المشهد اليمني الأول/

 

تزامن كشف متحدث القوات المسلحة اليمنية لمحصلة العدوان حتى الآن بعد تجاوز عدد الغارات الجوية على اليمن ربع مليون غارة، مع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بأن تخفيف معاناة اليمنيين يكون عبر دعم التحالف الذي تقوده السعودية!

 

ويبدو أن أكثر من نصف مليون قنبلة وقذيفة صاروخية كبيرة ومتوسطة بالقصف الجوي والبري والبحري، وما يزيد على مائتين وخمسين ألف قنبلة صاروخية، وما لا يقل عن 5914 قنبلة عنقودية وفسفورية أطلقها العدوان على عدد من المحافظات، لا يكفي امريكا قد توقف العدوان بعد الفشل المخزي في تحقيق أيا من أهدافه المعلنة، والأهم الغير معلنة وهي جوهر العدوان والمتمثلة في “تركيع” الشعب اليمني ونسف إرادة الاستقلال الوطني لديه.

 

قال بومبيو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعارض فرض قيود على المساعدات الأمريكية للتحالف العربي في اليمن، وذلك بعد تصويت مجلس الشيوخ على قرار بهذا الصدد، ليؤكد أن أمريكا هي القائد الحقيقي لمشروع العدوان على اليمن لعدة اهداف يمكن ان نرصد منها:

 

1- قطع الطريق على تواصل محور المقاومة ونمو جبهة مقاومة جديدة باليمن، تستطيع مع احرار العراق واتساع محور المقاومة في سوريا ولبنان، تشكيل هلال مقاوم حول درة تاج المشروع الاستعماري بجزيرة العرب وهو المملكة السعودية.

 

2- تأمين مدخل البحر الأحمر  وطرق التجارة البحرية لحماية الأمن الصهيوني والمصالح التجارية الغربية، وأيضا التحكم في المضائق للتأثير على مصالح المنافسين وعلى رأسهم الصين بطموحها المتمثل في طريق الحرير الجديد.

 

3- وربما هو الأهم، تركيع ارادة الاستقلال لدى الشعوب، بخلق معادلة مفادها أن الاستقلال يرادف العدوان والتدمير، وهو ما يسوغ مشروعات التبعية والانبطاح التي تروج لها معظم الأنظمة العربية بدعوى الاعتدال والحكمة!

 

على الجانب الصهيوني والذي يشارك بالعدوان، وتم تأكيد ذلك عبر التقارير، وهو ما ذكره أيضا المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، فإننا نرى تجاهلا للقانون الدولي وكل المواثيق الشرعية، واعتماد الأمر الواقع وسياسة القوة كمسوغ شرعي وحيد، وهو ما كشف جانبا منه الكاتب والمحلل السياسي، أودي سيغل، في مقال له بصحيفة “معاريف” العبرية، حيث أوضح أن (إسرائيل) فشلت حينما طلبت من الولايات المتحدة الأمريكية الاعتراف بـ”السيادة” الأمريكية على هضبة الجولان السورية المحتلة.

 

ونقلت الصحيفة الصهيونية على لسان الكاتب، سيغل، أن ممارسة الضغوط الإسرائيلية المستمرة على الإدارة الأمريكية للاعتراف بالسيادة على الجولان، هو أمر غير واقعي، ويجب تغيير تلك السياسة بسياسة أخرى أو بتكتيك آخر، يعني الاهتمام بزيادة أعداد الإسرائيليين المقيمين في هضبة الجولان، والاستثمار فيها، أي الاهتمام الاجتماعي والاقتصادي، بدلا من الاهتمام السياسي.

وشدد الكاتب الإسرائيلي على وجوب الاعتراف بأرض الواقع الحالي، دون الاهتمام بالاعتراف الرسمي، سواء من الولايات المتحدة الأمريكية أو المجتمع الدولي، بدعوى أن أرض الواقع هي الأجدى والأنفع.

 

هذا هو ملخص النظام العالمي في لحظته الراهنة، وهو باختصار تجاهل للقانون والاعتماد على سياسة الأمر الواقع، اما من يطالب بحقوقه ويطالب بالاستقلال الوطني، فهو “متمرد” ومنتهك للشرعية!

 

منذ عقود كانت هناك مقولة شهيرة وهي “العدل حلم الضعفاء والقانون يكتبه الأقوياء”، والان لم يعد حتى القانون المفصل على مقاس الأقوياء كافيا ليكون حلما للضعفاء، واي منبطح يراهن على عدالة نظام دولي تستباح به الحقوق، هو محض واهم، او هو جبان مستسلم يتوارى خلف هذه الترهات.

 

لم يترك هذا النظام العالمي بدا من المقاومة المسلحة، وهي حق مكفول حتى في ظل القانون المنتهك، فما بالنا والقانون غير محترم من الأساس من واضعيه!

 

المقاومة ليست فقط حق مشروع وانما واجب انساني واخلاقي، وهي الخيار الأوحد تقريبا في ظل الظروف والتوازنات الراهنة، واي متخلف عن المقاومة ونصرتها هو خائن صريح للوطن.

 

فماذا نقول اذن عن المنتقدين او المهاجمين للمقاومة؟!

من المفهوم ان تحارب أمريكا وكذلك الصهاينة وتوابعهم من المنتسبين للعرب اي مشروع مقاوم، فلطالما اختلقوا نظريات مثل “الدول المارقة”، وصدام الحضارات”، وغيرها، لأن المقاومة والاستقلال الوطني، عدو حقيقي للتمدد الاستعماري.

اما بعض العرب وبعض القطاعات الشعبية التي لا تنحاز للمقاومة وترى فيها خرابا، فهي قطاعات تمكنت منها الدعاية الاستعمارية، وسيطرت عليها الروح الانهزامية، واصبحت مريضة بفوبيا تجاه الاستقلال والتحرر الوطني.

 

(إيهاب شوقي – كاتب من مصر)