المشهد اليمني الأول

إعلان وزارة حماية البيئة الإسرائيليّة عدم منحها ترخيصًا لمشروعٍ مُشترك مع دولة الإمارات العربيّة المتحدة لإقامة خط أنابيب لنقل النفط ومُشتقّاته عبر خط أنابيب إيلات على البحر الأحمر، وعسقلان على البحر المتوسّط مُباشرةً، شكّل ضربةً قويّةً لأكبر الاتّفاقات الاقتصاديّة بين الجانبين التي جاءت في إطار “سلام إبراهام” سيء الذّكر.

يَبلُغ طول خط الأنابيب المذكور حواليّ 254 كيلومترًا، ويُمكن أن ينقل 600 ألف برميل يوميًّا من النفط الإماراتي إلى الأسواق الأوروبيّة، الامر الذي سيَدُر عوائد ماليّة كبيرة على خزانة الدّولة العبريّة تتجاوز المِليار دولار سنويًّا كرسوم وعوائد مُرور، إضافةً إلى تنشيط الحركة التجاريّة في ميناء عسقلان (المصب) المُحتَل.

الأسباب المُعلَنة للجوء دولة الإمارات إلى هذا الخط هو توثيق العُلاقات التطبيعيّة مع دولة الاحتِلال، أمّا غير المُعلَنة فهي تجنّب كُل من مضيق هرمز في فَمِ الخليج الذي تُسيطِر عليه إيران، وقناة السويس التي ليست مُؤهّلة لمُرور ناقلات النّفط العملاقة، ممّا يعني تقليص العوائد الماليّة لمِصر في هذا الظّرف الحَرِجْ.

إلغاء وزارة البيئة الإسرائيليّة للمشروع جاء لأسبابٍ بيئيّة، والخوف من حُدوث تسرّب نفطي في مِياه خليج العقبة أو الأراضي المُحتلّة التي سيَمُرّ عبرها هذه الأنابيب، ولكن ربّما هُناك أسباب مخفيّة ذات طابع أمني، أبرزها احتِمالات تعرّض هذا الخط لهجماتٍ تُنفّذها الفصائل الفِلسطينيّة المُسلّحة، على غِرار ما حصل لخط الغاز المِصري إلى دولة الاحتِلال، عبر صحراء سيناء، واضطرّت الحُكومتان في نهاية المطاف إلى إغلاقه.

مِصر كانت المُتضرّر الأكبر من هذا المشروع الإماراتي الإسرائيلي، ليس بسبب تجاوزه لقناة السويس، وإنّما أيضًا لخط أنابيب “سوميد” المِصري الذي ينقل الحُمولات الزّائدة من نفط السّفن العملاقة المارّة بالقناة إلى ميناء الإسكندريّة حيث يتم تصديره من هُناك إلى الأسواق الأوروبيّة، ومن المُفارقة أنّ الإمارات تملك 50 بالمِئة من أسهمه.

هذا التغوّل من حُكومة الإمارات في التّطبيع الاقتصادي، إلى جانب التّطبيع الأمني والعسكري مع دولة الاحتِلال أثار غضب السُلطات المِصريّة، ووتّر العُلاقات بين مِصر وأبو ظبي ولكن جرى التكتّم عليه مِصريًّا، حِرصًا على شعرة معاوية، وتقليصًا للخسائر الاقتصاديّة، وحاجة مِصر إلى المزيد من الودائع والاستِثمارات الإماراتيّة، والأهم من كُل ذلك مُحاولة كبْح جِماح التّعاون الاقتِصادي الإماراتي الإثيوبي في المجالات كافّة.

دولة الإمارات المتحدة ترتكب خطيئةً كُبرى بتحدّيها للثّوابت الوطنيّة العربيّة بالانخِراط في عمليّات التّطبيع مع دولة الاحتِلال، مِثله مِثل كُل اتّفاقات التّطبيع الأُخرى قديمها وجديدها، إن لم يكن أخطر.

الإمارات دولة غنيّة حباها الله بثرواتٍ نفطيّةٍ ضخمة، وتحتل المرتبة الثّالثة كأكبر دولة مُصدّرة للنّفط في العالم، وتملك صندوقًا ماليًّا سِياديًّا قيمته حواليّ 800 مِليار دولار، ولا يزيد عدد مُواطنيها عن المِليون ونصف المِليون مُواطن في الإمارات السّبع التي تُشَكِّل اتّحادها، فلماذا هذا الانفِتاح على دولةٍ عُنصريّةٍ تحتلّ أراضي ومُقدّسات عربيّة وإسلاميّة، وتُمارس كُل أنواع جرائم البطش والقتل في حقّ شعبٍ عربيٍّ شقيق؟

دولة الاحتِلال الإسرائيلي التي عجزت عن حماية نفسها أثناء معركة “سيف القدس” الأخيرة، وعزلتها صواريخ المُقاومة عن العالم 11 يومًا، بسبب إغلاق مطاريها الوحيدين، وأنزلت ستّة ملايين من مُستوطنيها إلى الملاجئ لن تستطيع حِمايتها، أيّ الإمارات، وخسرت جميع حُروبها مُنذ عام 1967، وباتت تُواجه هجرةً عكسيّةً بسبب شُعور نسبة كبيرة من مُستوطنيها بعدم الأمان.

ما لا تُدركه قِيادة الإمارات أنّ الزّمن يتغيّر بسُرعةٍ، وأنّ “إسرائيل” لم تَعُد بالقُوّة التي كانت عليها طِوال السّبعين عامًا الماضية، وتمكّنها من حسم الحُروب مع الحُكومات العربيّة في ساعاتٍ معدودة، مُضافًا إلى ذلك أنها تتواجد في منطقةٍ مُلتهبةٍ، وغابة من الصّواريخ الدّقيقة والمُتطوّرة، ولعلّ تجربتها الأخيرة في حرب اليمن، والخسائر البشريّة والماديّة الضّخمة من جرّاء التورّط فيها هو أبرز الأمثلة في هذا المِضمار، والسّعيد من اتّعظ بغيره.

“رأي اليوم”