كان سلاطين الجنوب منتصف القرن الـ 17 يعيشون مشاكل داخلية كانت تتوسع عليهم كل يوم، وتتوسع معها في المقابل مطامع التاج البريطاني لاحتلال عدن .. عدن المدينة التي تعيش بعشرة أرواح وذاكرة واحدة. هي عدن  التي لم يعرف بقيمتها الحقيقية حتى الآن غير شخص واحد فقط هو: الكابتن هنس.
المشهد اليمني الأول| تقرير – فكري قاسم

في العام 1912 غرقت السفينة «تيتانك» في قلب المحيط. قبلها بـ 75 سنة أبحرت السفينة «داريا دولت» من ميناء «كلكتا» وعلى ظهرها ناخوذ واحد – رئيساً للشحن – و2 من الضباط و22 آخرين من البحارة ، و10مسافرين قدموا إلى الحجاز لأداء فريضة الحج. الرحلة طويلة ولابد لطاقم السفينة اذن أن يعبروا ميناء عدن للتزود بالوقود. كان البحر هادئاً يومها وكان السير «روبرت كرانت» حاكم التاج البريطاني في بومباي, يقرأ في مكتبه الانيق تقريراً هاماً أبرقه اليه الكولونيل «بتسمورت  هينس» بعد ان قام هذا الأخير بمسح للساحل الجنوبي لجزيرة العرب, غير ان «هنس» لما وصل سواحل عدن ، لم يستطع  أن يخبئ اندهاشه  بما رآه من روعة , فأبرق سريعا الى حاكم التاج البريطاني في الهند واخبره كما في نص الرسالة: «إن هذا المرفأ العظيم يمتلك من المقدرات والإمكانات ما لا يمتلكه أي ميناء آخر في الجزيرة العربية».

لا يزال السير «روبرت» ينفث دخان غليونه الخشبي ويرسم في مخيلته صوراً لـ «عدن العربية» عدن الشرق ، كما وصفها المسيو «لارك» بعد زيارة قام بها في العام 1709 بصحبة بعثة فرنسية جاءت إلى عدن لتجارة البن, فألف هذا الأخير عنها كتاباً هو أشبه بمحاولات عاشق أدهشته أنثى، فجمع كل مفردات الغزل والحب والإعجاب في كتاب واحد ثم مات.

مسكين مسيو (لارك) مات دون أن يعرف اذا ماكانت معشوقته  قد قرأت نسخة من كتابه أم لا؟  لكن المؤكد تماماً أن السير «روبرت» قرأ نسخة من الكتاب بعناية فائقة ولما وصل تقرير كابتن «هنس» اليه أشعل ضوء المصباح المكتبي يومها وجلس متكئاً بظهره على كرسي خشبي هزاز  لعله طلب من خدم بلاطه الملكي لحظتها احضار زجاجة ويسكي ، صب كأساًً.

وفيما كانت أصابع مسيو «روبرت» تلاعب طرف شاربه المصقول, كانت عيناه مفتوحتين على تلك السطور التي جاءت في تقرير الكولنيل (هنس) حول ميناء , إنه أنسب الموانئ الموجودة لمواصلات الإمبراطورية عبر البحر الأحمر, وهو في وصفه الحالي أيضاً صالح لاستقبال البواخر وتموينها في كل فصول السنة.

قرأها مرة واثنتين ثم أشعل غليونه وسافر بأفكاره مع الدخان.

 

وفيما ظل الكابتن هنس مواظباً على كتابة التقارير وإبراقها الى بومباي  لدرجة انه نسي لحيته تنمو كعشب شقي, مع أن الهند الإنجليزية كانت ايامها عملاقة في صناعة أمواس الـ «توباز» !!الا أن كل كاسات الويسكي وأدخنة الغليون البنية لم تسعف السير «روبرت» الحاكم البريطاني في بومباي بأي فكرة من شأنها ان تهدئ خوف الامبراطورية العظمى وقلقها  من نفوذ مشربية محمد علي باشا المفتوحة على الساحل الجنوبي. حاولت بريطانيا استغلال الصراع المحتدم بين السلطان العثماني عبد الحميد  ومحمد علي باشا والي مصر.

وعند ذاك لمعت في ذهن «روبرت» فكرة القيام بمساعدة الدولة العثمانية من أجل تحجيم قوة(محمد علي باشا)الممتدة سيطرته إلى منطقة البحر الأحمر، ولا شك حينها أن العثمانيين سيردون جميل الإمبراطورية العظمى ذات وقت قريب.

في البداية اتبعت بريطانيا الأساليب والضغوط السياسية السلمية للسيطرة على عدن, وذلك بالحصول على ترخيص رسمي من الدولة العثمانية, وبحسب الرحالة أمين الريحاني «لبت الدولة العثمانية مطلب البريطانيين في جعل عدن مركزاً تجارياً لهم عبر الطرق الموصلة إلى الهند, وكذا جعلها مستودعاً للفحم الذي تزود منه السفن التجارية البريطانية».

كما منح السلطان العثماني شركة الهند الشرقية فرماناً لكي تؤسس في عدن وكالة تجارية ومستودعاً للفحم. لكن البريطانيين – بالرغم من ذلك-  وصلوا الى قناعة بأن السيادة الحقيقية لعدن هي اصلاً في يد سلاطينها وأمرائها, لا بيد العثمانيين، كما ان الفرمان الذي منحه لهم السلطان عبد الحميد و حده لا يكفي.

وعند ذاك بدأت بريطانيا أولى محاولتها بعرض مبلغ من المال على سلطان لحج وعدن مقابل التنازل عن الميناء, غير أن السلطان محسن بن فضل العبدلي رفض ذلك ، فقد لجأت الى خيار القوة حين صرح وزير الخارجية البريطاني متحججاً: «إن بريطانيا العظمى لا يمكنها أن تقف موقف اللامبالاة أمام أية محاولة من قبل محمد علي باشا لغزو واحتلال البلد الواقعة في ما وراء  مدخل  البحر الأحمر، ويقصد عدن بالطبع»..

السفينة تغرق !!

إلى هنا لا تزال «داريا دولت» تعبر البحر وتواصل الرحلة بأمان. كان المسافرون على ظهرها ينظرون للناخوذ ( نور الدين) قبطان السفينة بإعجاب وهو يحدثهم عن 30 رحلة قام بها من قبل دون ان تواجهه اية مصاعب.  – كم أنت بارع أيها القبطان نور الدين.(لعل أحد الركاب تفَوّه بعبارة كتلك(.. واصلت السفينة طريقها إلى ميناء جدة متجهةً من بعدها إلى ميناء «قشن» وبين تلك الموانئ الثلاثة التي عبرتها «داريا دولت» كانت قبل وصولها إلى عدن قد أضافت إلى حمولتها بضائع أخرى و17 شخصاً اخرين..

صار طاقم السفينة  اذن 52 راكباً تتبع رحلتهم عيون إمبراطورية عظمى تحاول امتلاك البحر,, ولكن كيف؟ البحر هو البحر ..والنوارس غدت تحلق على مكان قريب وتخبر البحارة أن ميناء عدن  صار على مد البصر.

بدأ البحارة يستعدون لترانزيت ممتع, غير أن الطقس يومها كان قد دخل في مدار بريطانيا العظمى دون ان يشعر احدهم بذلك.

وفي الساعة الثالثة من صباح 4 يناير 1837 على بعد 5 أميال شرقي عدن عند ساحل «أبين» حدث مالم يكن في الحسبان؛ لقد ارتطمت «داريا دولت» بصخور الساحل: يا الله ، ماالذي حدث ياقبطان؟ بدا الناخوذ نور الدين محرجاً يحاول طمأنتهم. اطمئنوا رجاءً، لاشيء يستدعي القلق.

بيد ان طاقم السفينة لما عجزوا عن  انقاذ الموقف تركوا الركاب وهربوا في أحد زوارق الإنقاذ! وبدأت السفينة تغرق شيئاً فشيئاً.

حاول البعض الوصول  إلى الساحل باستخدام ألواح خشبية متناثرة, لكن 14 من الركاب غرقوا. قبطان السفينة «تيتانك» كان شجاعاً وفضّل الغرق ، على عكس الناخوذ «نور الدين» الذي  كان أول الهاربين عند غرق سفينته قبالة الساحل! يمكن مشاهدة الموقع الذي غرقت فيه السفينة من جبل معاشيق، لكن هذا الجبل نفسه الآن قد غرق كعقار شخصي في جيوب حمران عيون 7يوليو.

عند غرق «داريا دولت» قبالة الساحل تعرضت هي ومن نجا من ركابها إلى هجوم من أفراد القبائل المجاورة للساحل , غير أن سيداً شهماً من «آل عيدروس» وفر الملابس والطعام لمن بقي من الركاب وأوصلهم إلى البر وهم مذعورون وترتسم على وجوههم ابتسامات مالحة لا تخلو- بالطبع- من مشاعرعرفان .

بضائع السفينة معظمها نهبت, وقليل منها نقل إلى دائرة الجمارك ، وطبقا لرواية أخرى فإن شحنة السفينة قسمت إلى ثلاثة أقسام، سلطان عدن أخذ قسمين فيما استولى رئيس الشحن في السفينة على القسم الثالث.

السلطان العبدلي خائف من حكومة بريطانيا ؟!. حالة القلق والخوف عاشها السلطان «محسن بن فضل العبدلي» حاكم لحج وعدن بعد غرق السفينة «داريا دولت» في ساحل أبين، اذ كان هذا الاخير حريصاً على عدم وصول أي شكوى تدينه لدى حكومة التاج البريطاني في الهند.

لدرجة  أنه أجبر قبطان السفينة  الناخوذ نور الدين على عدم عرض شكواه الى الحكومة البريطانية، ولقد نفذ الناخوذ ذلك خوفاً على مصيره، لينقلوه مع بقية الناجين من حادثة الغرق إلى ميناء المخا – وبالمصادفة- كان الكابتن (هنس) يومها راسياً بسفينته «بالبالينورس» إلى جوار السفينة «كوت» في ميناء المخا.

نور الدين أخبر قائد سفينة «كوت» عما حدث قبالة ساحل أبين، وهذا الأخير عرض عليه  بنصيحة الصديق المحب إخبار الكابتن «هنس»، ولقد فعل نور الدين ذلك دون أي تردد وأخبره وعند ذاك لمعت سريعاً في ذهن «هنس» الخطير فكرة احتلال أهم ميناء شهق له قلبه كما لم يشهق لأية شيء من قبل.

إنها الفرصة التي جاءت من السماء يامسيو روبرت. أبرق هنس الى التاج الملكي في بومباي شارحا  تفاصيل ماحدث وكذا تفاصيل مافكر القيام به.

14 أغسطس  1838  كان السير روبرت بصحبة بعض مستشاريه يجلس في مكتبه ضاحكاً على غير عادته، ويكتب إلى سلطان لحج وعدن:  «إن الاعتداء الشائن الذي ارتكبه السلطان ضد الاشخاص ، والممتلكات في سفينة تحمل العلم البريطاني  وتتمتع بالحماية البريطانية يحتاج إلى اهتمام سريع والى إجراءات حاسمة» .

كانت المذكرة شديدة اللهجة, وعلى ضوئها حاول البريطانيون إجبار السلطان العبدلي التنازل عن عدن مقابل ما حدث, لكن السلطان رفض ذلك. وعندها  فرضت عليه بريطانيا غرامة مقدارها 12 ألف روبية مع استعادة جميع الأموال والبضائع المفقودة . بعد 8 أيام : كان السلطان (محسن بن فضل) أيامها لا يزال شديداً.

جمع من القبائل ما قيمته «7808 الف روبية وكتب على نفسه تعهداً بباقي المبلغ ومقداره «4191» سيدفعها  لهم (لما يفتح الله).

بعد 12 شهراً. في تلك الاثناء عرض البريطانيون مبلغ «7900»روبية سيدفعونها سنوياً لشراء عدن مستغلين عدم قدرة السلطان محسن فضل على دفع مبلغ التعويض بشأن السفينة الغارقة وبضائعها دفعة واحدة, لكن السلطان رفض.

يردد اليمنيون دائما «مايقتطع رأس من دين» لكن دين السلطان محسن لبريطانيا العظمى لم يقطع رأسه  بالطبع، بل قطع عليه الطريق إلى عدن ولم يتمكن من زيارتها مرة اخرى. اذ أبرق «هنس»  إلى حكومة التاج البريطاني يخبرهم – بعد فشل كل المفاوضات-  انه قادر على احتلال الميناء العظيم بقوة السلاح. وفي 16 يناير وصلت القوة البريطانية إلى سواحل عدن.

المدافع الذي اخدتها سفينه فولاج بعد دخلوها عدن والان موجود في برج لندن في بريطانيا
المدافع الذي اخدتها سفينه فولاج بعد دخلوها عدن والان موجود في برج لندن في بريطانيا

في 17 يناير  خطّط الكابتن «سميث» والميجور «بيلي» على أن يتم إنزال القوة من الخليج الأمامي لكريتر، وفي 18 يناير أبحرت الحملة حول الخليج وبالقرب من جزيرة «صيرة» كان «سميث» يقود السفينة الحربية «فولاج» مستعداً لبدء الاحتلال بذريعة «دين للتاج الملكي» هذا الظاهر..

وأما الباطن هو ان عدن بوصلة الموانئ بالنسبة للإمبراطورية التي لا تؤجل ديونها كما ولا تحب ايضا  أن تغيب عنها الشمس ابداً .

وبالرغم من بساطة عتاد المقاومة عدن  آنذاك إلا انها أمطرت «السفينة الحربية «فولاج» برصاص مدافعها القديمة». ولوهلة بدا الجنرال «سميث « في ورطة ، لكنه – كقارئ جيد للمنطقة- تذكر ان جزيرة صيرة محصنة منذ القدم ، وأنها استطاعت ذات يوم من العام 1513 أن تقهر غزاة «الفونسو البركيرك» البرتغالي.

وبفضل من ذاكرته  القوية عاد إلى الخلف وأرسى المحاربة «فولاج» بقية اليوم هناك أمام الخليج.! كان الوقت يمر ثقيلاً على «روبرت كرانت» في بومباي. الغليون لم يبرح شفتيه القلقتين.. كيف يمكن أن تقتل بطلقة نيكوتين فقط؟

18 يناير الساعة 9 صباحاً في عدن في اليوم الثاني مباشرة استعدت القوات المغيرة لبدء الهجوم ثانية ،اذ رست «فولاج» مجدداً على بعد «300» ياردة من الساحل، وبعد ساعة واحدة فقط انضمت اليها سفينة اخرى من جهة الجنوب, وبدأت مدافع  السفينتين الحربيتين بإرسال القذائف والنار باتجاه المدينة، ودارت معركة غير متكافئة على الإطلاق،.

عدد أفراد القوة البريطانية «286» من فرقة بومباي و «22» من المدفعية و «350» من المشاة، كما لم يكتف «سميث» قائد العمليات بالسفينتين «فولاج» و«ركوت» بل انضمت للمعركة السفينة «كروزر» فيما كانت عدن وحيدة تقاوم بمدافع من نحاس ورجال من فولاذ.

مابعد التاسعة والعاشرة صباحاً : بعد مقاومة شديدة نفدت ذخيرة المدافع وسقط الباب الرئيسي لعدن و139 شهيداً قاوموا الاحتلال ، لكن أحد الأبطال كان لا يزال في صيرة يقاوم ببسالة ولم يسلم نفسه.

وعند مداخل المدينة (والروايتان الاولى وهذه  للأستاذ سلطان ناجي) وجد البريطانيون «129» من الأسرى المقاتلين، كانوا قد أرسلوا من جزيرة صيرة، وعبر مترجم كان بصحبتهم طلب أحد الجنود البريطانيين من أحد الاسرى ان يسلم »جنبيته» التي كان يرتديها، ولما رفض وحاول الجندي ان يأخذها منه بالقوة قاومه وغرز الجنبية في بطنه، ثم سحبها سريعا ليطعن المترجم ايضا، ومن غير المعقول لحظتها أن تصمت بنادق الجنود البريطانيين فأطلقوا وابلاً من الرصاص على الاسرى العزل سقط منهم12 شهيداً مقابل اثنين بريطانيين , وجريح ثالث سقط بطعنة جنبية ايضا.

وفيما كان «سميث» قائد عمليات السفينتين المقاتلتين لم يزل يطلق نيران المدافع صوب المدينة المذعورة كان ساكنوها وهم خليط من الاجناس والديانات والمدنيين العُزل، قد لجأوا جميعاً للاختباء في مسجد العيدروس .

لعل السلطان محسن  كان هو الاخر مذعوراً وحزيناً ويعيش محنة حقيقية ، إنها عدن « مدينة السلام».

لكن المؤكد جيداً ان  الكابتن «هنس» كان مبتسماً بزهو وهو يشاهد الجندي « راندال»  يخرج من احدى السفن الحربية الواقفة على مقربة من صيرة  حاملاً في احدى يديه علم بريطانيا العظمى ومهرولاً باتجاه المدينة ليضعه في مكان ما هناك. الساعة 11 ونصف ظهراً :  بعد ساعتين ونصف فقط انتهت المواجهة الدامية بالقرب من صيرة وبدأت الفرقتان البريطانيتان بالنزول في اتجاه المدينة، وغطست لأول مرة أقدام الملكة فكتوريا في شواطئ عدن. كانت الساعة حينها الـ 11 والنصف ظهراً وكانت المدينة تغتسل بالدماء.

  • بقلم/ فكري قاسم
  • المراجع/
  • التاريخ العسكري لليمن» للأستاذ / سلطان ناجي
  • أطروحة للأستاذ / صباح مهدي «وميض
  • تاريخ ملوك العرب» للريحاني

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا