المشهد اليمني الأول

تزداد التوترات حدة في إثيوبيا، بين القوات الحكومة برئاسة آبي أحمد، وبين المعارضة المسلحين، وسط محاولات أوروبية وأمريكية للحد من التوتر بمقترحات والدعوة الى المفاوضات لإنهاء النزاع بين الأطراف المستمر لأكثر من عام.

وألقت تقارير الضوء في الفترة الأخيرة على احتمالات مشاركة مرتزقة أجانب في الحرب الدائرة بين الحكومة الفيدرالية في إثيوبيا والمقاتلين من أبناء إقليم تيغراي.

ورغم تأكيد أديس أبابا في أكثر من مناسبة على أن الصراع هناك شأن داخلي لا تسمح بتدخل أحد فيه، توعد قادة قوات تيغراي “باصطياد” المرتزقة الأجانب. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ بدأ طرفا الصراع في تبادل الاتهامات بالاستعانة بقوات أجنبية في القتال الدائر بينهما.

وبينما يتهم جيش تحرير شعب تيغراي آبي أحمد بالاستعانة بمرتزقة أجانب من إريتريا، والصومال، والإمارات في حربه ضد الإقليم، وجه رئيس وزراء إثيوبيا اتهامات مماثلة لجبهة تحرير شعب تيغراي بأنها تستعين بالكثير من الأجانب في الحرب ضد قواته الحكومية، من بينهم “رجال بيض”، بحسب وصفه.

كما رجح غيتاتشو رضا، المتحدث باسم جبهة تحرير شعب تيغراي، أن المرتزقة الأجانب الذين يقاتلون إلى جانب قوات أبي أحمد ربما ينتمون إلى تركيا، أو الصين، أو إسرائيل، أو الإمارات، وذلك في تصريحات أدلى بها لوكالة أنباء رويترز في أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري.

اتهامات دول الجوار 

اتهمت جبهة تحرير شعب تيغراي دولة إريتريا بالمشاركة بقوات عسكرية في الهجوم الذي شنته الحكومة المركزية على الإقليم، بهدغ “استعادة حكم القانون” في المنطقة، وفقا لما أعلنت حكومة آبي أحمد.

ونفت إثيوبيا وإريتريا في أوائل الصراع، الذي بدأ منذ حوالي عام، مشاركة القوات الإريترية في القتال الدائر بين أطراف الصراع.

وقال كينيا ياديتا، وزير دفاع إثيوبيا في ذلك الوقت: “لا يوجد ما يدعو الجيش إلى طلب دعم إضافي من الخارج. ولن يحارب الجيش في الداخل مستعينا بقوى خارجية”. وقال عثمان صالح محمد، وزير خارجية إريتريا: “إنه صراع داخلي وليس لنا دور فيه”.

وفي أوائل مارس/ آذار الماضي، قال المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية الإثيوبية دينا مفتي إن حكومة بلاده لم توجه “دعوة رسمية” لإريتريا للمشاركة في الصراع. وأضاف أنه “كدولة ذات سيادة، يمكنك دعوة إريتريا، والصومال، والسودان. لكن ذلك لم يحدث، إذ لم تتلق الحكومة الإريترية ولا والقوات الإريترية دعوة رسمية للمشاركة”.

ورجح مفتي، الذي لم ينف وجود قوات إريترية في تيغراي، إمكانية مشاهدة قوات إريترية في الإقليم، مبرراً ذلك بأن الحدود بين البلدين تمتد على مسافة طويلة ويمكن مشاهدتهم في المناطق الحدودية.” كما رجح إمكانية دخول تلك القوات إلى الإقليم وسط الفوضى التي تسود المنطقة.

اعتراف رسمي

مع ذلك، وبحلول إبريل/ نيسان الماضي، اعترفت إريتريا للمرة الأولى بمشاركة قواتها في الحرب الدائرة في شمالي إثيوبيا، بعد أشهر من نفي تورطها فيه.

وقالت السفيرة الإريترية لدى الأمم المتحدة صوفيا تيسفا ماريام إن “الجنود سيتم الآن سحبهم من منطقة تيغراي. وكانوا قد نشروا هناك لدعم العملية العسكرية التي قام بها الجيش الإثيوبي ضد الحزب الحاكم سابقاً في إقليم تيغراي والمعروف باسم جبهة تحرير شعب تيغراي”.

ونفت السفيرة الاتهامات الموجهة للقوات الإريترية بتنفيذ عمليات قتل جماعية واغتصاب، واصفة إياها بالاتهامات الشنيعة.

جماعات مسلحة

خرج الصراع عن حدود إقليم تيغراي لتبدأ عمليات قتالية في الأقاليم المحاورة مثل أمهرة، يأتي هذا الاعتراف من جانب إريتريا في وقت تصاعدت فيه الضغوط الدولية عليها من أجل سحب قواتها من إقليم تيغراي.

وجاء أول اعتراف صريح بالدور الإريتري في القتال في رسالة نشرت على الانترنت من قبل وزير الإعلام الإريتري، وهي مكتوبة من جانب السفيرة الإريترية في الأمم المتحدة وموجهة لمجلس الأمن الدولي.

ولا يقتصر الأمر على إريتريا، إذ زعمت جبهة تحرير شعب تيغراي أن الإمارات تساعد الحكومة الإثيوبية بطائرات مسيرة تنطلق من قاعدة جوية في إريتريا.

وقال المتحدث باسم الجبهة في تغريدة نشرها على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي تويتر في 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020: “يضم آبي أحمد إلى قائمة داعميه الطائرات المسيرة الإماراتية التي تنطلق من قاعدة في مدينة عصب الإريترية لتنفذ غارات ضد شعب تيغراي.

في غضون ذلك، تستهدف قوات دفاع تيغراي منشآت في إريتريا، بما في ذلك مطار أسمرا الذي يستخدم لشن هجمات على تيغراي”.

جدير بالذكر أنه حتى الآن لا يمكن التحقق من جهة مستقلة عن وجود قوات أجنبية في إثيوبيا، سواء لمساعدة ودعم الحكومة المركزية في صراعها مع تيغراي أو لدعم جبهة تحرير شعب تيغراي في مواجهة الحكومة الفيدرالية، وهو ما يبقي الأمر عند حدود الاحتمالات باستثناء القوات الإريترية التي صدر اعتراف رسمي من أسمرا بوجودها في إثيوبيا.

قلق أمريكي مستمر

أعرب وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن عن قلق واشنطن من تداعيات إقليمية خطيرة على الجوار الإثيوبي، ووصل بلينكن إلى كينيا في أول زيارة له إلى دولة أفريقية، وقال من هناك إنه لا حل عسكريا للصراع الإثيوبي، وإن على الجميع الاعتراف بذلك.

وأضاف في مؤتمر صحفي “ينتابنا قلق عميق من هذا الصراع، فهو لا يهدد إثيوبيا فقط بل جيرانها أيضا. نعمل مع الاتحاد الأفريقي للضغط على كل الأطراف لوقف القتال دون شروط ووقف الانتهاكات، ومساعدة ملايين الإثيوبيين شمال البلاد”.

وكان قد حثت وزارة الخارجية الأمريكية المواطنين الأمريكيين، على مغادرة إثيوبيا فورا، مؤكدة أنها لن تتمكن من إجلائهم في حال تفاقم الوضع الأمني فجأة.

وصرح مسؤول كبير بالوزارة للصحفيين بأنه “لا توجد خطط لتوجيه قوات عسكرية أمريكية إلى إثيوبيا لتسهيل عمليات الإجلاء أو تكرار جهود الطوارئ التي قمنا بها مؤخرا في أفغانستان والتي كانت وضعا فريدا لأسباب عدة”.

وكانت واشنطن نصحت مواطنيها في إثيوبيا في وقت سابق من هذا الشهر، بمغادرة البلاد في أقرب وقت ممكن وأعلنت عن تقديمها قروضا للعودة إلى الوطن لأولئك الذين ليس لديهم الأموال اللازمة للمغادرة.

آبي أحمد يحذر من حرب دعائية

وقال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد -في تغريدة على تويتر- إن إثيوبيا تواجه “حرب روايات معقدة”، معتبرا أن كثيرين يستخدمون المعلومات المضللة مسارا لتحركاتهم التي وصفها بالشريرة. وأضاف أن على كل إثيوبي أن يلعب دورا في صد الرواية المشوهة وعكس مسارها، بحسب تعبيره.

في هذه الأثناء، تواصل السلطات الإثيوبية نفي التقارير عن سيطرة قوات جبهة تحرير تيغراي على مزيد من المواقع. وتتركز كبرى المواجهات في منطقة “ولو” بين إقليمي أمهرة وتيغراي، فالقوات الفدرالية القادمة من جنوب “ولو” شنت هجوما مضادا على مقاتلي جبهة تحرير تيغراي المنتشرين في جانبها الشمالي.

وفي إقليم عفر شمال شرقي إثيوبيا، تحاول القوات الحكومية والوحدات الخاصة بالإقليم وقف تقدم قوات جبهة تيغراي، بينما تسعى الجبهة للسيطرة على مدينة ميلي المشرفة على ممر حيوي بين ميناء جيبوتي والعاصمة أديس أبابا.

وأعلنت القوات الخاصة تصديها للهجمات على ميلي، كما نفى مسؤول في إدارة المدينة الأنباء عن سيطرة مسلحي تيغراي عليها. وسبق أن استولت جبهة تيغراي على عدة مدن، بينها ولدايا وميسا وديسي، وهددت بالزحف إلى العاصمة.

وخلّف التصعيد في جبهات القتال وضعا إنسانيا متفاقما، حيث تشير الإحصاءات في إقليم أمهرة إلى نزوح نحو مليونين و300 ألف شخص، كما تشهد مناطق في إقليم عفر موجة نزوح واسعة لآلاف النساء والأطفال. كما أكدت بيانات جمعت من عدة مستشفيات في تيغراي، أن نحو 200 طفل قضوا جوعا في الإقليم خلال عام من النزاع.

وتضغط كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي على الحكومة الإثيوبية والمتمردين في منطقة تيغراي لإنهاء صراعهم، الذي أودى بحياة عدة آلاف وشرد مليوني شخص منذ أن بدأ قبل اثني عشر شهرا.