المشهد اليمني الأول

بعد 4 أشهر كاملة منذ توليه الرئاسة في 20 يناير/ كانون الثاني 2021، اتصل الرئيس الأميركي جو بايدن، لأول مرة وعقب طول تجاهل، برئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي في 20 مايو/أيار 2021K لبحث “وقف التصعيد في قطاع غزة”.

وعلى العكس تماما، كان أول اتصال من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بالسيسي، بعد 3 أيام فقط من تولي ترامب الرئاسة في 20 يناير/كانون الثاني 2017، بحصا خلاله “مكافحة الإرهاب والتطرف”.

بعد اتصال بايدن، أطال البيان الرسمي المصري في شرح ما جرى خلال المكالمة في 322 كلمة، وتحدث عن مناقشة قضايا عدة.

فيما كان بيان البيت الأبيض قصيرا (59 كلمة فقط)، وقال إن “بايدن ناقش مع السيسي وقف إطلاق النار بين إسرائيل وغزة فقط!”.

وفجر 21 مايو/أيار 2021، بدأ وقف لإطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة، بوساطة مصرية، بعد عدوان عسكري إسرائيلي استمر 11 يوما على القطاع، حيث يعيش أكثر من مليوني فلسطيني.

وكان من الواضح أن السيسي “سعيد” بهذا الاتصال الذي أعاده للواجهة الأميركية، لذا حرص على التعليق عبر حسابه بالقول: “تلقيت بسعادة بالغة المكالمة الهاتفية من الرئيس الأميركي جو بايدن”.

كما لم ينس السيسي أن “يمنشن” بايدن في التغريدة، حتى يراه الرئيس الأميركي وهو يقول له: “أتطلع لتحقيق المزيد من المصالح والمساحات المشتركة”.

سعدت اليوم بحديثى المطول مع فخامة الرئيس بايدن @POTUS والذى إتسم بالتفاهم والصراحة والمصداقية فى كافة الموضوعات التى تهم البلدين والمنطقة … وأود أن اؤكد أن الرئيس بايدن يتمتع برؤية ثاقبة وخبرة متميزة تتسم بالواقعية فى كافة الملفات بما فيها ملف العلاقات الثنائية

الرابح الأول

“بالنسبة للعديد من المحللين والدبلوماسيين، الرابح الوحيد الواضح في الحرب الأخيرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو السيسي”، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية في 21 مايو/ أيار 2021.

ففور وصوله إلى البيت الأبيض، تعهد بايدن، بأنه لن يكون هناك المزيد من “الشيكات على بياض” لـ”الديكتاتور المفضل لترامب”، في إشارة إلى السيسي، وطالبه بتحسين سجل حقوق الإنسان.

وفي الأشهر الأربعة الأولى من رئاسته، لم يتصل بايدن بالسيسي، “وهو ازدراء غير مسبوق لحليف رئيس في الشرق الأوسط”، لكن “مع تصاعد المواجهات بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، انتهز السيسي الفرصة، ونجح في التوصل لهدنة بين الطرفين”، وفق “نيويورك تايمز”.

من جانبها، قالت صحيفة “وول ستريت جورنال” في 21 مايو/أيار 2021، إن “السيسي سيسعى للاستفادة من ذلك داخليا وفي قضايا أخرى مثل نهر النيل والسد الإثيوبي، بعدما لجأ له الأميركان”.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين غربيين ومصريين قولهم إن “مصر تأمل أن تستفيد من نفوذها الجديد لدى واشنطن بعد تدخلها في قضية غزة، كي تساعدها أميركا في دعمها داخليا وفي نزاعها مع إثيوبيا وصراع ليبيا ومسائل الأمن الإقليمي بشكل عام”.

وتابعت: “يأمل المصريون أن يؤدي لعبهم دورا حاسما في التوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وفلسطينيين، إلى توثيق العلاقات مع إدارة بايدن، والتي كانت فاترة بسبب سجل السيسي السيء في مجال حقوق الإنسان”.

بايدن
بايدن

 

ونقلت “وول ستريت جورنال” عن الخبير بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، ستيفن كوك، إن “تجاهل بايدن للسيسي استقبلته القاهرة بهدوء، لأنها كانت تعرف أنه سيلجأ لها حين يشتعل ملف غزة”.

وأضاف كوك: “وجهة نظر المصريين هي أنه في المرة القادمة حين يحدث شيء ما (حرب) بين الإسرائيليين وحماس، ستأتي إلينا واشنطن”!.

واستغل نظام وإعلام ومؤسسات السيسي الدينية الأمر، وبعد السماح بخطبة رسمية خاصة من الأزهر في 14 مايو/أيار 2021 لدعم غزة، تكرر الأمر في الخطبة التي بعدها على التلفزيون المصري.

هذه المرة، ألقى وزير الأوقاف محمد مختار جمعة، خطبة عن “دور مصر الجديدة، دولة البناء والتعمير التي ستقوم بإعادة بناء وتعمير غزة”، وجاءت مختلفة عما جرى توزيعه على باقي مساجد مصر، لسبب “دعائي واضح”.

 

لماذا اتصل؟

كان من الواضح أن سبب اتصال بايدن بالسيسي هو ترتيب وقف إطلاق النار بين الاحتلال الإسرائيلي وفصائل المقاومة الفلسطينية، ما يعني أن غزة هي التي فتحت أبواب البيت الأبيض أمام السيسي بعد تجاهل أميركي “متعمد” له؛ بسبب قضايا الحريات وحقوق الإنسان.

وقال مصدر دبلوماسي مصري لـ”الاستقلال” إن “بايدن اتصل بالسيسي لتكليفه بإبلاغ حماس بموعد وقف القتال وضمان التزامها به بعدما حصل من نتنياهو على قرار بوقف النار في نفس الموعد”.

وأوضح المصدر، طالبا عدم ذكر اسمه، أن “دور القاهرة كان إبلاغ حماس رسميا بالقرار الأميركي بوقف القتال والتأكيد على التزامها به، بعدما أجبر بايدن نتنياهو على إعلان وقف القتال أولا، عقب رفضه وساطة وطلب مصر ذلك مرتين”.

بايدن كشف أنه اتصل بالسيسي مرة واحدة خلال أيام العدوان الـ 11 على غزة، بينما اتصل برئيس وزراء إسرائيل 6 مرات خلال نفس الفترة!.

لذا كان من الطبيعي أن تحتفي الرئاسة المصرية والإعلام الموالي باتصال بايدن بالسيسي مع “بعض بهارات التطبيل المعتادة وإشادة بايدن بالسيسي!”، وفق متابعين.

ويعتبر الاتصال الأول أنه جاء إثر العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث استفاد منه نظام السيسي لـ”العودة بدور مصر التقليدي في القضية الفلسطينية، بعيدا عن الدور الذي رسمته له دول الثورة المضادة والتي جعلته حليفا لليمين المتشدد في إسرائيل والغرب”.

حرب غزة الرابعة، جاءت بمكاسب أخرى للسيسي حققتها له حركة “حماس”، فبعدما قصفت خط أنابيب “عسقلان إيلات” المنافس لقناة السويس لخدمة أمن مصر القومي، جمعت بين بايدن والسيسي في أول اتصال.

وعلى مدار الأربعة أشهر التي تجاهلت فيها إدارة بايدن السيسي بعث له الأخير 4 رسائل سلبية، الأولى، حين اتصل بلينكين بنظيره سامح شكري في 24 فبراير/شباط 2021 للإعراب عن “قلق أميركا إزاء وضع حقوق الإنسان في مصر” ما بدا كرسالة أميركية واضحة تجاه نظام السيسي.

الرسالة الثانية، كانت إعراب الخارجية الأميركية، في 11 مارس/آذار 2021 على لسان متحدثها نيد برايس، عن قلق واشنطن حيال “أوضاع حقوق الإنسان وقمع حرية التعبير والمجتمع المدني بمصر”.

والثالثة، تمثلت في انضمام أميركا إلى 30 دولة أصدرت بيانا موحدا في 12 مارس/آذار 2021 يطالب مصر بـ”إنهاء ملاحقة النشطاء والصحفيين والمعارضين بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، والإفراج عن المعتقلين دون قيد أو شرط”.

والرابعة، حين التقى وزير خارجية أميركا بالحقوقي المصري حسام بهجت؛ لبحث قضايا حقوق الإنسان في مصر، ما بدا أيضا كتوجه أميركي عقابي للسيسي، جراء تحديه إدارة بايدن والقيام بحملة اعتقالات جديدة عكس المتوقع عقب توليه منصبه.

سبق هذه الرسائل قول بايدن في 12 يوليو/تموز 2020 تعليقا على مقتل معتقل مصري من أصل أميركي في سجون السيسي: “لا مزيد من الشيكات على بياض لديكتاتور ترامب المفضل”.

 

دور إقليمي

ويرجع السبب الرئيس لتحول موقف نظام السيسي من غزة، وبالتالي العودة الطبيعية للدور الإقليمي المفقود، هو “سعيه لتحسين العلاقات مع إدارة بايدن انطلاقا من ملف غزة ودور مصر التقليدي في ترتيب الهدنة هناك مع الاحتلال عقب كل جولة”.

وخلال معركة غزة 2012، التي لم تستمر سوى 4 أيام؛ بسبب تهديدات وتدخل أول رئيس منتخب بعد الثورة المصرية محمد مرسي للاحتلال، كان واضحا عودة الدور الإقليمي لمصر، بعد فتور خلال حكم الرئيس الراحل حسني مبارك.

بايدن
بايدن

في حرب غزة 2012، كانت الكلمة التي تكررت في اجتماعات الحكومة الإسرائيلية المصغرة “مرسي.. مرسي”، في إشارة إلى وجوب إنهاء الحرب خوفا من غضب رئيس مصر العظيم”، حسبما قال معلق قناة “13” العبرية، “أودي سيغل”.

في حرب 2012، ساعد أمران أساسيان “حماسا” على رفع سقف شروطها لتحقيق التهدئة، هما نجاحها مع بقية الفصائل في تقديم مقاومة أبهرت الجميع مع وصول صواريخها إلى عمق عاصمة الاحتلال وما بعدها.

والأمر الثاني، هو التغير العميق الذي طال السياسة الخارجية المصرية بعد الثورة (عام 2011) وتفعيل دور القاهرة الإقليمي وتحوله لـ،”ورقة مساندة وداعمة لحماس في مواجهة الاحتلال”.

وآنذاك، قال سعد الكتاتني رئيس حزب “الحرية والعدالة”: “على إسرائيل أن تدرك أن مصر تغيرت، ولم تعد كنزا إستراتيجيا لها”، ما أحرج الاحتلال واضطره لوقف العدوان والاستجابة لشروط المقاومة وتبادل الأسرى.

وفي 2021، يسعى نظام السيسي لاستعادة هذا الدور الإقليمي لسببين، الأول إحراج المطبعين العرب له وسحبهم البساط من دور مصر، والثاني، إعادة تقديم نظامه لبايدن الذي يتجاهله على أنه “مفيد لمصالح أميركا وإسرائيل في المنطقة”.

استعادة الدور

“دعم مصر المعلن للفلسطينيين هو محاولة لإعادة تنشيط دورها التقليدي كوسيط إقليمي بين الفلسطينيين وإسرائيل”، بحسب المحلل السياسي المصري مصطفى كامل السيد لموقع “مونيتور” الأميركي في 21 مايو/ أيار 2021.

وأضاف “علاوة على ذلك، تخشى مصر من تطبيع العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية خاصة الإمارات ومشاريع النفط والغاز المشتركة بينهما، والتي تخشى القاهرة أن تضر باقتصادها”.

ورغم نفي الدبلوماسي السابق، مصطفى الفقي، حدوث تغير في السياسة المصرية تجاه الفلسطينيين، إلا أنه “ألمح إلى أن تحركات القيادة المصرية لاحتواء الأزمة كان محاولة لتهدئة الرأي العام الداخلي، وتجنب مخاطر الاضطرابات الشعبية، خاصة وأن الاحتجاجات محظورة في مصر”، حسبما قال لموقع “مونيتور” في 21 مايو/ أيار 2021.

وتابع الفقي: “لو أبقت مصر معبر رفح مغلقا، لأطلق ذلك العنان لغضب المتعاطفين مع الفلسطينيين الأمر الذي كان سيجعل مصر شريكة في الجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين”.

لكن هناك تقارير استخبارية مصرية نقلت للسيسي، تشير إلى نجاح “حماس” في توحيد كل فلسطين التاريخية، وأن تعاطفا شعبيا مصريا وعربيا عارما مع المقاومة يصعب تجاهله، وإلا انعكس على الضغوط الداخلية، بحسب متابعين.

مرور مصر أيضا بأصعب مرحلة في أزمة “سد النهضة”، وسط فتور سياسي مع أميركا وحاجتها لامتلاك “كروت” سياسية إقليمية للتأثير، ساهم في تحول موقف نظام السيسي.

فيما أكد خبراء أن تحرك السيسي الداعم لغزة “ولو دعائيا”، مقابل اعتقال وسجن من تضامن معها أو رفع علم فلسطين أو أحرق علم إسرائيل، كان رسالة لحكومة بنيامين نتنياهو والإدارة الأميركية أنه “لا يزال يمتلك دورا وأوراقا إقليمية، منها قضية فلسطين”.

كما أن السعي المصري لاستعادة الدور الإقليمي من ملف القضية الفلسطينية، يهدف أيضا لـ”تنفيس” بعض الغضب الشعبي الذي أثبتت القضية الفلسطينية قدرتها على خلقه من جديد، ويهدد بربيع عربي جديد ينطلق من القدس لكل العالم العربي.

موقع i24news العبري قال في 18 مايو/ أيار 2021: إن تدخل السيسي في غزة هذه المرة جاء “ضمن سعي نظامه لاستعادة نفوذه الإقليمي من خلال التوسط بين إسرائيل وحماس”.

واعتبر الموقع أن النظام المصري “بأخذه لموقف واضح من الأزمة فهو ينتصر لنفسه ولمصر كدولة كبيرة ومؤثرة إقليميا”.

المقالة السابقةالغسيل الرياضي.. نهج سعودي للتغطية على الانتهاكات وتلميع الصورة
المقالة التاليةحسين العزي للإصلاح: الوطنية لا تتجزأ وموقفكم من “ميّون” إنما نكاية بالممول