مقالات مشابهة

اغتال شيرين أبو عاقلة.. الاغتيال مرتين

بعد اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة بدمٍ بارد وبجريمة مخطّطة ومدروسة يعمل العدو ذاته، ومن خلال صفحات مزوّرة، على إلقاء آخر ما لديه من أسهم، ألا وهو الفتنة الطائفية، بأنه لا يجوز الترحّم على شيرين بدعوى أنها مسيحية.

في مقال باللغة الإنكليزية في جريدة “جيروزاليم بوست” حول استشهاد الصحافية المقدسية العربية شيرين أبو عاقلة، يبدأ العنوان بتبرير العمل الإرهابي والإيحاء بأن الكيان الصهيوني ضحية للإرهاب، إذ يقول العنوان: “سيصبح موت الصحافية مبرّراً لهجمات إرهاب على إسرائيل”.

أولاً الصحافية شيرين البطلة لم تمت، بل جرى قنصها بعمل إرهابي جبان، رغم ارتدائها الخوذة والدرع. الصحافية قُنصت من رقبتها في عمل إرهابي مدروس ومخطط ومنفّذ من قبل العصابات الصهيونية. وفي السطر الأول يتساءل الكاتب: لماذا تمّ اتهام الكيان الصهيوني بقتل الصحافية الفلسطينية المشهورة قبل أن يُسأل سؤال واحد، والجواب هو لأن هذا الكيان قد قتل واغتال عشرات الآلاف من الفلسطينيين على أرض فلسطين وفي بقاع مختلفة من العالم، سواء أكانوا سياسيين أم دبلوماسيين أم إعلاميين أم مناضلين منفردين على الأرض، وذلك لإخماد صوت الحق، وكي لا تصل أصواتهم المحقّة إلى آذان العالم.

وتبدأ الفقرة الأولى بتزوير الواقع من خلال القول إنّ شيرين قد قُتلت خلال اشتباك بين جيش قوات الاحتلال وفلسطينيين في جنين. وكل الذين كانوا في المكان شهدوا بأنه لم يكن هناك أي اشتباك ولا مقاتلين ولا حتى رامي حجارة، وأن العمل الإرهابي أتى من قنّاص متمركز على سطح بناء استهدف قتل شيرين أبو عاقلة وإسكات صوتها العروبي النقي المدافع عن الحق الفلسطيني في الأرض والتاريخ.

وقد غيّر العدو الصهيوني روايته أكثر من مرة، دلالة على كذبه وارتباكه من حجم الاستنكار للجريمة، والتعاطف مع شهيدة العروبة، وتابع عمله الإرهابي باستهداف بيت شيرين أبو عاقلة ودهمه ومحاصرته، وبمحاولات بثّ الفتنة في وسائل التواصل الاجتماعي، واختراع تخرّصات لا تمت إلى منطقتنا وعروبتنا بصلة، ومن ثمّ من خلال العبث بنعش الفقيدة وحرمان آلاف الناس مرافقتها إلى مثواها الأخير، وكأنهم يخشون أنفاسها النقيّة حتى بعد أن ظنوا أنهم أخمدوها، وإذ بشعلة مقاومتها تزداد تألقاً وانتشاراً.

والسؤال هو: ما قيمة تنديد البيت الأبيض بمقتل الصحافية ودعوته إلى إجراء تحقيق مستقل، وما قيمة مطالبة الاتحاد الأوروبي بإجراء تحقيق مستقل إذا كان الطرفان يشيحان بوجهيهما عن جرائم الاحتلال الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني على مدى سبعين عاماً ماضية؟ أم أن هذه التصريحات تهدف إلى استيعاب ثورة الغضب والاستنكار العالمية، لتعود الأمور بعد ذلك وتهدأ، ويعود البيت الأبيض ومجلس النواب الأميركي (الذي وقف دقيقة صمت عن روح شيرين أبو عاقلة) ويعود الاتحاد الأوروبي إلى دعم كل الجرائم الإسرائيلية في فلسطين والجولان وأوكرانيا، ودعم العنصرية الصهيونية والنازية الجديدة بالمال والسلاح والمواقف؟

فقد عقد البرلمان البريطاني جلسته يوم الخميس 12/5/2022 وكل النواب يرتدون الشعار الأوكراني، ويرسلون السلاح والمرتزقة إلى أوكرانيا، ويسبّبون الهجرة والنزوح والفقر والدَين للشعب الأوكراني لعقود مقبلة. كما يستقبل البيت الأبيض ممثّلي العثماني الجديد، الذين ذهبوا إلى واشنطن ليطالبوا بإعفاء أعمالهم الاستيطانية المجرمة في الشمال الغربي من سوريا من قانون قيصر، وليستكملوا ما فشل الإرهابيون في تحقيقه ضد أرض سوريا وشعبها.

وبعد اغتيال الصحافية العربية بدم بارد وبجريمة مخطّطة ومدروسة، وبعد كل الأكاذيب التي سوّقها الإعلام الغربي عن وجود اشتباكات في مكان الاغتيال، حيث لم تكن هناك أي اشتباكات على الإطلاق، بعد كل هذا يعمل العدو ذاته، ومن خلال صفحات مزوّرة، على إلقاء آخر ما لديه من أسهم، ألا وهو الفتنة الطائفية، بأنه لا يجوز الترحّم على شيرين بدعوى أنها مسيحية، وهذا واضح أنها دعوة موسادية صهيونية لا تمتّ إلى إسلامنا ولا إلى مسيحيتنا بصلة.

فهو لا يعلم أن المسيحيين يشاطرون المسلمين رمضانهم وأعيادهم، وأن المسلمين يحتفون بأعياد الميلاد والفصح مع إخوانهم المسيحيين، وأن الصابئين والأيزيديين والآشوريين والكلدانيين وكل القوميات والأعراق وأتباع مختلف الأديان السماوية وغيرها قد عاشوا على هذه الأرض الطاهرة مجبولين بترابها وعاشقين لكل تفصيل من تفاصيل العيش عليها، ولا يفرّق بينهم دين أو عرق أو جذور، بل توحّد بينهم العروبة، لغة وثقافة وانتماءً، وطموحاتٍ ومصيراً مشتركاً.

إن هذه الدعوات السخيفة التي دعا إليها أناس مأجورون وأقلام مرتهنة للعدو الصهيوني وتخرصاته، تمثل اغتيالاً آخر للشهيدة، ولا علاقة لها بالعيش المشترك الجميل الذي تعبّر عنه كل أسرة على هذه الأرض، وأولاها أسرة الشهيدة شيرين أبو عاقلة التي وُلدت لأبوين مسيحيين وتعيش المحبة والوئام مع أخوين مسلمين. لا يمكن للعقل الصهيوني النازي العنصري أن يفهم معنى العيش المشترك ومعنى أن لا يعرف الملايين من العرب أن شيرين أبو عاقلة مسيحية.

وحتى لو عرفوا فإن هذا ليس في قائمة اهتماماتهم، لأن الحكم هو على الشخص وعلى مسيرته وعلى ما يقدّمه إلى إخوته في الإنسانية لا على الانتماء العنصري الطائفي الضيّق الذي تعمل الصهيونية جاهدة لبثّ سمومه في هذه المنطقة التي اختارها الرب لتكون مهبطاً للديانات السماوية الثلاث، حيث تعاون سكان هذه المنطقة على تطوير أفضل مهارات عرفتها الإنسانية في الزراعة والطب والثقافة والمعرفة.

لقد كان هدف الخراب الذي بثّوه في بلداننا تحت عنوان مُغرض ومشوّه أطلقوه، “الربيع العربي”، هو خلق هذه الفتنة الطائفية وإلغاء العيش المشترك وإحداث تغييرات ديموغرافية ما زالوا يحاولون إنجازها في العراق وسوريا بهدف تقسيم البلدان إلى طوائف وأعراق ومناطق ذات طابع مذهبي أو طائفي، كل هذا كي يخلقوا مبرراً لإنشاء دولة يهودية على أنقاض فلسطين العربية التي عاش فيها اليهود والمسلمون والمسيحيون متحابّين متآلفين، إلى أن بدأت العصابات الصهيونية بوضع مخططاتها الشريرة ومصادرة هذا العيش المشترك ومحاولة إلغائه واستبداله بنماذجها العنصرية النازية المتصهينة.

أياً كانت الأسماء المتصهينة التي تدّعي امتلاك مفاتيح الفردوس والقدرة على استبعاد المسيحيين أو أي طائفة أخرى من الفردوس الموعود، فإنها أسماء مرتهنة للعدو الصهيوني، ولا مبرّر لإضاعة الوقت في الجدل معها أو الردّ عليها، لأنها أسماء ومقولات تصبّ فقط في التغطية على جرائم العدو وسحب التركيز على بشاعة هذه الجرائم والتخفيف من وقعها على مستوى العالم.

العروبة هي المبدأ والأنموذج والثقافة الحاضنة لكل أبناء هذه المنطقة المباركة، ومهما فعلت الصهيونية وأذنابها فلن يستطيعوا أن يغطّوا شمس الحقيقة بغربال أكاذيبهم وعنصريتهم. ولنكن اليوم أكثر حسماً وعزماً من أي وقت مضى، فكل ما يخدم قضايانا وعروبتنا وعيشنا المشترك وإيماننا بالله الواحد الأحد من كل الأديان هو صحيح، وكل ما يروّج الفتنة والتفرقة هو خطأ، بل خيانة للأمة العربية.

قال تعالى في كتابه الكريم: “ورحمتي وسعت كل شيء”؛ رحم الله الشهيدة شيرين أبو عاقلة المقدسية العربية التي آمنت بالعروبة ديناً وبفلسطين أرضاً ووطناً ومستقبلاً لا يمكن المساومة عليه، وقضت وهي تناضل لتحقيق أهدافها السامية وأهداف كل الشرفاء العرب وإخوتها في الإنسانية.

ـــــــــــــــــــــــــ
بثينة شعبان