المشهد اليمني الأول

في مقابلة أجراها مؤخرا مع فريد زكريا من شبكة سي إن إن لمناقشة الحرب في اليمن، أكد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أن “السعوديين شاركوا بشكل مثمر في محاولة إنهاء هذه الحرب”. وانتقد الحوثيون، المعروفين رسميا باسم أنصار الله، الذين “يواصلون الصمود” بعدم موافقتهم على التفاوض. وتعكس تصريحاته الموقف الأمريكي الرسمي، إلا أنها تخونه إما نقص المعلومات أو رفض قبول الواقع على الأرض: فقد هزم الحوثيون السعوديين.

عندما أطلق وزير الدفاع السعودي آنذاك محمد بن سلمان عملية عاصفة الحزم ضد الحوثيون في آذار/مارس 2015، افترض أن العملية العسكرية ستجلب نصرا سهلا من شأنه أن يساعد في تأكيد ترقيته في نهاية المطاف إلى ولي العهد والملك المقبل. إنّ استعداد السعوديين مؤخرا للتفاوض على وقف لإطلاق النار يعكس موقفهم الضعيف.

وعوضا عن ذلك، فإنّ سبب شعور السعوديين والحوثيين بالاستعداد للمشاركة ليس بسبب شروط التفاوض. ولم يعترف بلينكن بأن اقتراح السعوديين بوقف إطلاق النار، وكذلك الشروط التي قدمها المبعوث الأمريكي الخاص لليمن تيم ليندركينع في مارس/ آذار، يفرض شروطا قاسية على الحوثيين.

إن الادعاء الأمريكي والسعودي بأنهما يسعيان إلى السلام أقل من صادق، لأن الخطط التي عرضاها على الحوثيين يمكن أن تشجعهما على مواصلة القتال بدلا من قبول هدنة.

لإنهاء الحرب، المنتصرون عادة من يملون شروطا على الخاسرين. إنّ فرض مطالب قصوى على المنتصرين أمر عقيم: فهم ببساطة سيواصلون القتال.

ولفهم مأزق اليوم، فإن بعض التاريخ الدبلوماسي ضروري. يبقى إطار جميع المفاوضات الدولية حول اليمن هو قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216. أصدر مجلس الأمن القرار رقم 2216 في أبريل/نيسان 2015، بعد أن قاد السعوديون تحالفا عسكريا في محاولة لطرد الحوثيين من الأراضي التي استولوا عليها.

“لإنهاء الحرب، المنتصرون عادة من يملون شروطا على الخاسرين”

يعرّف القرار الحوثيون بأنهم المحارب الرئيسي في النزاع اليمني. وأنشأت آلية للأمم المتحدة لمراجعة الواردات إلى اليمن من أجل منع إيران من تهريب الأسلحة إلى الحوثيين، وهو ما تستخدمه المملكة العربية السعودية لتبرير حصارها المستمر. والأهم من ذلك، يطالب القرار 2216 الحوثيين بالتخلي عن أسلحتهم ومكاسبهم الإقليمية. ولكن نظرا للوضع الحالي في ساحة المعركة، سيرفض الحوثيون أي مفاوضات تستند إلى هذه الشروط البالية.

يعكس القرار 2216 الأوضاع في اليمن قبل ست سنوات، عندما بدا أنه لا يزال من الممكن لليمن العودة إلى عملية الانتقال السياسي التي تدعمها الأمم المتحدة التي عطلها الحوثيون بالاستيلاء على صنعاء في أواخر عام 2014. وهو لا يعكس ميزان القوى اليوم.

شاركت الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي في عملية الانتقال السياسي في اليمن بعد أشهر من احتجاجات الربيع العربي طوال عام 2011. بناء على طلبهم وفي مقابل العفو، تخلى علي عبد الله صالح في نهاية المطاف عن رئاسة اليمن في فبراير/شباط 2012. دعم حزب صالح السياسي نائبه عبد ربه منصور هادي، الذي خاض الانتخابات الرئاسية التي قاطعها الحوثيون والجماعات الانفصالية الجنوبية، دون معارضة.

وكان من بين الرؤساء المؤقتين هادي أن يتولى منصب الرئيس المؤقت لمدة عامين ويشرف على عملية الانتقال الديمقراطي في اليمن، بما في ذلك مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في الفترة من مارس/آذار 2013 إلى يناير/كانون الثاني 2014. وكان الحوار الوطني يهدف إلى وضع إطار لدستور جديد، وحظي إدماجه بالنساء والشباب بإشادة دولية.

ومع ذلك، لم ترض نتائج الحوار الوطني الحوثيين ولا الانفصاليين الجنوبيين، وهي جماعات تم تهميشها في ظل حكم صالح. وكان صالح قد هزم الانفصاليين الجنوبيين في عام 1994 عندما حاول اليمن الجنوبي السابق الانفصال، واستبعدهم إلى حد كبير من السلطة. وبالمثل، خاض صالح بين عامي 2004 و2010 سلسلة من الحروب مع الحوثيين لسحق حركتهم المتنامية. بعد الإطاحة به من السلطة، انحاز صالح إلى الحوثيين في محاولة لاستعادة السيطرة. قبل الحوثيون صالح لأنه عزز قواتهم بوحدات من الجيش اليمني لا تزال موالية له، على الرغم من أنهم اغتالوه في عام 2017 بعد أن حاول خيانتهم.

لم تُرض نتائج الحوار الوطني الحوثيين ولا الانفصاليين الجنوبيين

وبدعم من صالح، سيطر الحوثيون على صنعاء وأجبروا هادي على الاستقالة. بعد فراره إلى مدينة عدن اليمنية ثم إلى الرياض بالمملكة العربية السعودية، ألغى هادي استقالته، لكنه منذ عام 2015 كان رئيسا بالاسم فقط. وطلب من السعوديين التدخل، وهو الإجراء الذي أكده مجلس الأمن الدولي بقراره اللاحق. يبرر السعوديون أفعالهم في اليمن على أنها تهدف إلى إعادة هادي، كما ينص القرار 2216.

لجأت الجماعات التي شعرت بأنّ الحوار الوطني اليمني لم يعالج مخاوفها بما فيه الكفاية – الحوثيون والانفصاليون الجنوبيون – إلى [القتال] لتعزيز أجندتهم الخاصة. وهذه الجماعات الآن في وضع يمكنها من إملاء مستقبل اليمن السياسي. بالنسبة للعديد من اليمنيين، وخاصة أولئك الذين ناضلوا من أجل تنفيذ عملية الانتقال السياسي السلمية والشاملة نسبيا في بلادهم، فإن الاستسلام للحوثيين أمر غير مقبول.

ولكن لأن القرار 2216 يعكس مطالب غير واقعية وعفا عليها الزمن، فإنه يطيل أمد الصراع ويمنع التفاوض الفعال. فالحوثيون ينتصرون في الشمال، في حين تسيطر الجماعات الانفصالية الجنوبية مثل المجلس الانتقالي الجنوبي على الجنوب، بمساعدة كبيرة من الإمارات العربية المتحدة. وفي الوقت نفسه، تستمر الميليشيات المتنافسة في التكاثر، لأن العنف يوفر الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الموارد ومقعد محتمل على طاولة المفاوضات في المستقبل. وكان مؤتمر الحوار الوطني قد وافق على نظام اتحادي لليمن، ومع ذلك فإن الفيدرالية قد تفسح المجال للتجزؤ الكامل. وكلما طالت مدة الحرب، كلما انقسمت البلاد، ويزداد السلام مراوغة.

“الحوثيون ينتصرون في الشمال، في حين يسيطر المجلس الانتقالي على الجنوب”

لماذا إذن لا يزال القرار 2216 ساريا؟ في ظل الإدارة الأمريكية السابقة، تُرجم كره الرئيس دونالد ترامب لإيران إلى دعم غير مشروط للسعوديين. وفرصة لخليفته، الرئيس جو بايدن، لاستخدام النفوذ الأمريكي على مجلس الأمن للضغط من أجل التوصل إلى قرار جديد. ومن غير المرجح أن تأتي المعارضة من روسيا أو الصين: فقد امتنعت روسيا عن التصويت في مجلس الأمن على القرار 2216 وسوف ترحب بقرار جديد. وقد أقامت الصين علاقات مع جميع أطراف الصراع ومن غير المرجح أن تعارض تحديثا.

وبدلا من ذلك، قد تنشأ معارضة من حلفاء الولايات المتحدة: فالمملكة المتحدة هي حامل القلم لليمن في مجلس الأمن، مما يعني أنها تبدأ جميع إجراءات الأمم المتحدة المتعلقة باليمن. في العام الماضي، خفّضت الحكومة البريطانية المساعدات الإنسانية لليمن بشكل كبير، مما أثار تساؤلات حول مدى لياقة المملكة المتحدة لتقرير مصير اليمن.

وطالما ظل القرار 2216 إطار المفاوضات، فإنه سيستمر في عرقلة التقدم من خلال السماح للسعوديين بتبرير أفعالهم على أنها تتغاضى عنها الأمم المتحدة، مع ثني الحوثيين عن التفاوض. إنّ قرارا جديدا ضروري وينبغي أن يسترشد بثلاثة مبادئ: استعادة السيادة، ومنع التدخل، وتشجيع الشمولية.

ويبرر الإطار الحالي لعام 2216 استمرار مشاركة الجهات الفاعلة الأجنبية في اليمن؛ يجب أن يؤكد القرار الجديد على السيادة اليمنية. وينبغي لها أن تؤكد سيطرة اليمن على موانئها وحدودها. وينبغي أن يتطلب القرار انسحاب جميع الجيوش الأجنبية من اليمن، ومع ذلك، وفي تأكيد رقابة اليمن على أراضيها، ينبغي على القرار أيضا أن يؤكد على مسؤولية اليمن تجاه جيرانه، مثل إدانة الهجمات الصاروخية للحوثيين على السعودية.

يجب أن يكون للقرار آليات لمنع حالات التدخل الأجنبي في المستقبل في شؤون اليمن. ومن شأن فرض حظر على توريد الأسلحة لأي فصيل يمني أن يستهدف مشاركة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإيران. وللمساعدة في تحفيز الجهات الأجنبية الفاعلة على تعزيز السلام في اليمن، ينبغي أن ينص القرار على رفع حظر الأسلحة بمجرد التمسك بوقف إطلاق النار لمدة عام. يجب على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا – التي تستفيد جميعها من بيع الأسلحة التي تضع النفايات إلى اليمن – أن تضع في حسابها الأضرار التي تسببت فيها، مثل المساعدة في إعادة بناء البنية التحتية المهلكة.

وأخيرا، يجب أن يعطي القرار الأولوية للشمولية من خلال تشجيع مشاركة جميع الجماعات المعنية في المفاوضات حول مستقبل اليمن. وينبغي لها أن تعترف بمظالم العديد من الأشخاص الذين قاسوا بسبب الخلل الوظيفي السابق والعنف الحالي في اليمن. ومع ذلك، يجب على الأمم المتحدة ألا تملي شروط حل جميع القضايا العالقة في الحرب الأهلية في اليمن: يجب أن تترك هذه القضايا لليمنيين، مما يخفض من قدرة جميع الأطراف على بدء المفاوضات.

وفي حديثه عن اليمن، قال بايدن في 4 شباط/فبراير: “يجب أن تنتهي هذه الحرب”. ومع ذلك، ما لم يستخدم نفوذ الولايات المتحدة في الأمم المتحدة للضغط من أجل قرار جديد لمجلس الأمن، فإن الولايات المتحدة تتمسك بالشروط التي تديم الصراع.

إن الاستمرار في استخدام القرار 2216 كأساس للتفاوض الدولي يعكس استعدادا ضمنيا لإطالة أمد الصراع، على أمل عبثا، أن يتنازل الحوثيون في نهاية المطاف للمفاوضات.

المقالة السابقةالمشروبات الساخنة أفضل لتبريد الجسم من المشروبات الباردة!
المقالة التاليةمواجهات واعتقالات بالضفة الغربية والمتطرفون الصهاينة يقتحمون الأقصى