال دولة ما أي أسلحة ضد إقليم دولة أخرى؛
3- ضرب أو حصار موانئ دولة ما أو على سواحلها من قبل القوات المسلحة لدولة أخرى؛
4- قيام القوات المسلحة لدولة ما بمهاجمة القوات المسلحة البرية أو البحرية أو الجوية أو الأسطولين البحري والجوي لدولة أخرى؛
كل هذا يرتكبه كيان العدو في فلسطين منذ أن أنشأ دولته على هذه الأرض.

وإذا كانت هذه الجريمة قد دخلت إلى نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية بالمادة 8 مكرر، لكنها اشترطت أن تكون الدولة المعنية قد قبلت مسبقاً بالخضوع للمادة 8 مكرر، وأن يكون مجلس الأمن قد اتخذ قراراً بأن الدولة المعنية ارتكبت عملاً عدوانياً. وهذا ما يجعل المادة 8 مكرر لغواً لا فائدة منه، سوى الإدانة الأخلاقية.

أخلص إلى القول:

1- يجب أن يغير الحقوقي العربي أو المسلم منهجه في مقاربة ما يتعلق بالعدو الصهيوني، وحتى ما يتعلق بالدول الاستعمارية. بحيث يؤخذ تاريخ ممارساتها بالحسبان.
2- إن العدو ارتكب ما يزيد على 30 جريمة ذات طابع دولي على أرض فلسطين وأراضٍ عربية أخرى. بما فيها جريمة إبادة جنس بشري Genocide، إلى جانب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان.

في الرد

هذه الأصناف من الجرائم ما زالت تُرتكب منذ عشرات السنين، ولم يكن الإخوة الفلسطينيون يملكون إمكانيات الرد الفعال عليها، رغم شجاعتهم وبذلهم التضحيات، وذلك بسبب تخلي الأنظمة العربية المتخمة بالمال عنهم لصالح أعدائهم، أعداء الأمة بل أعداء البشرية، واقتصار الدعم على سوريا معظم المدة السابقة، سوريا التي تحمّلت عبء قضايا التحرر العربي منفردة لزمن ليس بالقصير.

ولما قيّض الله لهم الجمهورية الإسلامية بإمكاناتها والتزامها، أخذت الأمور تتبدل بسرعة، وصولاً إلى تمكينهم من أسرار التكنولوجيا الضرورية، التي سمحت لهم بتمريغ غطرسة العدو الصهيوني وترسانته وألوية النخبة من جنوده بالوحل، وحرّرت غزة وحمتها وراحت تتحكّم باللعبة إلى حد بعيد.

إن ما يحصل في غزة اليوم، وكذلك في جنوب لبنان، شبيه بنتائجه بما حصل في معركة الخندق أيام الرسول (ص)، التي راحت فيها قوة الكافرين سفالاً إلى أن حصدوا الهزيمة النهائية.

لقد تطور الموقف من الإزعاج، إلى الدفاع، إلى الردع السلبي، إلى الردع الإيجابي وحماية ما يتجاوز غزة المحررة نسبياً، وبإذن الله إلى بداية انكسار المشروع الصهيوني وحتى حاميته الرئيسية الولايات المتحدة الأميركية، التي بدأت هي الأخرى رحلة انحدارها كما يؤكد بول كينيدي وبريجنسكي وكيسنجر نفسه.

_____
* محمد طي – أستاذ في كلية الحقوق، الجامعة اللبنانية

المقالة السابقةغزة: لا هدنة مقابل الاعمار ولن يُسمح لأحد بـ«ابتزازنا» بها أو بغيرها من الملفّات
المقالة التاليةحماس: ان رشقة صاروخية على تل أبيب من 250 صاروخ لأسهل علينا من شربة ماء