المشهد اليمني الأول

في وقت متأخر من مساء يوم الأربعاء الماضي 10 نوفمبر تشرين الثاني فوجئ سكان العاصمة صنعاء بقصف جوي قيل عنهُ أنهُ لأهداف عسكرية مشروعة بينما قال الطرف الأخر أن القصف طال منازل مواطنين وأعيان مدنية. وبصرف النظر عن روايات الأطراف المختلفة للحادثة والتناول الإعلامي لها فقد كانت هناك امرأة كفيفة تصارع الموت بمنزلها وتنتزع ابنيها من بين أنيابه لم يلتفت لها أحد.

وقد تواصلنا في المركز الإعلامي للأشخاص ذوي الإعاقة MCPD بالأستاذة –هناء الغزالي (وهي امرأة كفيفة وأم لطفلين وهي واحدة من بين الشخصيات البارزة للكفيفات فروت لنا الحادثة بصوت حزين ومكلوم يكاد يمتزج بالبكاء وقالت: “أسكن في شقة إيجار ضمن عمارة سكنية أنا وزوجي وأبنائي –حسام تسع سنوات، وبيان سنتين ونصف، وكان زوجي ليلتها مسافر إلى محافظة إب وهو بكامل اطمئنانه علينا في العمارة التي تعد آمنة جداً ونعرف جميع جيراننا، وكانت عندي إحدى الكفيفات للزيارة.

في نفس العمارة كانت هناك إحدى نساء الجيران قد ولدت منذ أيام قليلة وكانت شقتهم ممتلئة بالأهل والأقارب. وفي الساعة الثانية عشر ليلاً تقريباً سمعنا صوت مفزع وكأن القيامة قد قامت، حيث كانت الغارة الأولى جوار العمارة تماماً ما أثار هلع وفزع جميع سكان العمارة، أما أبنائي الإثنين حسام وبيان فقد كانا نائمين وكنت قد وضعت فرشاً على نافذة الغرفة حتى أقلل من وطأة البرد لأنه لا توجد وسائل تدفئة في منزلنا.

حسام كان نائماً تحت النافذة مباشرةً بينما كانت بيان نائمة قريبة من باب الغرفة وعند الغارة الأولى اهتزت كل العمارة بشكل عنيف وعلا صراخ الناس وبدأت النوافذ والشبابيك والأحجار والشظايا تتناثر على أبنائي داخل الغرفة، قمت من النوم مفزوعة وكنت أصرخ ودخلت إلى غرفة أبنائي والغبار يكاد يخنقني – ولكن كان لطف الله أكبر حيث سقط الفراش الذي وضعته في النافذة على ابني حسام بينما سقطت مجموعة من البطانيات على ابنتي بيان مما جنبهما أن تقع عليهما الزجاجات والأحجار المتساقطة بشكل مباشر”.

تستمر هناء الغزالي بسرد قصتها والغصة بحلقها فتقول: “أخذت أبحث عن أبنائي داخل الغرفة بخوف وفزع وارتباك ومشاعر لا أستطيع وصفها، فانتشلت ابنتي ثم ابني من تحت ركام الزجاج المتحطم والأحجار والشظايا وسحبتهما إلى الصالة التي حتى هي وصلتها بعض الشظايا أيضاً لكنها أخف.

لقد انتزعت أبنائي من فم الموت وكانت لحظات عصيبة وقاسية جداً”

لم تنتهِ القصة عند هذا الإجرام حيث تذكر –هناء أن الطيران استمر بالتحليق وبالفعل وخلال أقل من خمس دقائق عاود القصف مرة أخرى للنقطة الأمنية التي تبعد عن العمارة بضعة أمتار ولم تكن هناء وأبنائها وضيفتها الكفيفة قد استطاعوا الفرار بعد.

تقول –هناء : “كنت وأولادي الإثنين وضيفتي في الصالة لم نلتقط أنفاسنا بعد فإذا بغارة أخرى على النقطة خلال أقل من خمس دقائق، وكانت الغارة الثانية أشد بكثير من الغارة الأولى توقعنا أن تسقط العمارة على رؤوسنا، لقد سمعنا أصوات الأبواب والنوافذ تطير في الهواء، ودخلت بعض الشظايا والأحجار والطوب المتطاير إلى صالة الشقة حين كنا متجمعين، كان ما يجري جحيماً بالفعل، فهربنا إلى سلم الدرج وكان جيراننا المبصرين كل قد فر لينجو بنفسه فوقفت مع أبنائي وضيفتي الكفيفة أصرخ وأبكي في الدرج وتوقعنا غارة ثالثة تقضي علينا جميعاً لكن كان لطف الله أكبر من خوفي وهلعي وكان أكبر من حقد وصلف من قصفنا كذلك”

كيف نجت هناء وأبنائها من الموت وخرجوا من العمارة؟

لم تتوقف لحظات الخوف وصراخ الأطفال المحاصرين في العمارة بفعل الدمار الذي تسبب به القصف ونتيجة لتحليق الطيران الذي استمر محلقاً حوالي نصف ساعة بعد القصف بحسب –هناء، فقد فرضت القوات الأمنية حظراً على المكان ومنعت الدخول إليه خوفاً من تجدد القصف، وأشادت هناء بتعاون صاحب العمارة ورجال الأمن الذين ساعدوها على الخروج مع أبنائها وضيفتها على طقم عسكري وأوصلوها إلى أقاربها كونهم لم يستطيعوا الفرار مثل باقي سكان العمارة.

تقول –هناء “تركنا في المنزل كل أغراضنا ووثائقنا ومتعلقات شخصية ولم أتمكن إلا من أخذ الحقيبة المدرسية لابني حسام لأني صادفتها أثناء هروبنا من المنزل”.

كما أبدت استغرابها وعبرت عن غضبها من الأخبار التي تداولتها بعض وسائل الإعلام والتي زعمت أن العمارة كان يوجد فيها مخزن أسلحة وقالت –هناء: “نحن نعرف صاحب العمارة وهو رجل متعاون ولا علاقة له بأي من الأطراف كما نعرف أن العمارة مكتظة بالعوائل فهل من المعقول أن تسكن العوائل في مكان تعرف أنه يحتوي على مخزن أسلحة؟!!!”

وتسكن –هناء مع أبنائها الإثنين وزوجها الذي عاد إلى صنعاء فور علمه بالحادثة عند بعض أقاربهم في مكان بعيد جداً عن مقر عملها ومدرسة ابنها، حيث تقول هناء إن العمارة التي كانوا فيها لم تعد مؤهلة للسكن وإن بعدها عن عملها ومدرسة ابنها ستكلفهم مواصلات قدرها ثمانية ألف ريال أي ما يعادل 14 دولار على الأقل، وأنهم يبحثون عن منزل آخر للإيجار في مكان قريب من مقر عملها ومدرسة ابنها في ضل أزمة سكن متفاقمة وأسعار شقق جنونية تزداد يوماً إثر يوم.

وطالبت هناء من وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية لإدانة ما تعرضت له هي وأبنائها والسكان الأبرياء وعدم تبرير قصف منازل المواطنين والأعيان المدنية تحت أي مبرر كان.

_____________________________________
المركز الإعلامي للأشخاص ذوي الإعاقة MCPD / إبراهيم المنيفي