المشهد اليمني الأول

تُعدّ العملة الذهبية المعروفة باسم “النسر المزدوج” (The double eagle) من القطع النقدية الأعلى قيمة وثمناً في العالم حالياً، ليس لأنها تنتمي لزمن بعيد يعود إلى عام 1933، أي أن عمرها هو 88 سنة فقط، ولكن لكونها آخر العملات الذهبية التي تم سكها في الولايات المتحدة الأمريكية قبل التحول إلى استخدام العملات الورقية.

وبالتواكب آنذاك مع التحوّل إلى العملة الورقية، جمعت الحكومة الأمريكية العملات الذهبية وصهرتها، ولكن بطرق غير مشروعة تسلّل بعض القطع الذهبية إلى يد بعض الأفراد، بينها هذه العملة التي تعقّبتها السلطات الأمريكية لعشرات الأعوام باعتبار أن تداولها غير قانوني وأن ملكيتها تعود إليها.

وتنقّلت العملة من مالك إلى آخر على مدار الأعوام بطرق مشروعة وغير مشروعة وكان أحد مقتنيها هو الملك فاروق، ملك مصر الذي حصل عليها في الأربعينيات من القرن الماضي، إذ كان لديه ولع شديد بجمع التحف والقطع النادرة على اختلاف أنواعها. ومنذ أيام، بيعت هذه القطعة الذهبية التي تُعدّ من أقيم العملات في العالم في مزاد بنيويورك نظمته دار Sotheby’s الدولية بأكثر من 19 مليون دولار ويُعتبر السعر الأغلى لقطعة نقدية على الإطلاق.

ولهذه العملة قصة مثيرة، إذ إنها الوحيدة الباقية من أصل 445 ألف قطعة مماثلة، سُكّت عام 1933 إلا أنها لم تطرح للتداول في الأسواق، إذ ألغى الرئيس الأمريكي الراحل فرانكلين روزفلت العمل بالعملات الذهبية لتحلّ محلها أوراق البنكنوت. وعند إحصائها قبل صهرها، تم اكتشاف 10 قطع مفقودة كُلّفت دوائر استخباراتية البحث عنها وتمكّنت من استعادة 9 عملات لتبقى واحدة مختفية هي التي تم بيعت أخيراً.

ووفقاً للموقع الإلكتروني لدار المزادات Sotheby’s في عرضه التعريفي للعملة، “فإن هذا هو النسر المزدوج الوحيد لعام 1933 الصادر من قبل دار سك النقود بالولايات المتحدة الذي كان متاحاً لأن يكون في ملكية خاصة لشخص وأي نماذج أخرى موجودة من العملة ذاتها هي ممتلكات تابعة للدولة، ولا يسمح لأي شخص باقتنائها لأن ذلك غير قانوني ويعرّض صاحبه للمساءلة القانونية ومصادرة العملة”.

وعرض الموقع تسلسل ملكية العملة من وقت صدورها عام 1933 بدءًا من الحكومة الأميركية، مروراً بكل من اقتنوها، بينهم الملك فاروق وحتى مالكها الأخير المعروف باسم ستيوارت ويتسمان.

البداية

طبقاً لموقع صالة المزادات Sotheby’s ، فإنه في 12 يناير (كانون الثاني) عام 1905 وفي عشاء بالبيت الأبيض، طلب الرئيس ثيودور روزفلت من النحات الأميركي العظيم أوغسطس سان جودان أن يصمم عملة جديدة للولايات المتحدة، بخاصة أن روزفلت لم يكن راضياً عن تصاميم العملات الموجودة آنذاك واستدعى النحات سان جودان من أجل منح الأمة “عملة يكون لها بعض الجمال”. وبدوره، استوحى سان جودان الفكرة الأساسية للعملة من الثقافة الإغريقية، تحديداً من تمثال النصر المجنح لساموثريس المعروض حالياً في متحف اللوفر.

الكساد الكبير

لاحقاً ومع تصاعد الأحداث العالمية، جاءت المرحلة التي عرفت بالكساد الكبير، فتدهورت الأحوال الاقتصادية وانهار ما يقرب من 1000 بنك، وكانت الأوضاع في غاية السوء. وأمام هذا المشهد الاقتصادي الرهيب، كان بصيص الأمان الوحيد هو الذهب، الملجأ القديم من فوضى الحرب والاضطرابات الاجتماعية، فاندفع الناس إلى الاحتفاظ به وتراجعت حيازة الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك عن الحد الأدنى المطلوب بموجب القانون.

وكان لا بد من إيجاد حل غير تقليدي للأزمة الطاحنة التي ألمّت بالاقتصاد، فدعا الرئيس روزفلت الكونغرس إلى الاجتماع ليصدر قراراً غير متوقع وهو إلغاء التعامل بالعملات الذهبية لتحلّ محلها العملة الورقية، ويبدأ بعدها الذهب بالتدفق على البنوك التي كانت تعاني أزمة غير مسبوقة. وعاجلاً، اصطف الآلاف من الناس خارج بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، حيث سلّموا ما يعادل ملايين الدولارات من الذهب في ما وصفته صحيفة “نيويورك تايمز” وقتها بـ”التدافع الذهبي العكسي”. وبحلول الخامس من أبريل (نيسان) عام 1933، كان تم بالفعل جمع أكثر من 600 مليون دولار من العملات الذهبية من الجمهور.

عملة الملك فاروق

في 23 فبراير (شباط) 1944، باع تاجر العملات B. Max Mehl عملة نسر مزدوج إلى الملك فاروق مقابل 1575 دولاراً، وقيل إن السفارة المصرية في الولايات المتحدة هي اشترتها وشحنتها للملك فاروق. وخلال هذه الفترة التي شهدت الحرب العالمية الثانية، سادت المجاملات الدبلوماسية والتحالفات الاستراتيجية، وبناء عليه لم يتم التطرق إلى الأمر واحتفظ الملك فاروق بالعملة ضمن مقتنياته. وحاولت وزارة الخزانة الأميركية عام 1949 استعادة القطعة، إلا أنها لم تنجح ورُفض الطلب.

لاحقاً، قامت ثورة يوليو وجرت تنحية الملك فاروق عن العرش بواسطة الضباط الأحرار، ليتمّ من بعدها بيع الكثير من تحفه ومقتنياته في المزادات، مما دفع واشنطن إلى إثارة الأمر مجدداً، خوفاً من أن يشتريها أحدهم في مزاد من المزادات، فعادت الأزمة إلى الظهور، وطلبت السفارة الأمريكية في مصر من القاهرة سحبها من المزاد باعتبار أنها ملك للحكومة المصرية بتصريح أميركي خاص وليست قابلة للبيع لأفراد، وبالفعل سُحبت العملة من المزاد.

الفصل الأخير من رحلة النسر المزدوج

طبقاً لموقع صالة المزادات، فإنه بعد مرور عشرات الأعوام، تحديداً عام 1995، ظهرت العملة في لندن مع بريطاني خبير في تجارة التحف والعملات القديمة يدعىStephen Fenton لتُثار المسألة من جديد، فأُلقي القبض عليه وصودرت العملة ليشهد الأمر نزاعاً قانونياً استمر لأعوام بين الحكومة الأمريكية وفينتون على ملكية العملة.

فالحكومة الفيدرالية تؤكد أنها تملكها وأنها سُرقت قبل أكثر من نصف قرن وستيفن فينتون يدّعي أنه هو مالك القطعة واعتمدت واشنطن في ذلك على أن القطعة مسروقة، بينما استند فينتون إلى أوراق ملكية الملك فاروق للعملة، إذ كانت هناك وثيقة تظهر معلومات متعلقة بشحنها له. وأفادت الحكومة بأن مجرد إصدار رخصة تصدير قبل اكتشاف سرقة العملة لا يحوّل الممتلكات المسروقة إلى ممتلكات مملوكة بشكل قانوني.

ومع اقتراب موعد المحاكمة، قرر الجانبان تسوية القضية لأسباب خاصة بهما، فتنازل فينتون عن عملة النسر المزدوج عام 1933 إلى حكومة الولايات المتحدة التي وافقت على بيعها وتقسيم العائدات بالتساوي بينهما مع مراعاة أن هذه التسوية لا تسري على أي عملة نسر مزدوج أخرى.

عام 2002، بيع النسر المزدوج الأسطوري في مزاد علني من خلال عقد وافق عليه محامو دار المزادات والحكومة الأميركية وستيفن فينتون، يقضي بأن هذه هي عملة النسر المزدوج الوحيدة التي تعود إلى عام 1933، والتي يمكن أن تكون مملوكة بشكل قانوني من قبل أي فرد.

بيعت العملة آنذاك لستيوارت ويتسمان بسعر حطّم الرقم القياسي لأي عملة وبلغ 7590020 دولاراً، مما يعكس المكانة الفريدة للقطعة الذهبية التي كانت حديث العالم وقتها ومثاراً لكثير من المقالات والتقارير التي عرّفت بها وبتاريخها، وأنتج فيلم وثائقي عنها، لتظهر من جديد أخيراً بعد إعادة بيعها منذ أيام في دار المزادات الأميركية بسعر يقارب الـ20 مليون دولار.

المقال السابقجرائم العدوان.. طيران العدوان يستهدف منزلين بصرواح مأرب
المقال التاليوثائق سرية.. تورط السعودية بالتجسس على مشايخ المهرة وسقطرى