المشهد اليمني الأول

الواهمون الحالمون بعودة مصر وصحوة ثورية في مصر (رغبة أو اضطرارا) كما يظنون، وأن ذلك سيكون كرد فعل على حجم المؤامرات عليها هذه الأيام، وأنها ستعود إلى العمق والحضن العربي بنفس ثوري لحاجتها إلى ذلك حاجتها إلى أن تكون أقوى جيوسياسيا في محيط معاد يهدد المصالح الجيوسياسية لها.

وأيضاً يعززون فكرتهم هذه بالقول إن مصر اليوم تحتاج إلى الاستفادة من كل الدعم والحشد العربي والالتفاف حولها بوصفها -حسب ظنهم- الدولة المؤهلة لقيادة صحوة عربية ونهوض قومي ثوري جديد، لأنها دولة كبيرة ولها تاريخ في القيادة ودولة قاعدة، بحسب الفكر القومي، وأن تحزمها بالمحيط العربي العمق الاستراتيجي هو ما سيمكنها من مجابهة التهديدات المتنوعة لها، نقول لهم: كلام جميل وكلام معقول ما قدرش أقول حاجة عنه”، لكن.. هذا ضرب من التمنيات الحالمة المدفوعة بعواطف ثقافية وأيديولوجية أو مدفوعة بـ”النوستالجيا” من قبل من يحنون إلى الماضي الثوري الذهبي، أي إلى ما يمكن أن نسميه “الزمن المصري”!

خلال أحداث انتفاضة مايو الفلسطينية الأخيرة وجدنا الكثير من الحالمين في مصر واليمن والخليج وفلسطين والأردن تحديدا راحوا يبشرون ويحلمون بمواقف مصرية جديدة راديكالية تجاه القضية الفلسطينية، وقد خدعهم ذلك الدعم المحدود الخجول الذي حصل عليه الثوار إبان الانتفاضة من قبل الحكومة المصرية، ونسوا ألاعيب السياسة والحسابات والدوافع المصلحية الكامنة من وراء ذلك، وهو ما ليس له علاقة لا من قريب ولا من بعيد بصحوة الضمير السياسي أو يقظة الفكر أو صواب التفكير الاستراتيجي الجديد.

لا.. أبدا لا يوجد شيء من ذلك، وإنما “وراء الأكمة ما وراءها”، وأن البتوع الذين أيدوا “صفقة القرن” مازال لديهم أمل كبير في السير في مخططاتها بطرق ملتوية سرية جهنمية، وربما تحت غطاء الحاجة إلى المشاريع الاستثمارية أو الغطاء الإنساني، أو الحاجة إلى أوراق للعب والضغط السياسي والابتزاز والمساومة والمقايضة أكثر من كونها اعتبارات جيوسياسية للأمن القومي كما يُقال! يعرف أولاد الـ”كامب” إمكانياتهم وقدراتهم بإدراك واقعي ويعرفون ربما طبيعة النفق الذي أدخلوا أنفسهم فيه منذ خمسة عقود وأنه ليس بمستطاعهم ذلك، أي نصرة القضية الفلسطينية بحسب ما ينبغي، ناهيك عن أنه لا رغبة أو قناعة لديهم!

وهذه السكة، سكة الكرامة والنجاح والطموح، سكة الثورة، سكة عبدالناصر ليست سكتهم أبدا، لأنهم ليسوا أكثر من شلة أو عصابة من عسكر البورجوازية أو فئة البورجوازيين القادمين من مؤسسة الجيش (الأرميتاريا) لديهم رغبة شديدة في الاستمرار في الحكم والإثراء من التسليح والعسكرة بالغطاء الإمبريالي الصهيوني الأطلسي وبنهج التضليل والقمع العنيف الفرعوني الفاشي للشعب، وما العنتريات الفارغة بخصوص فلسطين التي ينخدع بها العاطفيون السذج إلا للتضليل والخداع، فأين هم حقيقة من الصحوة العربية والعودة إلى الطريق الصحيح!

ويدركون أيضاً أنهم غرقوا في بحر من المشكلات المتكاثرة، وأن عدة جبهات قد فُتِحت (بضم الفاء وكسر التاء) أو فتحوها وأسهموا في فتحها هم، وأنهم ليس بمقدورهم تحمل ما هو فوق طاقتهم أو مجابهة الحلف الذي دعمهم منذ البداية (الحلف الصهيوني الإمبريالي الأطلسي الرجعي الخليجي)، وكان السبب في ظهورهم، ثم في بقائهم على سدة الحكم طوال هذه المدة، وأنهم بحاجة إلى مساندة العرب لهم في مواجهة مشكلاتهم المتكاثرة وأبرزها مشكلة سد النهضة.

فكيف تتوقعون منهم تقديم الدعم للفلسطينيين إلى ما هو أبعد من “دبلوماسية المهدئات” أو سياسة الاحتواء وإطفاء الحرائق أو تعظيم المكاسب الاقتصادية لدولتهم أو الانخراط في لعبة استثمارات “صفقة القرن”، وهم ليسوا على استعداد لخوض المعركة العسكرية أو المجابهة السياسية مع الصهاينة والغرب، لما لهذا النهج من مخاطر جمة، ومن رهن لمصير النظام بأيدي المجهول وتكلفة مادية وبشرية باهظة، وإنما كما قلت ينخرطون في مشاريع استثمارية ضمن مخطط صهيوني معروف ويحتاجون حاليا إلى التركيز على حل مشكلاتهم العويصة (الداخلية والخارجية) وأولاها سد النهضة وما أدراك ما سد النهضة أو كارثة سد النهضة!

مصر (أولاد الكامب) حاليا يا إخوتي أوهن مما تظنون! وهي بحاجة إلى السير في مسار النهوض الاقتصادي التنموي لاستغلال ثروتها الغازية والانطلاق كمركز للطاقة في “الشرق الأوسط”، وبحاجة إلى جلب الاستثمارات إليها وتصديرها، وبحاجة إلى السلم، وبحاجة إلى حصاد ما بنوه من مشاريع عملاقه للبنية التحتية والسير “جنب الحيط” كما يقولون ويخططون، أي أنهم بحاجة إلى أن يتمسكنوا حتى يتمكنوا!

لو تعلم أيها الحالم مقدار الهشاشة الاجتماعية وضخامة المشكلات الاقتصادية والأمنية والسياسية لما انخدعت وغرتك الأماني. أيها الحالم بعودة مصر ودعمها الحقيقي للقضية الفلسطينية، أقول لك: كيف ترجو العون من عبدالمعين؟ والمثل يقول “جئتك يا عبدالمعين تعينني لقيتك يا عبدالمعين تنعان”.

كيف دخلوا وساروا في النفق المظلم

منذ سيطرة “أولاد الكامب” على الحكم في مصر والمصائب تحل على البلد دون توقف، الأزمات تشتد، والمشكلات تتكاثر. في مصر لا يتفوق على معدل التزايد السكاني إلا معدل تزايد المشكلات ومعدل تزايد القمع والجريمة ومعدل تزايد التذمر والاحتقان الاجتماعي منذ انقلاب أيار/ مايو 1971 الساداتي المشؤوم على ما تبقى من الجناح اليساري في ثورة يوليو، الناصريين تحديدا، بدأ الجنرال المتصهين ينهج نهجا تصفويا بحق ميراث الثورة المجيدة، واختط نهجا أمريكيا مشؤوما ولم يكن جادا في معركته ضد الإمبريالية والصهيونية.

حتى في حرب أكتوبر التي نسب الفضل في نصرها إليه وإلى شلته المحيطة به زورا وبهتانا، وهي الحرب التي أجهض هو كل ثمار نصرها العظيم في ما بعد باستسلامه السياسي المهين، وكان تبريره للسياسات الجديدة الانقلابية ضعيفا ركيكا، إذ اكتفى فقط باصطياد أخطاء النظام السابق، أخطاء الاقتصاد والاستبداد والفساد والقمع والهزيمة واللعب على نغمة مراكز القوى التي كان هو وشلته وأصحابه ومريدوه أسوأ أجنحتها وأكثرها فسادا وتغولا!

لم تكن هناك رؤية لدى عسكر يمين الثورة أو إن شئت الدقة لم يكن لدى “بتوع” الثورة المضادة رؤية استراتيجية سليمة في معالجة مشكلات الماضي، وإنما اندفاع أرعن باتجاه المعسكر الآخر (الإمبريالي الصهيوني) الذي رأى فيه طوق النجاة للخروج من دوامة المشكلات المتراكمة المستعصية، فجلب للبلاد والثورة حبل المشنقة بدلا من طوق النجاة وأعدمها تماما في نهاية السبعينيات. حكم السادات على ثورة يوليو بالإعدام ونفذ الحكم بدم بارد خدمة للصهاينة والإمبرياليين! وراح كقائد شعبوي ديماغوجي يميني من الطراز الرفيع يخدع شعبه ويضلل مواطنيه ويقمع النخب ويشتريهم بسياسة ذهب المعز وسيفه!

وبالجبروت الفرعوني والنهج العسكري الفاشي وضع نظاما للقبضة الأمنية الفاشية الحديدية وقمع الأصوليين الظلاميين الإرهابيين بشراسة بعد أن سمح لهم بالعبث ونشر التطرف في المجتمع لفترة من الزمن ساد فيها الغزل السياسي تحت يافطة ما سموه دولة العلم والإيمان، وأخرس أصوات اليسار الثوري (ناصريين وماركسيبن) وقام بتحجيم ما تبقى لهم من وجود سياسي مستخدما كل أساليب التشويه والقمع والحصار والتفكيك!

في فترة السادات المظلمة هذه وما بعدها ذهبت مصر في سكة الندامة، سكة الأمركة والتصهين والتخلي عن محيطها وعمقها العربي والتخلي عن نهج الدفاع عن القضايا القومية العربية وفرض سياسة التوحش الرأسمالي، أي التخلي عن وظائف الدولة الاجتماعية واللجوء إلى الاستعانة بالمساعدات الأمريكية ومعونات البترودولار الخليجي، وغرقت أثناء ذلك في صراع عنيف مع الجماعات الأصولية المتطرفة التي أرهبت المجتمع والنظام واغتالت الرئيس السادات نفسه، وكان أحد دوافعها المعلنة هو اتفاقية السلام المشؤومة التي وقعها النظام مع الصهاينة، والتي اعتبرها العرب بكل أنظمتهم السياسية وقواهم السياسية والجماهير العربية ككل تخاذلا واستسلاما وخيانة للقضية الفلسطينية.

هذه الاتفاقية/الكارثة المعروفة باسم “كامب ديفيد” تخلت فيها قيادة النظام الجديد عن مبدأ التحرير الوطني، وفضلت طرح ما يسمى الحكم الذاتي للفلسطينيين، وهي بهذا تكون قد سنت سنة جديدة في التعاطي العربي مع القضية الفلسطينية وأنزلت سقف المطالب المشروعة إلى الحضيض الذي يقارب القاع، حيث القضية ليست قضية تحرير وطني لبلد يخضع لاحتلال إمبريالي صهيوني وإنما مجرد حقوق مدنية وسياسية لشعب أو إثنية تعيش في هذا البلد مع عدم الاعتراف بكونها صاحبة الأرض، إثنية ليس لهم إلا نفس وضعية التعامل من حيث الحقوق بل أقل من ذلك مع الإثنية الأخرى التي ليست سوى قطعان من المستعمرين الغزاة الذين استوطنوا الأرض بعد اغتصابها بالقوة.

منذ ذلك الحين نأت النخب القيادية المصرية للنظام بنفسها عن الانحياز إلى الفلسطينيين وقضيتهم العادلة واختطت نهجا خيانيا خطيرا بانتقالهم فعليا إلى خانة الوسيط السياسي بين طرفين متنازعين وتراجعت القضية المركزية في سلم الأولويات السياسية المصرية إلى مرتبة أخيرة. اكتفى المصريون (بتوع الكامب أو ولاد الكامب) باسترداد أراضيهم المحتلة: سيناء ثم الجزء المتبقي منها طابا، قائلين “واحنا ما لنا”، ثم خضعوا لشروط استسلام مذلة بشأن سيناء، وفرحوا بالمعونات الأمريكية (القمح والسلاح) التي قدمت إليهم كرشوة نظير انبطاحهم وتطبيعهم مع العدو الصهيوني وانتقالهم إلى مربع التبعية المطلقة للغرب الأطلسي.

واعتبروا أن الأفكار والسياسات الثورية الطموحة للزعيم التقدمي الثوري العظيم جمال عبدالناصر مجرد شعارات فارغة، و”حاجات ماتجيبش همها”، وخسروا كثيرا ثقة الجماهير والنخب العربية الشريفة التي أيقنت منذ ذلك الوقت أن فترة القيادة المصرية لمسيرة الثورة العربية قد ولت، بل إن مشروع الثورة العربية قد دخل حالة موات سريري بسبب الخيانة والارتداد المصري، وأن مصر قد انكفأت على نفسها من بلد يقود الدوائر الثلاث ويتزعم العالم الثالث تقريبا إلى بلد منكفئ متضائل الأهمية، تلعب به وبمستقبله مشيخات الخليج واستخبارات الـ”سي آي إيه”.

أدركوا أن مصر تعلن هزيمتها وأنها ستدخل نفقاً مظلماً طويلاً لا أحد يعلم متى الخروج منه! وسرعان ما دخل النظام الفاشل في مواجهة مع النتائج الكارثية الاجتماعية الناجمة عن تخلي الدولة عن وظائفها الاجتماعية، إذ شهدت البلاد سلسلة من الانتفاضات الشعبية، تقريبا ثلاث انتفاضات خلال مدة وجيزة (أقل من عقد من الزمن).

يناير الشعبية عام 1978 التي أطلق عليها السادات اسم “انتفاضة الحرامية” كانت الأولى، وأخرى في مطلع الثمانينيات، أما الثالثة فكانت في منتصف الثمانينيات وسميت “انتفاضة الأمن المركزي”، وهي الانتفاضات التي قمعها النظام الخائب بوحشية منقطعة النظير.

واستمر في مسلسل سياساته الفاشلة ولم يفعل النظام شيئاً سوى أنه بقي يطارد قطار الانفجار السكاني رغبة في سد احتياجات المواطن ولم ينجح في تجاوز القطار ولا في سد الفجوة الغذائية أو فجوة الخدمات لتنتشر مظاهر الفقر ثم الانحطاط في المجتمع المصري، ولن تحتاج عزيزي القارئ إلى تذكير أو سرد، فالدراما المصرية هي أفضل سجل في توثيق وتأريخ المشكلات في المجتمع المصري إبان الحقبة الساداتية المظلمة ووصفها بما تمثله من مرآة تعكس الواقع الاجتماعي.

فقد سقطت شرائح اجتماعية في هوة الفقر وانتشرت ظاهرة سكان الضواحي الفقراء في مساكن رثة وصعدت فئات أخرى قادمة من القاع اغتنت فجأة وحازت على مكانة اجتماعية جديدة حاملة معها قيمها الفاسدة إلى أعلى، وأصبحت ظاهرة منتشرة، وأصبح لدينا مشهد “فضة المعداوي” في مواجهة “مفيد أبو الغار” في مسلسل “الراية البيضاء” للكاتب أسامة أنور عكاشة، ومشهد دولة الأغنياء، دولة سليم البدري.

انظروا كيف تمكن العسكر من الالتفاف على الثورة الأخيرة وتحطيمها وإعادة إنتاج نظامهم، فالسيسي ليس إلا مبارك بثوب جديد، ومبارك لم يكن إلا سادات بثوب جديد.. واعتبروا يا أولي الألباب.

وأمام منطق فراعنة العصر هؤلاء وأمام منطق “فضة المعداوي” و”سليم البدري” و”محمد رمضان” و”سعد الصغير” لا يمكننا إلا أن نترحم على زمن جميل مضى هو زمن العزة والكرامة الثورية والنهوض، ثم نلعن نظام الهزيمة والسقوط، فنظام كهذا هو نظام “خيخة” إياك أن تتوقع منه شيئاً أيها الواهم الحالم.

___________
عدلي عبد القوي العبسي

المقالة السابقةجنود الله في جيزان
المقالة التاليةفي لقائه بنائبة رئيس بعثة الأمم المتحدة.. اللواء الموشكي يطالب البعثة الأممية بتنفيذ اتفاق الحديدة