المشهد اليمني الأول

خلال الأيام الماضية، صدّر عدد من وسائل الإعلام ووكالات الأنباء الدولية أخباراً عن “انسحاب القوات السعودية” من الجنوب اليمني المحتل.

لم تعد السعودية تدري ما تريده من اليمن وما السبيل للخروج من المستنقع الذي لم يكن متوقعاً. وفي جردة حسابها لسبع سنوات من الحرب العبثية، النتيجة صفرية قياساً بما أعلنته من أهداف في بداية “عاصفة الحزم”، وباتت اليوم تقلب كفيها على ما أنفقت من مليارات الدولارات في صفقات السلاح وتجنيد الدول والمرتزقة المحليين والأجانب في سبيل تحقيق تلك الأهداف الوهمية، وفي سبيل نيل ثقة ورضا الأميركي والإسرائيلي، فلا ذا تأتى، ولا ذا حصل.

باتت السعودية تُجلَد من كل حدب وصوب، فالصواريخ والطائرات المسيّرة تكسر هيبتها وكبرياءها من فترة إلى أخرى، وآخرها العملية الصاروخية النوعية على معسكر الفوج الأول في “ظهران الجنوب” في منطقة عسير، والتي أطاحت أعداداً كبيرة من الضباط والجنود، بينهم قائد الفوج نفسه.

ليس هذا فحسب، فقد وجّهت القوات الصاروخية اليمنية عدداً من الصواريخ إلى معسكر صويلح في المخاء غرب تعز، واستهدفت تجمعاً حاشداً لمرتزقة السعودية في البلق الأسط في مأرب، محبطةً ما كانت تخطّط دول العدوان، وفي مقدمتها السعودية، لتخفيف الضغط عن مأرب، وما كانت تخطط له من التشبيك بين فصائل المرتزقة غير المتجانسة لدرء الهزيمة الكبرى في مأرب.

لا مكان آمناً لقوات الاحتلال السعودي

أمام الضربات اليمنية الدقيقة المدروسة، لم تعد القوات السعودية تجد أيَّ مكان آمن لقواتها، وبات الخوف والقلق يطوّقانها من كلّ جانب، فذهبت لتعيد نشر قواتها في عدن وشبوة ولحج، على أمل أن تنجو بعديدها وعدتها، وهي ترقب بالعين الأخرى الهزيمة الحتمية في مأرب.

خلال الأيام الماضية، صدّر عدد من وسائل الإعلام ووكالات الأنباء الدولية أخباراً عن “انسحاب القوات السعودية” من الجنوب اليمني المحتل، على خلفيّة مغادرة قواتها الموجودة في “معسكر قيادة قوات التحالف” في منطقة الشعب في مديرية البريقة غربي عدن، ونقل عرباتها ومدرعاتها ومعداتها وعتادها إلى الباخرة السعودية “درة جدة” في ميناء الزيت قبل مغادرة المدينة، وسط إجراءات أمنية مشدّدة، تضمَّنت إغلاق عددٍ من الطرق، وهبوط طائرة شحن في مطار عدن لنقل قواتها، فيما تردّدت خلال الفترة القريبة الماضية أنباء مشابهة عن انسحاب قواتها من قواعد عسكرية في محافظتي شبوة ولحج.

وعلى أثر هذه التحرّكات والإرباك السعودي، اعتقدت مؤسسات إعلامية، ومن بينها وكالة الأنباء الدولية “رويترز”، أن السعودية تنسحب أو تفكر في الانسحاب، فبادرت إلى استقاء المعلومة مباشرة من الناطق العسكري لوزارة الدفاع السعودية العقيد تركي المالكي، الذي نفى بدوره فكرة الانسحاب، وأكَّد أنَّ ما يجري مجرد “إعادة انتشار”، وأن “التقارير المتداولة بخصوص انسحاب عسكري سعودي من جنوب اليمن لا أساس لها وغير صحيحة”، وأنَّ هذه الخطوات جاءت “بناء على التقييم العملياتي والتكتيكي المعمول به في كل جيوش العالم، وهو ما يجري باستمرار”.

يأتي ذلك على الرغم من أنَّ فكرة الانسحاب التي ستحصل، طال أمد الحرب أو قصر، هي الأسلم لها، والأوفر لما تبقى في ضروع “البقرة الحلوب” من مال ونفط، بل كان الخيار الأفضل للنظام السعودي أن يبادر منذ الأشهر الأولى للعدوان على اليمن إلى الانسحاب، وأن يحمل عصاه ويرحل عن اليمن، وإلى غير رجعة، لو كان العقل السعودي يفكر بطريقة استراتيجية لتوفير فاتورة الحرب الباهظة والعبثية من دون نتيجة، لكنَّه لم يفعل.

ذلك أنَّ صانع القرار السعودي دخل في مستنقع الحرب، مدفوعاً برغبة أمريكية إسرائيلية، ومن دون حساب العواقب، ومن دون أن يفكّر أو يخطط لاستراتيجية الخروج من مستنقع الحرب من ناحية، ويتفادى الهزيمة التاريخية من ناحية أخرى، بدلاً من أن تسوقه صيرورة المغامرة إلى واقع أسوأ مما عايشته القوات الأميركية في فيتنام وأفغانستان.

كيف تابعت صنعاء التحرّكات السّعوديّة؟

لم يكن المسؤولون في صنعاء في غفلة عما يجري، بل كانوا يراقبون التحركات السعودية لحظة بلحظة، بما يمتلكون من معلومات استخباراتية دقيقة. وقد تلقّينا معلومات من مصدر مسؤول بأنَّ فكرة “الانسحاب” غير صحيحة، وأنَّ ما يجري هو مجرّد “إعادة تموضع وإعادة انتشار”. وكان لافتاً أنَّ إعلام صنعاء لم يعِر الخطوات السعودية والإماراتية أيّ اهتمام، بل إنَّ صنعاء لم تؤمن بإعلان الإمارات “الانسحاب من اليمن” حتى اللحظة.

تؤكّد المعلومات أنَّ السعودية سحبت قواتها من بعض المواقع في المهرة، تفادياً للحساسية، وسلمتها للقوات البريطانية التي أرسلت مؤخراً قوات مضاعفة، مع بقاء القوات السعودية في مواقع أخرى من المهرة. وتؤكّد المصادر أنَّ ما يجرى هو مجرد تبادل أدوار، وتبادل مواقع، وتقاسم نفوذ، مستدلَّة على ذلك بالمبادلة الإماراتية السعودية. طبعاً كلّ ذلك يجري تحت نظر الأميركي والبريطاني.

وترجّح المصادر أنَّ السعودية والإمارات، ومن ورائهما الأميركيّ والبريطانيّ، تعمدان في هذه المرحلة إلى الابتعاد عن مناطق الصراع المباشر، في مقابل تعزيز حضورهما العسكري في الجزر والمواقع الحسّاسة، مثل ميدي، وسقطرى، والمكلا، ومطار سيئون، وجزيرة ميون، وباب المندب، مع العمل الدؤوب، وتحديداً من قبل الإمارات، على التقريب والتنسيق بين ميليشيات الانتقالي وطارق عفاش المدعومين من أبو ظبي، بهدف ملء الفراغ الذي سيتركه “الرجل المريض” (حزب الإصلاح) بعد تحرير مأرب، وخصوصاً في تعز.

فيما تحافظ السّعودية على سيطرتها على قرار ما يُسمّى بـ”الشرعية” وموقفها السياسي، وقرارها العسكري تحت سيطرتها، وهي تضغط على الإصلاح في تعزّ وبعض المناطق الجنوبيّة المتاخمة للشمال للتنسيق مع طارق عفاش وعمار صالح وبعض السّلفيين الجنوبيين، بعد أن يكون “الإصلاح”، المكون الأساسي لما يسمى بـ “الشرعية”، خسر أهم وآخر معاقله في الشمال.

ولا يمكن فصل الحراك الدبلوماسيّ للأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية عن هذا السّياق، بالنظر إلى زيارة المبعوث الأممي جراندبرغ لعدن وتعز، وزيارة المبعوث الأميركي تيم ليندر كينغ لأوّل مرة إلى عدن، بهدف إعطاء هذه الفصائل دفعة معنويّة من جهة، وإضفاء صبغة “شرعيّة” عليها، كبديل من حزب الإصلاح وما يُسمى “الشرعية” من جهة ثانية.

رغم كلّ هذه الترتيبات، وفي خضم الأيام الصعبة، فإنَّ السّعودية – وحكّامها – لم تسلم من الهجوم اللفظيّ والمعنويّ والأذى ممن صفّق لها في البداية. نعني المرتزقة الَّذين حمّلوها مسؤولية الفشل في “إدارة المعركة”، فيما حلفاؤها الدوليون يتّهمونها بالفشل، ويمنحون الأوسمة المعنوية والأدوار الوظيفية لبعض إمارات الخليج ومشيخاتها، والّتي ترى فيهم السعودية مجرَّد دوليات صغيرة وملحقات تابعة لها.

على حساب تراجع دورها التقليدي في المنطقة، بل إنَّ الرئيس الأميركي جو بايدن لم يفكّر حتى اللحظة في أن يرفع سماعة الهاتف ويتّصل بمايسترو الحرب محمد بن سلمان، رغم إبقائه على الدعم العسكري للرياض، بما يصبّ في خدمة المصالح الاستراتيجية لواشنطن.

__________
تقرير: علي ظافر