القول ان بريطانيا تحتفل انها خرجت من اليمن نكتة سامجة لقد اُخرجت بالقوة وخسرت بلدا كان مستعمرة حكمته بالنار.
قبل ثورة أكتوبر المجيدة كانت عدن قد تحولت إلى مقر للقيادية الاستعمارية البريطانية في بلدان الجزيرة والخليج العربي، والشرق الأوسط.
كما أمست عدن محطة ترانزيت لتزويد الاساطيل التجارية الانجليزية بالوقود، وكقاعدة عسكرية تؤمن حماية الطُرقات والممرات البحرية إلى مناطق الهند وشرق أفريقيا.
مطلع الستينيات كانت القوات الانجليزية المسلحة في عدن مزودة بأسلحة محرمة. خُزنت الأسلحة النووية في منطقة البريقة وفي العوالق وحضرموت ومكيراس والضالع وبيحان وجزيرة سقطرى ومضيق باب المندب، ومثلت عدن من بعد الحرب العالمية الثانية نقطة ارتكاز ورأس جسر عسكري لحلف الأطلسي للقيام بأعمال عدوانية ضد حركات التحرر الوطنية العربية والأفريقية.
كما أنشأ الانجليز في جزيرة كمران مطارات حربية إضافية الى المطار الرئيسي الواقع في خور مكسر القريبة من عدن، والى جانب عدن تمركزت الفرق الحربية البريطانية في مكيراس والضالع وبيحان ولحج وغيرها من المشيخات والسلطنات جنوب اليمن.
هذه الأطماع العسكرية السياسية الاقتصادية في عدن مازالت حاضرة في الذهنية الاستعمارية البريطانية، وهذه الأطماع هي الدافع الرئيسي لانخراطهم في العدوان على اليمن منذ مارس 2015م.
أرتبط الوجود الاستعماري بإفقار الشعب اليمني وحطم الاستعمار البريطاني الاقتصاد الطبيعي في المدينة والريف جنوب بلادنا وأصبحت المناطق الجنوبية اليمنية بمدنها وأريافها ، سوقاً مفتوحاً لمنتجات الشركات الاحتكارية الأجنبية ، كما قضت السلع البريطانية على ما كان موجوداً من الورش والصناعات الحرفية الوطنية، فأصبحت الأقمشة وكل الملبوسات والمفروشات والأدوات المنزلية تستورد من الخارج.
اقتصر اهتمام المُستعمرين على تطوير الجوانب الخدمية في مستعمرة عدن ، كالتسهيلات التجارية والمالية ، وعلى حساب نمو الصناعة والزراعة ، مما أوجد اقتصاداً طفيلاً مشوهاً، وكانت أوضاع الريف اليمني في جنوب الوطن أكثر رداءة وتخلفا في ظل الهيمنة البريطانية.
ودعم الاستعمار البريطاني العلاقات الاقطاعية المتخلفة التي شكلت حاجزاً أمام تطور القوى المُنتجة في الريف، كما أقام المستعمرون تحالفاً سياسياً مع السلاطين الاقطاعيين وذلك لأجل فرض الهيمنة والسيطرة الاستعمارية على كُل أجزاء البلاد.
قامت السيطرة البريطانية على أساس قمع الغالبية الشعبية وتقريب حفنة من المرتزقة المنفتعين من الاستعمار ، وكان في عدن رجل بوليس واحد لكُل 250مواطن من السُكان ، وفي الوقت نفسه في إنجلترا نفسها وجد بوليس واحد لكل 750 مواطن.
أعطيت قوت الاحتلال البريطانية من قبل الادارة الاستعمارية حق التعرض والتفتيش لأي مكان وحق الاعتقال والتحقيق مع أي شخص ومصادرة وثائقه ونزع اللوحات والأعلام ووضع أي منظمة جماهيرية تحت الرقابة.
بعد الحرب العالمية الثانية ومع صعود نضال حركات التحرر الوطنية في العالم، غيرت بريطانيا من استراتيجيتها فرق تسد إلى استراتيجية وحد تسد.
نفذت بريطانيا استراتيجيتها الجديدة من خلال لم شمل السلطنات والمشيخات العميلة في كيان سياسي واحد يكون قادراً على حماية مصالح الاستعمار ومواجهة النشاط الثوري الوطني اليمني. وهكذا ففي العام 1959م أعلن عن قيام ما سُمي “اتحاد إمارات الجنوب العربي”.
وأكدت نصوص الاتفاقية التي بموجها أُعلن قيام اتحاد امارات الجنوب العربي بأن من حق الانجليز توزيع قواتهم في أراضي الاتحاد وإقامة القbases العسكرية عليها واستخدام القوات المسلحة للاتحاد لحماية مصالح بريطانيا وقد رُبط جيش الاتحاد بوزرة الدفاع البريطانية.
كما اشترطت الاتفاقية استمرار سريان مفعول الاتفاقية السابقة بشان ما سميت باتفاقيات الصداقة والحماية بين انجلترا مع حكام الامارات والسلطنات.
ووفقا لهذه الاتفاقية فقد حصلت بريطانيا على حق التدخل في الشؤون الداخلية للاتحاد في حالة وجود اضطرابات أو ثورات.
في العام 1962 تم التوصل الى اتفاق يقضي بضم عدن الى عضوية الاتحاد ابتدأ من مارس 1963م. وهكذا فإن اتفاقية ضم عدن إلى اتحاد الجنوب العربي عزز سيطرة بريطانيا على عدن وجعل وجود القاعدة الحربية الانجليزية قانونيا.
ناضل ابناء عدن ضد قيام الاتحاد وضد الحاق عدن بالاتحاد مطالبين بمنح الاستقلال لعدن والمحميات الجنوبية اليمنية. وقوبلت التظاهرات والنضالات الجماهيرية اليمنية في عدن ضد المشاريع الاستعمارية الجديدة بالقمع.
يعرف المناضل عبد الله باذيب ثورة 14 أكتوبر على نحو دقيق قائلاً:
“ثورة 14 أكتوبر كانت نتيجة طبيعية لتطور حركة التحرر الوطنية في الجنوب اليمني، واستمراراً للنمو اللاحق للثورة في الشمال ، وجزء من الثورة العربية العامة الموجهة ضد الاستعمار والامبريلية والاستعمار الجديد. وإذا كانت مُطالبة الانجليز لأبناء ردفان بتسليم السلاح والخضوع لسلطة أمير الضالع العميل هي السبب المُباشر لانتفاضتهم ، فإن السبب الحقيقي يكمن في ظروف القهر والاستغلال الاستعماري وللطغيان السلاطيني، التي عاشها شعبنا في ظل الحكم البريطاني”.
احتضن شمال الوطن التحضيرات الأولى لثورة الـ 14 من أكتوبر.وفي مايو من العام 1963 جرت في شمال اليمن مفاوضات بين حركة القوميين العرب مع المنظمات السياسية السرية والعلنية من الجنوب اليمني.
أفضت المفاوضات إلى تشكيل الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل وأقرت الجبهة القومية انتهاج الكفاح المُسلح كأسلوب أساسي لطرد الاستعمار البريطاني من جنوب اليمن. ومثلت الصدامات العسكرية في ردفان بتاريخ 14 أكتوبر 1963م شرارة هذه الثورة المجيدة التي تكللت بالانتصار بعد ٥ سنوات من التضحيات في ٣٠ نوفمبر ١٩٦٧.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أنس القاضي
