المشهد اليمني الأول

مع اقترابِ قواتِ الجيش واللجان الشعبيّة من إكمال تحرير محافظة مأرب، يؤكّـدُ جميعُ المراقبين أن تحالُفَ العدوان الأمريكي السعوديّ أصبح على موعدٍ مع “هزيمة” مدوية في اليمن.

فيما يوضحُ سماحةُ الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، أن تداعياتِ هذه “الهزيمة” ستتجاوزُ الجغرافيا اليمنية، وسيكون لها صدًى إقليميٌّ، وهو أَيْـضاً ما تؤكّـده وسائل إعلام عبرية لا زالت تكرّر التعبير عن “قلق” صهيوني متعاظم من نتائج هذه المعركة، فما الذي يميِّزُ معركةَ مأرِبَ عن غيرها؟

يعود جزءٌ من التميز الذي تحظى به معركة مأرب، إلى الأهميّة الاقتصادية والاستراتيجية للمحافظة نفسها، فاستعادة الثروات النفطية والغازية لمأرب سيشكل تغييرًا جذريًّا في مسار الحرب؛ لأَنَّ تحالف العدوان كان قد تعمد الاستحواذَ على هذه الثروات واستخدامها في إطار إجراءات الحصار المفروض على الشعب، وقد كشفت المتغيراتُ أن تحالف العدوان يعتمدُ على الحصار كسلاح رئيسي لاستهداف البلد بعد فشل كُـلّ “الأسلحة” الأُخرى.

بالتالي، فَـإنَّ استعادةَ ثروات مأرب يعني كسرَ جزء كبير من الحصار، وقطع شوط طويل نحو عودة تسليم مرتبات موظفي الدولة بانتظام، والتخلُّص من أزمات الوقود والغاز التي استخدمها يديرها تحالف العدوان منذ سنوات لمضاعفة المعاناة الإنسانية في البلد ولابتزاز صنعاء، وهذه نقلةٌ نوعيةٌ يخشاها تحالُفُ العدوان؛ لأَنَّها ستكمل صورةَ “الدولة” الحقيقية التي تمثلها صنعاء، والتي أثبتت جدارتَها في إدارة مختلف الشؤون، في مقابل السقوط المخزي والفاضح لكل الأطراف الأُخرى التي حاول تحالف العدوان فرضها كسلطات “شرعية”، والتي ستتلاشى أكثر بعد تحرير مأرب.

هذا يعني القضاءَ على آمال العدوان في مواصلة “عزل” صنعاء، خُصُوصاً أنها قد بدأت فعلاً بترميم العلاقات الدبلوماسية مع الخارج، بحسب ما كشف عضو الوفد الوطني، عبد الملك العجري، قبلَ أَيَّـام.

لكن الأهميّةَ الاستراتيجية للمحافظة لا تقتصرُ على الثروات النفطية والغازية، فانضمامُ أبناء مأرب وقبائلِها إلى الصف الوطني والانخراطُ في مبادرة قائد الثورة، يغلقُ البابَ أمام الكثير من الآمال والمخطّطات التي عوّل عليها تحالفُ العدوان في استخدام المحافظة وأبناءها كبيدق لاستهداف بقية الوطن.

الجزءُ الآخر من التأثير الكبير والواسع لمعركة مأرب، يعودُ إلى طريقة تعاطي القيادة الثورية والسياسية مع هذه المعركة وأُسلُـوب إداراتها على المستوى العسكري، وعلى المستوى القبلي والاجتماعي، وَأَيْـضاً على المستوى السياسي.

إن تسلسُلَ العمليات العسكرية الواسعة التي نفذتها قواتُ الجيش واللجان الشعبيّة منذ عملية “البُنيان المرصوص” يكشفُ أن خطةَ معركة مأرب تجاوزت جغرافيا المحافظة نفسِها، فعملياتُ إكمال تحرير البيضاء وتأمين ثلاث مديريات من محافظة شبوة، كانت تنطوي في جزء كبير منها على هدف متمثل بقطع خطوط إمدَاد المرتزِقة في مأرب وتعزيز الطوق المفروض عليهم بشكل تدريجي.

من نتائج هذا الترتيب والتخطيط الدقيق كان تسهيل مطاردة العدوّ داخل مديريات مأرب وتطويقه في أكثرَ من مكان، وُصُـولاً إلى آخر معاقله في المحافظة.

ومن نتائجه أَيْـضاً أن خارطةَ السيطرة بعد تحرير مأرب مرعبةٌ لتحالف العدوان؛ لأَنَّ الخطوط الأمامية لقوات الجيش واللجان ستكون على مشارف العديد من المحافظات الجنوبية، وهو ما يعني الاتّجاهَ نحو معادلة “التحرير الشامل” للأرض، والتي أعلن عنها قائد الثورة.

يتوازى ذلك أَيْـضاً مع احترافيةٍ في التعامل مع مِلَفّ مأربَ سياسيًّا، فبالرغم من الضجيج الواسع الذي أثاره تحالف العدوان على مستوى دولي بشأن معركة مأرب، والضغوط التي حاول توجيهَها لوقف تقدم قوات الجيش واللجان الشعبيّة في المحافظة، إلا أن موقف صنعاء السياسي تكامل مع موقفها العسكري على الأرض، في الثبات بـ”نَفَسٍ طويل” والاستناد إلى حقائقَ واضحة وراسخة، الأمر الذي جعل العدوَّ يفشل تماماً في فرض مطالبه، بل إن صنعاءَ جعلته يناقضُ نفسَه ويكشف عن زيف دعاياته “الإنسانية” التي كان يحاولُ أن يحشدَ حولها ضغوطاً سياسية.

بعبارة أُخرى: لقد دفعت صنعاءُ بتحالف العدوان ورعاته إلى استنزاف العديد من الحيل السياسية والدبلوماسية في محاولاتهم لإيقاف التقدم في مأرب، فقط ليكتشفوا أن ذلك مطلبٌ مستحيلٌ، وهو ما يعني وقوفهم بلا أيةِ حيلة أمام استكمال تحرير المحافظة وما سيتلو ذلك من متغيرات.

إجمالاً، أدارت صنعاءُ معركةَ مأرب كمعركة “حاسمة” للمواجهة، وهذا ما بات يقف العالم اليوم أمامه، وهو يؤكّـد أن تحالف العدوان على موعدٍ مع هزيمة كبرى ستتجاوز تداعياتها الجغرافيا الوطنية؛ لأَنَّ الانتصارَ المرتقَبَ يؤسسُ لمرحلة مختلفة بالكامل، ستكونُ فيها خياراتُ صنعاء العسكرية والسياسية أكثرَ قوة واتساعًا على مستوى البلد كله وعلى مستوى الإقليم أَيْـضاً.

صحيفةُ “جيروزاليم بوست” العبرية، أشَارَت إلى هذه النقطةِ بوضوح في حديثها عن “المخاطر” التي ستتفاقم على الرياض وتل أبيب، في حَـالِ سيطرةِ قوات الجيش واللجان على ما تبقى من محافظة مأرب؛ لأَنَّ مشروعَ استهدافِ أمن واستقرار اليمن؛ لمنعه من ممارسة دوره الإقليمي سينتهي مع إكمال تحرير المحافظة التي ستوفر رافدًا اقتصاديًّا للاستقرار والانتقال إلى مرحلة البناء وكسر العُزلة والحصار.

هذا أَيْـضاً ما يؤكّـده المراقبون والمحللون ووسائل الإعلام الأجنبية التي لم تعد تخفي أن تحريرَ مأرب سيشكلُ “حسماً” للحرب لصالح صنعاء، وانتكاسةً تأريخيةً للسعوديّة التي أنفقت ثروةً طائلةً على العدوان؛ مِن أجلِ تحييد “التهديد” اليمني على المصالح الأمريكية الإسرائيلية إلى الأبد، فقط ليخرج اليمنُ من هذا العدوان أكثرَ قوة وأشدَّ “خطرًا” على تلك المصالح، حتى أن بعض المحللين أصبحوا ينصحون الإدارة الأمريكية بتغيير أُسلُـوب تعاملها مع صنعاء تماماً.

وفيما يخص السعوديّة بالذات فَـإنَّ هزيمتها في مأربَ ترتبطُ بشكل واضح مع موقفها الإقليمي، وقد سعت الرياضُ إلى استباق التأثير الذي ستحدثه هذه الهزيمة من خلال التصعيد العدواني على لبنان، وحاولت استخدامَ الحوار مع إيران؛ مِن أجلِ تفادي خسارة مأربَ، لكن بلا فائدة، ما يعني أن صورةَ السعوديّة ونفوذَها في الإقليم سيتعرضُ لضربة مزلزلة؛ بسَببِ الهزيمة في مأرب؛ لأَنَّها ستصبحُ “المملكة” التي فشلت فشلاً فاضحاً في اليمن.

الخلاصةُ أن الفترةَ القصيرةَ المقبلةَ لا تحدِّدُ مستقبلَ محافظةِ مأربَ واليمنِ فحسب، بل يمكن القولُ إنه مستقبلَ المنطقة، وإن قواتِ الجيش واللجان الشعبيّة وهم يتقدمون اليوم صوبَ مدينة مأربَ، يطوون آخرَ صفحات مرحلةٍ كاملةٍ من التأريخ؛ مِن أجلِ بدء فصلٍ جديدٍ بموازين قوًى جديدة، لا تسيطرُ عليها قوى الاستكبار الغربي وأدواتها الإقليمية، ولا يتحكَّمُ بها “البترودولار”، وهو ما يعني بالنظر إلى العقود الطويلة الماضية، زمنًا جديدًا كليًّا.

المسيرة