المشهد اليمني الأول

تقترب قوات صنعاء من الحسم العسكري في محافظة مأرب الاستراتيجية ما يعني ان “قضية هادي ستغلق في شمال اليمن عملياً، على اعتبارها “آخر قاعدة” له في تلك المنطقة، لينطق الجيش واللجان الشعبية نحو الوجهة العسكرية التالية ” باتجاه الجوف، وشرق مأرب الى مُكلّا وحضرموت.

وفي مقال نشره موقع مركز دراسات “جريان”، يقول الكاتب علي رضا مجيدي ” فيما لو تم تحرير محافظة مأرب بالكامل، فلن يكون أمام قوات هادي عملياً مخرجاَ إلى صنعاء، وسیصبح شمال اليمن تحت سيطرة الحوثيين فعلیاً وبالتالي ستدخل قوات أنصار الله حاملة الورقة المنتصرة إلی المفاوضات السياسية”.

المقال المترجم:

من الجانب العسكري تعد مأرب من أهم قواعد حكومة منصور هادي. في حین توجد فی هذه المدینة أول وأكبر قاعدة عسكرية مشتركة للتحالف السعودي وحكومة منصور هادي، فضلا عن مراكز مهمة کمقر وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة وقيادة المنطقتين العسكريتين الثالثة والسابعة للجيش (التابعة لمنصور هادي).

من الجانب الجغرافي، تعد مدینة مأرب أقرب منطقة تقع تحت سيطرة منصور هادي إلی العاصمة صنعاء وعلى بعد 170 كم شرقا من العاصمة.

العوامل الإيجابية:

یبدو أن تصاعدت الخلافات في المعسكر المعادي للجبهة الیمنیة وبالنظر إلى تواجد مقر وزارة الدفاع وهيئة الأركان والعديد من المؤسسات العسكرية العليا التابعة لمنصور هادي في مدینة مأرب، یجب إعتبار المدینة عملیاً، تحت القيادة المباشرة لكبار قادة حكومة هادي، من الناحیة العسكریة .

ومع ذلك، فإن تطورات الشهرين الماضيين خلال عملية مأرب، جعلت المملكة العربية السعودية تتدخل مباشرة حیث حولت قيادة القوات المعادیة لأنصار الله من حكومة هادي إلى أشخاص مثل “طارق صالح” و”عزيز بن صغير”، الأمر الذي سيكون له إنعكاسات علی صعید المعادلات السیاسیة والمفاوضات المستقبلية

أدت عملية مأرب إلى تصعيد الانقسامات الداخلية للجبهة المعادیة لأنصار الله. فمنذ البداية إي قبل حوالي ستة أشهر أعلنت جبهة الجنوب أنها لن تشارك في العملية، وقبل شهرين، رحب “عيدروس الزبيدي”، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، رسميًا بسيطرة أنصار الله على مدینة مأرب.

يعود الخلاف الثاني في هذه الجبهة إلى الشهر الأخير، حيث يقال إنه مع تغییر القيادة والتدخل السعودي المباشر، فالقوات التابعة لحزب الإصلاح تكاد لا تكون لدیها بعد حافزاً للتواجد في الخطوط الأمامية من الجبهة.

بالتزامن مع الانقسامات الداخلية، يمكن أيضًا ملاحظة مستوی الاختلافات علی صعید التحالف الأجنبي بوضوح. وعلى عكس وسائل الإعلام السعودي، حيث أعارت إهتماماً بالغ الخطورة تجاه قضیة مأرب، فإن وسائل الإعلام الإماراتية غير مهتمة تمامًا بهذه القضية.

ومع ما يقال من تسليم قيادة الحرب تحت الضغط السعودي إلى طارق صالح، بإعتباره أحد القوات العاملة بالوكالة عن أبو ظبي، إلا أنه لیس هناك أي أخبار عن المجموعات التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة في الیمن. بالتالي في ضوء هذه المستجدات یجب أن نرى، هل سيتم إرسال القوات التابعة للإمارات (مثل قوات العمالقة،…) إلى هذه الجبهة، أم ستبقى الإمارات كما في الماضي أقل نشاطًا في هذا الشأن.

لدی مدینة مأرب أهمیة اقتصادية ملحوظة: تعد هذه المحافظة واحدة من مراكز النفط والغاز في اليمن. في الوقت نفسه، نظرًا لمبانيها ومواقعها التاريخية، فهي تتمتع بمناطق سياحية جذابة مهمة وقدرتها العالية على مستوی النمو الاقتصادي، فضلاً عن الحصة المرتفعة لها علی صعید الإنتاج الزراعي اليمني.

بالتالي، فإن امتلاك “ورقة مارب” في المفاوضات السياسية سيكون عاملاً فعالاً للغاية علی صعید حل الأزمة الیمنیة. لأنه في أي إطار سياسي، تعول صنعاء اعتمادًا كبيرًا على اقتصاد مأرب.

العوامل السلبیة:

حالیاً یوجد 138 مخيمًا للنازحین في المناطق التي تسيطر عليها قوات منصور هادي وتعد محافظة مأرب أكبر مكان لتجمع معارضي أنصار الله (بما في ذلك أحزاب المعارضة والقبائل) في شمال اليمن. في حین لیس هناك أي إحصائيات رسمية بشأن عدد نازحي الحرب، لكن الإحصاءات غير الرسمية والبحوث الميدانية تظهر وجود أرقام كبيرة من النازحين للحرب اليمنية.

على سبيل المثال، يزعم “بيتر سالزبوري”، في مركز أبحاث مجموعة الأزمات الدولية، استنادًا إلى بيانات الإحصائيات، إلی أن عدد سكان مأرب خلال سنوات الحرب الأهلية زاد من 300 ألف إلى 3 ملايين نسمة. وبما أن سجل التحالف السعودي حافل بالجرائم والحصار الصارم للمناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله، وبات غیر نظیف لدرجة أنه سلب إمكانية المناورة على البعد الإنساني في عملية تحریر مأرب، إلا أن تشريد هؤلاء السكان أو قمعهم سيكون له آثار ملموسة على المدى المتوسط والطويل قطعاً.

فیما سيطر أنصار الله على مدینة مأرب، فلن يكون هناك مكان علی أرض الواقع لحكومة منصور هادي وستمهد الطريق لتجزئة اليمن وانقسامه إلى دولتين مستقلتين، في مناطق شمال اليمن وجنوبه (علی غرار سنوات 1967-1990).

ولعل من أهم أسباب التأييد العلني لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي (المؤسسة السياسية البارزة للإنفصاليين الجنوبيين)، لسيطرة أنصار الله على مأرب، إعتبار هذه العملية خطوة كبيرة نحو تفكيك وتجزئة اليمن واستقلال مناطق الجنوب عن صنعاء.

ولمزيد من التوضيح، يمكن القول، في اطار حدود الدولتين المستقلتين، اليمن الشمالي واليمن الجنوبي وخلال الحرب الباردة، أصبحت الآن جميع المحافظات الشمالية بإستثناء “تعز” و “مأرب” تحت سيطرة أنصار الله. وفي المقابل، لم يسيطر أنصار الله الآن حتى على متر مربع واحد من المحافظات اليمنية الجنوبية.

بینما یختلف الوضع في محافظة تعز تمامًا حیث يستدعي شرحاً مفصلاً عنها خلال تقرير منفصل. بالتالي ينبغي تسمية مدینة مأرب “الحلقة الوصل الأخيرة بين شمال اليمن وجنوبه”

إذاً نقل القيادة إلى “طارق صالح” يمكن أن تعید إلی الأذهان تجربة عملية الحديدة. فیما نجح طارق صالح في الحفاظ على مأرب، يمكن تقدیمه رجل المرحلة التوافقیة بین أبو ظبي والرياض للحكم في شمال اليمن.

وبالتالي سيكون منافساً جاداً وحقيقياً لأنصار الله علی غرار منصور هادي، و”حزب الإصلاح”في صنعاء، الذي لا تربطه أي أصول بقبائل المحافظات الجنوبية، لكنه ينتمي إلى”محافظة صنعاء” ذاتها ولديه قدرة أكبر على لفت إنتباه قبائل صنعاء.

الإستنتاج:

فیما تم تحرير محافظة مأرب بالكامل، فلن يكون أمام قوات هادي عملياً مخرجاَ إلى صنعاء، وسیصبح شمال اليمن تحت سيطرة الحوثيين فعلیاً وبالتالي ستدخل قوات أنصار الله حاملة الورقة المنتصرة إلی المفاوضات السياسية. وفقًا للتقديرات الحالية، لم تسمح حكومة بايدن بإستمرار الحرب العبثیة والمتآكلة في اليمن، وعمليًا سيتم نقل المبادرة من المجال العسكري إلى طاولة المفاوضات السياسية.

ترغب أنصار الله، في خطوتها العسكرية الأخيرة، ومن خلال الاستیلاء علی مدینة مأرب، الجلوس علی طاولة المفاوضات السياسية المستقبلية مع فائض من القوة. في حین لا يمكن اعتبار عملية مأرب منتهية من وجهة النظر العسكرية.

فمن جهة قامت وسائل الإعلام المقاومة بكثير من التوجیهات والدعایات في هذا الصدد ومع ذلك، لا يزال هماك إمكانية للجبهة المعادیة بقيادة طارق صالح من صد تقدم أنصار الله في المنطقة الإستراتیجة “طلعة الحمراء” الواقعة على مسافة 6 کیلومترات من مدینة مأرب.

فمن الناحية الواقعیة، يجب القول أن هناك احتمال 60 إلى 70 بالمئة أن يتم تحرير مدینة مأرب علی ید أنصار الله خلال الشهر المقبل. في هذا السیاق یمكن القول إن إستراتيجية طارق صالح تتمثل في المقاومة وكسب الوقت من أجل إعمال الضغط السياسي من قبل البيت الأبيض – وربما المحادثات بين طهران والرياض.

ینبغي علی أنصار الله بعد تحریر مأرب التقدم مباشر ة نحو الشرق و”حضر موت” وذلك من أجل الحفاظ على وحدة الأراضي وسیادة اليمن،. كما أن الإمارات لم تبدي أهمیة بالغة للجزء الشمالي من حضرموت (المعروفة باسم حضرموت الوادي)، ومن حيث المنطق العسكري، فإن التقدم فيها – مقارنة بمدن مأرب وتعز – لم یواجه صعوبة کثیراً. ولكن يبقى أن نرى ما إذا كان تحديد الأهداف هذه، سيتم تحقيقه علی صعید الممارسة العملية أم لا.

أن وجوب جاهزیة المقاومة أمام وقوع سيناريوهات ما بعد تجزئة اليمن، للتخفيف من وطأتها السلبية، لا يمكن أن تبرر ممارسات المؤدیة إلی تفكيك و تجزئة اليمن. لا شك أن تجزئة اليمن من الناحية الجيوسياسية سيكلف المقاومة أعباءً کثیراً لن يكون من السهل تعويضها.

المصدر: علي رضا مجيدي – مركز دراسات “جريان”