المشهد اليمني الأول

ثمة استنفار غربي ، أمريكي واوروبي يجر قبله ومعه استنفار – سعودي إماراتي – مع اقتراب حسم العاصمة صنعاء لمعركة مارب شمال شرق اليمن ، لكنه في المحصلة أي الاستنفار لا يوقف التقدم ربما الحسم النهائي في الاسابيع المقبلة بعد استعادة صنعاء لـ 13 مديرية من أصل 14 .

المبعوث الأمريكي لليمن ثيم ليندركينغ الذي يقوم بجولة تشمل الرياض ومسقط يقول أنها بشأن إيقاف التصعيد ، ومن المرجح أن يعود دون أن يحقق أي تقدم ، فما يحمله لا يختلف كثيرا عما حمله في الجولات السابقة .

من اللافت أن ما نشره معهد واشنطن الامريكي المتخصص في الشرق الاوسط من دراسة مستفيضة وهي أشبه بوصايا كتبها مساعد الخارجية الأمريكية ديفيد شينكر وتقدم لإدارة الرئيس بايدن عما يجب القيام به لتلافي انتصار ما أسماهم خصوم الولايات المتحدة وحلفائها في اليمن ، ويقصد بهم حركة انصار الله الحوثيين وحلفائهم ، حملت الكثير من الإحباط للمعسكر الأمريكي ، إذ يقول أنها احتمالات معدمة ان تقوم إدارة بايدن بمنع انتصار كامل يحققه خصومها في اليمن ، ويضيف أن أمامها خياران ، إما ان تضاعف من تسليح السعودية وتنظم صفوف ” حلفائها ” أو ان تتدخل بصورة مباشرة .

إمكانية ما يوصي به ديفيد شينكر ضئيلة ولن تغير في واقع المعركة ، فالادارة الأمريكية لم توقف حتى الأن صفقات التسليح للسعودية ، والصفقة التي يجري الحديث عنها وتشمل صواريخ جو جو ، وكذلك قواعد صاروخية بقيمة 600 مليون دولار هي جزء من استمرار الدعم العسكري الأمريكي للسعودية على الرغم من الخلافات القائمة بين الرئيس الامريكي جوبايدن محمد بن سلمان .

توصيات شينكر لم تتوقف عند ضخ مزيد من الأسلحة الأمريكية أو التفكير بالتدخل المباشر ، بل ايضا أوصى بتشديد الحصار البحري والجوي ، اذ أنه يعتقد أن مسألة سيطرة صنعاء على كامل الجغرافية اليمنية بما في ذلك باب المندب وتحول اليمن إلى دولة لها ترسانة صاروخية ومسيرات هي مسألة وقت ، وهو يربط الامر بالصراع مع ايران كما يفعل كل المسؤولين الأمريكيين والاوروبيين ،

وما يقوله شينكر لا يخرج عن الواقع القائم ، فاليمن محاصر بحريا وجويا وبريا ، ومع ذلك تتجه المعادلات إلى حيث لا تريد واشنطن ولندن والرياض وأبوظبي ، ما يسمى بـ الرباعية الدولية ، في هذا المكان يمكن وضع كيان العدو الاسرائيلي فهو الآخر يجد أن الحرب في اليمن لا تسير إلى المكان الآمن بالنسبة له .

لا يبدو أن صنعاء تهتم كثيرا بما يعتمل في الجبهة الخارجية بقدر ما يهمها أن تغير في خارطة التحالفات الميدانية والقبلية في الداخل ، وقد نجحت كثيرا في استمالة القبائل إلى صفها عبر تفعيل المبادرات والوساطات القبلية كما فعلت مؤخرا مع قبائل مارب ، جزء من هذه القبائل كانت تقف إلى جانب التحالف السعودي الأمريكي طوال الـ 7 السنوات الماضية ، ثم حولت موقفها نحو العاصمة صنعاء أو وقف بعضها على الحياد .

الضربة الموجعة التي سددتها صنعاء للتحالف وأدواته في مارب ، استقبالها الحافل لقبائل مديرية العبدية جنوب مارب في العاصمة صنعاء واطلاق سراح أكثر من 60 من أسرى القبيلة الذين سقطوا في مواجهة استعادة المديرية قبل اسبوع ، وينسحب على هذا قبائل المديريات الست الأخرى جنوب محافظة مارب ، هذا التحول في التحالفات القبلية بشأنه إكمال استعادة مركز المحافظة وأيضا ترتيب أوضاعها بما يرضي أبنائها ، وبالتالي قطع الطريق أمام أي استخدام لاستنزاف ، العسكري والسياسي وحتى استخدامها كشماعة في الملف الإنساني .

من يقرأ المشهد في اليمن سيجد أن الورقة القبلية هي الركيزة الاساسية للطرف المنتصر ، والتحالف السعودي الأمريكي كان يعتمد بشكل رئيسي على هذا العنصر في محافظة مارب تحديدا ، اذ أن تأليف قبائل مارب ، مراد ، وعبيدة ،

وجهم ، هو من أبقى المحافظة تحت سيطرة حلفاء السعودية طوال الفترة الماضية ، وما تخشاه الرياض حاليا ، هو أن تكر السبحة على بقية محافظات الجنوب اليمنية ، خاصة مع الاوضاع المعيشية والأمنية الصعبة التي تعيشها هذه المحافظات ، ما يمكن أن يطلق عليه النموذج الأسوأ الذي عسكه التحالف في كل المناطق التي تقع ضمن سيطرته .

نجزم أن تحولا كبيرا في الحرب العدوانية على اليمن سيحدث قريبا ، إذ أن استعادة صنعاء لمارب وشبوة الغنية بالنفط والرجال والتأريخ سينقل المعركة إلى مرحلة مختلفة تماما لصالح صنعاء .
________
طالب الحسني – كاتب وصحفي يمني