المشهد اليمني الأول

بالأمس أشادَ الرئيس الأفغاني أشرف غني بالرّوح المعنويّة العالية لقوّات جيشه، واليوم فرّ إلى طاجيكستان المُجاورة على ظهر طائرة عموديّة، في صُحبة أفراد أُسرته طلبًا للنّجاة، وأصبح يحمل لقبًا جديدًا وهو “الرئيس السّابق”، بمعنى آخَر لم يكن هُناك استِلام أو تسليم للسّلطة، وإنّما انهِيارها واستِيلاء المُنتصر الطّالباني عليها بقوّة السّلاح، والصّمود عشرين عامًا في وجه القوّة الأعظم في التّاريخ، وإلحاق هزيمة مُذلّة بها، لتُصبح الإمبراطوريّة الثّالثة بعد البريطانيّة والسوفييتيّة، التي تتجرّع كأس الهزيمة المُر على أيدي مُقاومة شّعب أفغانستان، اتّفقنا مع طالبان أو اختلفنا.

السُّقوط المُخجِل أيضًا كان لكُل المُحلّلين العسكريين الأمريكان الذين تنبّأوا بصُمود الجيش الأفغاني ثلاثة أشهر على الأقل بعد انسِحاب القوّات الأمريكيّة في الثُّلُث الأوّل من شهر أيلول (سبتمبر) المُقبل، وأكّدوا أنّ كابول لن تَسقُط قبل هذا التّاريخ في أيدي قوّات طالبان، وها هي حالة الفوضى التي تعيشها العاصمة الأفغانيّة اليوم هي الدّليل بعد انهِيار الجيش، ومُؤسّسات الدّولة، وهُروب الرئيس الأمر الذي يَعكِس حالة الارتِباك واستِمرار نظريّة سُوء التّقدير.

اجلاء الرعايا

أجواء كابول كانت مُزدحمةً اليوم بالطّائرات العموديّة الضّخمة التي تنقل الدّبلوماسيين والرّعايا الأمريكان (2400 دبلوماسي في السّفارة الأمريكيّة)، ولكن لم يَكُن هُناك من ينقل قادة الجيش والسّياسيين في أفغانستان العُمَلاء، حيث جرى تركهم لمُواجهة مصيرهم القاتم.

المشهد نفسه الذي حدث في سايغون عاصمة فيتنام بعد هزيمة أمريكا، رأيناه يتَكرَّر في كابول طِوال اليوم، فحركة السّير كانت باتّجاهٍ واحد إلى المَطار بحثًا عن طائرةٍ للفَرار إلى الخارج، بعد سيطرة حركة طالبان على جميع المعابر الحُدوديّة دُون استِثناء، ولكنّ عدد الطّائرات محدود، والطّائرات مُخصَّصَةٌ لذوي البشرة الأوروبيّة الأمريكيّة البيضاء، أو الذين يحملون جنسيّتها فقط، ونحن في انتِظار مسرحيّة “كابول” على غِرار مسرحيّة “سايغون” الأمريكيّة الشّهيرة.

أمريكا فشلت

أمريكا فَشِلَت في بناء جيش أفغاني قويّ وحديث، مثلما ارتكبت الفشل نفسه في كُل الدّول التي غزَتها في العِراق وليبيا وفيتنام، ولهذا جاء الانهِيار السّريع للجيش الأفغاني الذي أنفقت أكثر من 90 مِليار دولار لتأسيسه وتدريبه، وربّما ضِعف هذا الرّقم لتسليحه أمام ميليشيا شعبيّة (الطالبان) بائسة التّدريب، والتّسليح صادمًا بكُلّ ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.

أسباب هذا الفشل لا يحتاج إلى الكثير من البحث والتّحليل، فجميع الجُيوش العميلة التي أسّستها القوّات الغازية المُحتلّة واجهت المَصير نفسه، ابتِداءً من جيش لحد وانتِهاءً بالجيش الأفغاني، فما هي العقيدة القتاليّة لمِثل هذه الجُيوش وقادَتها، حماية قوّات الاحتِلال لبلادهم؟ أم الحِفاظ على المنافع والمُكتَسبات الماليّة؟ وحتّى الأخيرة كانت شبه معدومة بالنّسبة إلى جيش أفغانستان حيث الرّواتب مُتدنّية، ووجبَات الطّعام والرّعايا الطبيّة في قمّة السُّوء، الأمر الذي دفَع عشرات الآلاف من الجُنود لبيع أسلحتهم أو الانشِقاق والانضِمام لقوّات طالبان، ولن نُفاجَأ إذا وجدنا جِنرالات ووزراء أفغان يبيعون الكباب والخُبز الافغاني في حواري الولايات المتحدة على غِرار زُملائهم في جيش لحد.

شعوب اليمن وأفغانستان يصعب البقاء فيها

هُناك دول مِثل أفغانستان واليمن يَسْهُل غزوها، ولكن من الصّعب البقاء فيها، لجينات شُعوبها المُشبَعة بالكرامة وعزّة النّفس، والرّوح القتاليّة العالية لدى شُعوبها، لطبيعتها الجُغرافيّة الشّرسة الطّاردة للغُزاة، ولهذا لم تَطُل إقامة أيّ من هذه القِوى الغازية المُحتلّة، وكانت هزيمتها حتميّةً ومأساويّةً تمامًا، مِثل تِلك التي نُتابع فُصولها حاليًّا في كابول.

السُّؤال الصَّعب الذي يطرح نفسه بقُوّةٍ الآن في أذهان الكثيرين، وخاصّةً في الدّول السِّت المُحيطة بـ أفغانستان، هو حول تطوّرات الأشهر والسّنوات المُقبلة، والمُعَسكر الذي ستَقِف فيه الإمارة الإسلاميّة الطّالبانيّة الثّانية التي سيتم إعلان قِيامها خِلال السّاعات أو الأيّام المُقبلة.

لا نملك بلّورةً سحريّة، ولا نَضرِب في الرّمل، ولكن يُمكن أن نُحاول رسم ملامح المُستقبل من خِلال مُتابعة الوقائع على الأرض إقليميًّا وعالميًّا، ونُلَخِّصها في النّقاط التّالية:

أوّلًا:

تنظيم “القاعدة” بصُورته القديمة لن يعود إلى أفغانستان وإمارتها الجديدة، لأنّ زعيم التّنظيم أسامة بن لادن اغتالته أمريكا، أمّا من كان يُوَفِّر للتّنظيم الحِماية الملا محمد عمر وفاءً لتضحيات المُجاهدين العرب، وعُرفانًا بجميلهم، فقد انتَقل إلى رحمة الله، وسيكون حُكّام أفغانستان الجُدد أكثر حِرصًا على الحُصول على دَعمٍ دوليّ أو إقليميّ لشرعيّتهم ودولتهم، ولكن من غير المُستَبعد أن تُؤسِّس أمريكا تنظيمها الإرهابي الخاص وتُوَظِّف مظلمة أقليّة الإيغور الصينيّة كأيديولوجيّة لتَجنيد المُجاهدين.

ثانيًا:

احتِمالات غرق البِلاد في حربٍ أهليّة طائفيّة عرقيّة غير مُستَبعدة، لوجود العديد من الطّوائف (الشيعيّة في هرات ومزار الشريف تحديدًا) والطاجيكيّة والتّكمستانيّة في الحُدود الشماليّة، واحتِمال إقدام القِوى الإقليميّة مِثل إيران وروسيا والهند وتركيا، ناهِيك عن الصين وأمريكا توظيف هذه الأوراق في صِراعاتها، حركة طالبان حاولت مُبكرًا تطمين مُعظم هذه القِوى بإرسال وفود إليها، وكان آخِرها الذي حطّ الرّحال في بكّين قبل أُسبوعين للتّأكيد بأنّ الحركة لن تسمح لأيّ قِوى خارجيّة (أمريكا) استِخدام الأراضي الأفغانيّة كقاعدة لزعزعة استِقرار الصين عبر الحُدود الأفغانيّة الصينيّة المُشتَركة (طُولها 75 كم) ودعم أقليّة الإيغور المُسلمة المُجاورة.

ثالثًا:

السِّر المَسكوت عنه أنّ روسيا وإيران كانتا الدّاعم القويّ ماليًّا وتسليحيًّا لحركة طالبان في حربها ضدّ الاحتِلال الأمريكي، ومن المُستَبعد أن تُقدِم الحركة على أيّ تحالفات ضدّهما وزعزعة استِقرار طاجيكستان الروسيّة الأكبَر، أو اضّطهاد أبناء الطّائفة الشيعيّة في مزار الشريف.

رابعًا:

من أسَّسَ طالبان ودعمها، ووقف إلى جانبها، وكان حاضنةً حُنون لها، هي باكستان، ولهذا ستكون إسلام أباد وتحالفاتها هي بُوصلة الحركة السياسيّة والاستراتيجيّة في المُستقبل، وباكستان تُقيم في الوقت الرّاهن علاقات قويّة مع إيران وتركيا، وتَقِف في الخندق الصيني، الأمر الذي دفع أمريكا إلى قطع مِلياريّ دولار من المُساعدات كانت تُقَدِّمها لباكستان سَنويًّا بسبب رفضها وقف دعمها لطالبان، والقِتال إلى جانب القوّات الأمريكيّة ضدّها.

أمريكا دفعت ثمن غزوها غاليا

لا نتّفق مع مُعظم التّسريبات الأمريكيّة التي تقول إنّ هُناك صِراعًا بين جناحيّ حركة طالبان السّياسي والعسكري، فالحركة مُوَحَّدة تحت لواء الملا عبد الغني بارادار حتّى هذه اللّحظة، ولا نرى أيّ شُقوق داخلها، ولكن لا أحد يَعرِف ماذا يُمكِن أن يَحدُث في المُستقبل، ولعَلّ الأمر يتوقّف على الخُطوة الأمريكيّة المُقبلة، فإذا لجأت أمريكا للثّأر عسكريًّا من حركة طالبان، وأرسلت قاذفات ” B52″ العملاقة لقصفها من قاعدة العيديد الجويّة في قطر، فإنّ الرّد قد يكون بتحوّل حركة طالبان كلّها إلى تنظيم “قاعدة جديد” وبِما يُؤدِّي إلى نقل المعركة ضدّ أمريكا إلى تواجدها وقواعدها في الخارج.

باختِصارٍ شديد أمريكا انهزمت هزيمةً كُبرى في أفغانستان، ودفعت تريليونين ونِصف التّريليون دولار و3500 جندي ثمنًا لغزوها، والمشهد الذي نَراه حاليًّا في كابول قد يتَكرَّر في العِراق وسورية وليبيا وفِلسطين المُحتلّة، وليتَ حُلفاء، أو أيتام، أمريكا يتّعظون.. واللُه أعلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد الباري عطوان

المقال السابق“إلهان عمر”.. قضية النائبة الأمريكية من أصل صومالي وأبعادها الثلاثة!؟
المقال التاليا̍ڸــڛـٻۧــد ּنۨــڝــڔﷲ: سنأتي بالمحروقات من إيران قطعاً ولن نترك البلد بحالته هذه والأمريكيون يتحملون ممسؤولية ما يجري في لبنان والعراق