المشهد اليمني الأول

تعيش الدوائر الصهيونية حالة ظاهرة من القلق والترقّب بعد الهروب الأميركي من أفغانستان، وتُظهِر كتابات وتقارير على مواقع مراكز الدراسات الأميركية وفي الصحف الصهيونية حالة من القلق والارتياب والتوتّر إزاء الانعكاس المحتمل للحدث الأفغاني على توازن القوى العام في الشرق العربي، وما يمكن أن تشهده المنطقة في ضوء التحولات المرتقبة والوشيكة على مسرح الأحداث، الذي يشهد تفاعلات وتغييرات، يدرك الخبراء والمتابعون دلالاتها وتأثيرها العميق.

أولا: بعد الخروج الأميركي من أفغانستان يسود القلق دوائر المتابعة الصهيونية السياسية والميدانية إزاء احتمال صدور قرار أميركي بسحب الجنود تدريجيا أو كليا من سورية والعراق بالذات. وتعرف الدوائر الصهيونية أن الملفّ موضوع على طاولة الرئيس الأميركي جو بايدن وإدارته ضمن بنود القرارات والتدابير الطارئة. وإشارة “معهد واشنطن” إلى طمأنة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة دليل على جدية القلق الصهيوني من التداعيات، وعلى وجود احتمال وقوع حدث مفاجئ ودراماتيكي، سيكون صدمة مفجعة لتل أبيب وغيرها من العواصم الملحقة بواشنطن.

ويبدو من وتيرة النقاشات في وسائل الإعلام الصهيونية والأميركية أننا في مناخ تقييم تجريه دوائر التخطيط القيادية حول خيار الانسحاب العسكري من العراق وسورية، اللذين تعتبر الحسابات الصهيونية التواجد الأميركي المباشر فيهما رأس جسر لإسعافها من مخاطر وقوع تحولات ومفاجآت في مدى تطوّر قوة ومبادرات محور المقاومة بعد مسار التعافي السوري والعراقي، وتَقدّم النمو الإيراني المتصاعد، وفي ظل قوة حزب الله المتزايدة في لبنان. بينما تتسارع التطورات في اليمن، ويتصاعد صدى التحول في فلسطين.

ثانيا: اهتزاز الاتفاقات والصفقات، التي تهتّكت وتفكّكت، وما سُمّي بعملية السلام في المنطقة، يشي بمسار تراكمي، سيفضي إلى انعطافة مقبلة في الصراع العربي الصهيوني، تفرض نفسها على سائر الجبهات، وربما تُحرَّك مفاجآت لم تكن منظورة أو مرتقبة في السابق. والتركيز الأميركي على البقاء في سورية والعراق يهدف إلى اطالة أمد استنزاف البلدين العربيين الأهم في معادلات الصراع العربي الصهيوني، والمؤهلين، بالشراكة مع حزب الله وإيران، لإحداث فرق نوعيٍّ حاسم في التوازن الإقليمي.

فالخروج العسكري الأميركي النهائي من المنطقة، هو الأجل المحتوم المقبل، بناء على مسار الأحداث، الذي يمكن أن تحوِّله وتفعِّله مبادرات غير متوقعة لفصائل المقاومة المقاتلة. ولهذا السبب نجد الحلف الأميركي الصهيوني في حالة تربّص وتوتّر، يراقب، ويتابع كلّ شاردة أو واردة، بعدما ظهرت طاقة إبداع نوعية لدى محور المقاومة، وقدرة مذهلة على تعظيم القدرات ومراكمتها، وتداول الخبرات المكتسبة، واتقان التوقيت المفاجئ. وليس أدلَّ على ذلك من الحدث اليمني، ومن صدمة إعلان سيد المقاومة عن الصواريخ الدقيقة، وسرعة التعافي السوري، ووتيرة تنامي القوى العراقية المقاتلة، التي تجاهر بهوية مناهضة للكيان الصهيوني ودوره في الشرق.

ثالثا: يدرك المخطّطون الصهاينة أن قدرات محور المقاومة سوف تتصاعد وتنمو بعد الهروب الأميركي، وألا سقف سياسيا أو عسكريا يحول دون تحولات، قد تُحدِث انقلابا في المسارات والعلاقات حول فلسطين، وهم مرتعبون أصلا من خطر انبعاث الجبهة الشرقية، التي ستضمّ هذه المرة إيران وسورية والعراق ولبنان، بعدما ظهرت ملامح سياسية واقتصادية لتقارب الحكومات القائمة وتلاقيها على احتضان المقاومة الفلسطينية ودعمها. ويقينا، إن الفترة القريبة القادمة ستشهد تطورات كثيرة ومهمة في هذا السياق، الذي يتّسم بالتنامي الطبيعي لشبكة المصالح المشتركة والشراكات الواقعية من غير مبالغات كلامية.

إن قيمة التحولات الجارية أنها للمرة الأولى منذ اغتصاب فلسطين، تؤسِّس لقيام جبهة شرقية، غير مكرّسة بإعلان سياسي ودون ضجيج، وهي فاعلة وقادرة اقتصاديا وعسكريا، يتلاقى أطرافها في عمق التوجّهات العليا، والنظرة لمستقبل المنطقة، وكذلك يتساندون ويتناغمون في إدارة الصراع ضد الأطماع الصهيونية وخطط التخريب والاختراق. وهذا التحوّل الثمين، توّجته التطورات التي شهدها العراق، وثبّته التعافي السوري بعد زلزال الدم والنار.
____
غالب قنديل

المقال السابق‏إدانة واسعة لمؤتمر أربيل المروج للتطبيع العراقي الإسرائيلي وترحيب إسرائيلي بالحدث غير المسبوق
المقال التالي“فجر الحرية” يشرق من البيضاء ويغرب في واشنطن