الرئيسية زوايا وآراء من باب المندب إلى هرمز .. الرياح تجري بما لا تشتهي «إبراهام...

من باب المندب إلى هرمز .. الرياح تجري بما لا تشتهي «إبراهام لنكولن»

المشهد اليمني الأول/

قال الرئيس مهدي المشاط لجريفيتث: الوضع في المنطقة مشجع للمضي نحو تحقيق السلام… وقال جريفيتث في إحاطته أمام مجلس الأمن: نخشى من انجرار اليمن لحرب إقليمية… المسكوت عنه في مقولة الرئيس المشاط هو: إن الغرب بقيادة أمريكا ليس بوسعه أن يخوض حرباً بأي مستوى مع إيران دون أن يوقف حربه العدوانية على اليمن، ويستنقذ كياناته الوظيفية الإقليمية، التي تشن عدوانها بالإنابة عنه، من حتف حتمي سيترتب على استمرار ضربات الرد والردع اليمنية في تقويض العمق الحيوي لهذه الكيانات بوتيرة حثيثة وتصاعدية لا هوادة فيها ولا سبيل لوقفها سوى إنهاء الحصار والعدوان كلياً على اليمن… وإذا كان الغرب الامبريالي يريد كسب تصعيده في مواجهة إيران جدياً أو الخروج بماء الوجه أمامها فإن استنقاذ كياناته من أنياب ومخالب اليمن هو ثمن يتعين عليه دفعه بلا جدال أو تسويف.

الحقيقة أن الوضع في المنطقة ينذر في ظاهره بمواجهة عسكرية على خلفية القرصنة البريطانية والتصعيد الأمريكي ضد إيران؛ غير أن المشاط الذي يدرك ذلك عمد إلى الضغط على الجرح الغربي المتنامي بفعل عجز واشنطن ـ لندن في ترويض طهران سياسياً بالحرب الاقتصادية وعجزهما أكثر عن الذهاب إلى حرب عسكرية مباشرة معها.. ضغط دبلوماسي ذكي يهدف لتجيير هذا العجز الغربي الفاضح لجهة اليمن المتهم زوراً من قبل الغرب بأنه يخوض حربه بالإنابة عن إيران.. ببساطة يلخص المشاط رده على هذه التهمة القديمة الجديدة بالقول توريةً: أوقفوا عدوانكم على بلدنا ـ فقط ـ وسيتوقف ردنا العسكري المشروع والموجع على مناطق مصالحكم الحيوية في المملكة والإمارات، فنحن نخوض حربنا الدفاعية أمس واليوم ومستقبلاً بالإنابة عن دم شعبنا المسفوك ظلماً ولقمة عيشه المختطفة من قبل تحالف القرصنة والتجويع.

أما المسكوت عنه في عبارة جريفيتث، المتضمنة “خشيته من انجرار اليمن في حرب إقليمية”، فهو: لقد سعينا بقوة لحصر الاشتباك قُطرياً بين اليمنيين بعضهم البعض بحيث يتسنى لنا استنقاذ كيانات الغرب الوظيفية في المنطقة من ألسنة اللهب التي امتدت اليوم لتطال بحيرات البترودولار في عمقها الحيوي، وكنا نعول على أن تجربة “ستوكهولم” التي نأت بطرق الملاحة الدولية في البحر الأحمر عن النار ستجعل السعودية والإمارات بالمثل، بمنأى عن خطر الاشتباك، لكن دون جدوى… فالأمور جرت بنقيض ما نشتهي، ففي الوقت الذي أخفقنا في تحجيم إيران كرقم إقليمي كائن، باتت يمن الأنصار، التي لم تكن في عداد الأرقام، رقماً إقليمياً جديداً يصعب تجاوزه بغير أثمان نوعية في مقدمها الاعتراف به والتفاوض معه وأخذ شروطه ومطالبه على محمل الجد إذا أردنا بالفعل أن نضع حداً لمساحة وجوده القُطري وتأثيره المتسارع إقليمياً، ونتلافى خسارة وجودنا وتأثيرنا المتآكل بفعل متغيرات الأمر الواقع هذه.

بهذا المسكوت عنه في عبارة جريفيتث يمكن تأويل قوله إنه “متفائل بإنهاء الحرب في اليمن قبل نهاية العام الجاري” في إحاطته ذاتها لمجلس الأمن أمس الأول؛ فليس في وسع الغرب أن يكتوي بحريقين أحدهما مشتعل في اليمن والآخر على وشك الاشتعال في “مضيق هرمز وبحر عُمان” والطائرات الأمريكية المسيرة فريسة مجربة لدفاعات إيران، ومسيرات إيران تتنصت على غرف نوم ضباط المارينز في حاملة الطائرات “يو إس إس إبراهام لنكولن” والناقلات البريطانية تغير مسارها قسراً لترسو في قبضة الحرس الثوري الإيراني.. كل ذلك بالتزامن مع احتدام استراتيجية الرد والردع اليمني التي تلتهم عافية الاقتصاد السعودي الغربي في الراهن وغداً القريب ستلتهم مدن الزجاج والملح الإماراتية الغربية إذا ما استمر العدوان الكوني والحصار المطبق على اليمن، فهل بوسع الغرب أن يحتمل كلفة هذين الحريقين؟ دون أن تخسر الأحادية القطبية هيمنتها كلياً على المنطقة ومن ثم على العالم، أو في الحد الأدنى أن لا تربح معركتها الخاسرة سلفاً مع إيران، بينما تخسر كياناتها الوظيفية الخليجية التي تحاول الأحادية الغربية عبثاً أن تضم إليها طهران وتعيد صنعاء إلى حظيرة الطاعة كحظيرة خلفية لهذه الكيانات!

إن أجندة المبعوث البريطاني الأممي لم تكن منذ البدء تستهدف تحقيق سلام مبني على مقاربة منطقية في اليمن تنهي العدوان الأجنبي عليه والحصار المطبق على عنق شعبه وإتاحة مناخ صحي لحوار سياسي يمني يمني بلا وصاية خارجية، وإنما هدفت لاحتواء تداعيات الاشتباك بعيداً عن فضاء المصالح الاقتصادية الرأسمالية العالمية التي كانت (قبل ستوكهولم بأسابيع) قاب قوسين من حافة اشتباك برمائي عجزت خلاله قوى تحالف العدوان عن تحقيق نصر خاطف وسريع وآمن أمام بسالة الصمود الشعبي في الحديدة ونجاعة وفتك الضربات العسكرية النوعية لبحريتنا واستراتيجية جيشنا ولجاننا في كبح وتهشيم جسد العدو الضخم المندفع بقوة وبلا أخلاق صوب مدينة الحديدة بهدف احتلالها. بتعبير آخر: لقد استهدف جريفيتث منذ البدء تخليق معادلة لئيمة قوامها جحيم يكتوي فيه اليمنيون حصراً ويكون برداً وسلاماً على المجتمع الدولي ودول تحالف العدوان في الوقت ذاته، عبر تعميق الاشتباك في الداخل اليمني -لتسويغ طرح سيناريو حل شطري بريطاني- وفض الاشتباك بين تداعيات هذا الاشتباك وبين اكتواء العالم ودول العدوان بها، أو إلقاء اللوم عليها وتحميلها المسؤولية في ما آلت إليه الأوضاع الإنسانية في اليمن من تردٍّ وسوء فادحين بفعل العدوان والحصار.

بطبيعة الحال لقد أسبغت القيادة السياسية لصنعاء على كاهل العجوز البريطاني بُرْد نجاح ما كان ليحظى به لولا تنازلاتها الجريئة والشجاعة لجهة الصالح اليمني العام.. تنازلات أفضت لاتفاق ستوكهولم الذي عول جريفيتث بلؤم على أن بوسعه استفراغه من كل التزام يصب في صالح اليمنيين، ومراكمة سلسلة من الحلقات التشاورية الفارغة تغل عنق صنعاء بالالتزامات فقط، مع بقاء الأوضاع الإنسانية والاقتصادية المتردية على حالها من التردي المتفاقم بما يستفرغ شعبية القيادة في الشارع لجهة تنامي سخطه عليها، وحينها سيكون بوسع جريفيتث -حد ما كان يصبو- أن ينشب سكين التشطير في بلد بات عجينة تورتة لينة قابلة بلا ممانعة للتثنية والتخميس والتسديس وفق مشيئة السكين.

غير أن تدشين استراتيجية الرد والردع في طورها المزلزل الراهن أفسد على العجوز “الإنجلوأممي” أحلام اليقظة تلك. وإذا كان قد تسنى له في إحاطته لمجلس الأمن عقب عملية التاسع من رمضان (منتصف مايو الفائت) على أرامكو الرياض، أن يبتلع ريقه ولا يعرب عن “ذعره وخشيته…” ولا حتى أن ينعت هذا المتغير بـ”التصعيد الخطير” أو يشير إليه بالذكر في تلك الإحاطة، فإن إحاطته أمس الأول قد حفلت بتعبيرات الذعر والخشية، وبدا العجوز عاجزاً تماماً عن أن يتماسك أو يبلع لسانه أمام ما وصفه بـ”الخشية من انجرار اليمن إلى حرب إقليمية”. إحاطة مستسلمة وخائرة بنقيض ما تبدو عليه في ظاهرها من فوقية متوعدة على سبيل التحذير. إنها ببساطة بمثابة إقرار بمدى ما ألحقه جيشنا ولجاننا من ألم بعيد الغور في مفتتح استراتيجية لم تدخل بعد طور خياراتها الأكثر فتكاً وتنكيلاً.
ــــــــــــــــــــــــــ
صلاح الدكاك

Exit mobile version