المشهد اليمني الأول

بعد أن تحالفت أبو ظبي مع العدو الصهيونيّ الغاصب تحت ذرائع واهية اصطدمت مع واقع القضيّة، وما تبع ذلك من خطوات لتعزيز العلاقات مع العدو الصهيونيّ في كافة المجالات الدبلوماسيّة والاقتصاديّة والعلميّة والتكنولوجيّة والطبيّة والثقافيّة والدينيّة والاستخباراتيّة، لم تنجح محاولات الإمارات في الحصول على ترخيص إسرائيليّ لضخ النفط من الخليج الفارسي إلى أوروبا مباشرة عبر ميناء “إيلات” الذي تسيطر عليه تل أبيب على البحر الأحمر.

حيث أعلنت وزارة حماية البيئة التابعة للعدو رفضها الصفقة المتعلقة بشحن النفط الإماراتيّ الخام إلى أوروبا عبر الأراضي الفلسطينيّة التي يحتلها الكيان، الشيء الذي أثار بالتأكيد غضب الإمارات التي اعتبرت قبل أشهر أنّ ذلك من شأنه التسبب بأزمة في العلاقات مع “إسرائيل”، كما أنّه سيعرض استقرار ما تُسمى اتفاقيات “أبراهام” التطبيعيّة للخطر.

لن تحصل الإمارات على ترخيص لمشروعها المشترك مع الجانب الإماراتيّ، وهذا ما أكّدته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” مؤخراً، حيث أوضحت أن مديرة وزارة البيئة الصهيونيّة، غاليت كوهين، أبلغت رئيس “شركة خط أنابيب أوروبا – آسيا” الحكومية (EAPC) التي تشغل المشروع من الجانب الصهيونيّ، في رسالة بأنه “ليس هناك فرصة للسماح بزيادة تدفق النفط عبر إيلات”، ما يُنذر بنشوب “أزمة دبلوماسية” بين أبو ظبي وتل أبيب، لأنّ قيمة الصفقة

التي وقعت بحضور وزير الخزانة الأميركيّ السابق، ستيفن منوتشين ومسؤولين أميركيين وإماراتيين آخرين، تبلغ ما بين 700 و800 مليون دولار على مدى عدة سنوات، وفقاً لخبر نشرته وكالة “رويترز” في وقت سابق، نقلاً عن مسؤول مطلّع على تفاصيل الصفقة بينهما.

وفي هذا الشأن، بيّنت المسؤولة الصهيونيّة أن وزارتها تنهج سياسة تفادي أيّ مخاطر إضافية على سواحل إيلات، مقرة بأن الاتفاقية المبرمة بين EAPC وشركة “ميد ريد لاند بريدج” (MED-RED Land Bridge) الإسرائيليّة – الإماراتيّة المشتركة تهدد بزيادة المخاطر على البيئة هناك بشكل ملموس، وفي حال ألغت حكومة العدو تلك الاتفاقية بالفعل.

فهذا من شأنه أن يتسبب بأزمة في العلاقات الثنائيّة مع الإمارات، وبالتالي سيعرض عمليّة التطبيع مع الإماراتيّ مع الصهاينة للخطر، رغم العلاقات المتطورة والنشاطات المتبادلة بينهما، حيث بدأت الاتفاقيات الثنائيّة تتصاعد في كافة المجالات بينهما، منذ اتفاق تطبيع العلاقات في 15 أيلول/ سبتمبر 2020.

وهذا يعني، ضربة قويّة للمحور الاستراتيجيّ الجديد الذي تشكل بين الكيان الصهيونيّ والإمارات، لأنّ نقل شحنات النفط الإماراتيّة المُصدرة إلى أوروبا عبر خط أنابيب الإسرائيليين أغضب دعاة حماية البيئة وأكثر من وزير للبيئة في حكومة العدو، خاصة أنّ ما تم الاتفاق عليه خلف الكواليس مجهول أكثر من اللازم ولا تزال السرية تكتنفه، في ظل توقعات زيادة معدل رسو الناقلات في ميناء “إيلات” من 6 إلى 50 ناقلة سنوياً.

ويبرر المسؤولون الصهاينة رفضهم بأنّ استمرار هذه الصفقة ستكون مأساة للأجيال سواء من الحوادث التي قد تقع أو أيّ سيناريو في أوقات الحرب، كما أنّ سلسلة السفن المنتظر أن ترسو بجوار الشعاب المرجانيّة الهشة في إيلات وكميات النفط الكبرى التي ستمر عبر الأراضي الفلسطينيّ التي يسيطر عليها العدو، أثارت غضب المدافعين عن البيئة.

لأنّ البقع النفطيّة البحرية التي حولت قطاعاً كبيراً من السواحل الفلسطينيّة المحتلة على البحر المتوسط إلى اللون الأسود بسبب القطران، لا تزال حية في أذهانهم، وقد كان العام 2014 شاهداً على حدث كسر في أحد أنابيب الشركة الشيء الذي تسبب بتسرب 5 ملايين لتر من النفط الخام إلى محمية طبيعيّة صحراويّة.

وفي الذي تعرضت فيه هذه الاتفاقات لانتقادات شديدة اللهجة من قبل الجهات المدافعة عن البيئة لدى العدو، وقررت وزارة حماية البيئة تجميدها مؤقتا في يونيو/ حزيران المنصرم، باعتبار أن شعاب إيلات المرجانيّة فريدة من نوعها لأنّها اتسمت بقدر أكبر من المرونة في مواجهة التغير المناخيّ في وقت هلكت فيه شعاب كثيرة في مختلف أنحاء العالم، كما أنها مصدر جذب سياحيّ كبي.

ولأنها قريبة من الميناء يعني أن أقل تسرب من إحدى الناقلات سيتسبب في أضرار جسيمة لا يحمد عقباها، حيث قالت نوا يايون، رئيسة القسم القانونيّ في جمعية حماية الطبيعة التابعة للعدو سابقاً، أنّ “أغلب التفاصيل الخاصة بالصفقة سريّة قانوناً، ولا نعرف سوى القليل عنها، لكن هذا القليل يجعلنا في غاية القلق”.

بناء على ذلك، وُجهت إلى “شركة خط أنابيب أوروبا – آسيا” في وقت سابق من الأسبوع الجاري اتهامات بالتورط في تسرب نفطيّ خطير أضر بمحمية طبيعيّة عند سواحل إيلات عام 2014، فيما حذرت EAPC من أن إلغاء المشروع سيؤثر سلباً على علاقات الصهاينة مع الإماراتيين، غير أن مسؤولاً في الحكومة الإماراتيّة زعم لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” أنّ أبو ظبي ترى في هذا المشروع اتفاقية تجاريّة خاصة لا علاقة لها بها.

ومن الجدير بالذكر أنّ شركة أوروبا – آسيا لخطوط الأنابيب المملوكة لحكومة العدو، قد وقعت بعد نحو شهر من تطبيع العلاقات مع الإمارات تلك الصفقة، فيما وقِّع الاتفاق في أبوظبي مع شركة (ميد رِد لاند بريدج) التي يشترك في ملكيتها مستثمرون إماراتيون وإسرائيليون، ولا يزال خط الأنابيب الإسرائيليّ يعمل في الاتجاهين غير أن خبراء طاقة يقولون إنه عمل بأقل بكثير من طاقته في السنوات الأخيرة، وتأمل شركة خطوط الأنابيب زيادة الكميات “عشرات الملايين من الأطنان كل عام بعد الاتفاق مع الإمارات.

وتعتبر شركة خطوط الأنابيب أن النشاط الجديد هو مجرد جزء من عملياتها التي تصفها بـ “العادية”، وادعت أنّه يلبي أشد المعايير العالمية صرامة، بغض النظر عن المكاسب السياسية، وفي بيان سابق لها، زعمت أنّه من المتوقع أن يستفيد الكيان الصهيونيّ بشكل كبير من الاتفاق الذي سيعزز اقتصاده ومكانته الدولية، ويضمن استقلاله في مجال الطاقة والأمن.

نتيجة لكل ذلك، لو لم تكن المصالح الصهيونيّة من المشروع مع الإمارات تضاهي مصالح أبو ظبي بأضعاف لما وافق عليه الإسرائيليون أساساً، وإن تل أبيب تستغل بكل ما أوتيت من قوة تطبيعها مع بعض الأنظمة العربيّة لتحقيق مآربها في المنطقة وفي حال عدم حدوث ذلك لن تمضي في أيّ مشروع مشابه، وفي حال كانت بالفعل مستفيدة بقوّة من هذا الخط لا يمكن أن تتراجع عن ذلك قيد أُنملة والعكس صحيح، لمحاولة تغيير “قواعد اللعبة” في الشرق الأوسط بشكل مطلق، إن استطاعت.

الوقت التحليلي