المشهد اليمني الأول/

«العظيم الحق لا يخص طائفة من البشر ولا قوماً دون قوم». بهكذا عبارة يبتدئ الشاعر والأديب اللبناني جورج جرداق موسوعته الشهيرة «الإمام علي صوت العدالة الإنسانية»، كأنما يريد بها قطع الطريق أمام أي ذهنية متعصبة لهذا المذهب أو ذاك قد تقول: ما بال هذا «المسيحي» جاء يزاحمنا في «صاحبنا» ويتحدث عنه كما لو كان واحداً منا؟!

أو كأنه يريد أن يقول بأن الأمر إذا تعلق بالعظماء فلا طائفة ولا قومية ولا مذهب يمكن أن تستأثر بهم أو تحتكرهم لنفسها مهما حاولت؛ حيث إن هؤلاء قد غدوا ملكاً للإنسانية كلها، بشراً وأدياناً وقوميات وأيديولوجيات. وبالتالي حين يقف المرء أمام عظيم بحجم الإمام علي فإنه يقف أمام مجموعة من المثل والقيم لا يسعه إلا أن ينحني احتراماً وإجلالاً لها. فعلي بن أبي طالب كما يقول جرداق «من الأفذاذ النادرين الذين إذا عرفتهم على حقيقتهم عرفتَ أن محور عظمتهم إنما هو الإيمان المطلق بكرامة الإنسان وحبه المقدس في الحياة الحرة الشريفة، وبأن هذا الإنسان متطور أبداً، وبأن الجمود والتقهقر والتوقف عند حال من أحوال الماضي أو الحاضر ليست إلا نذير الموت ودليل الفناء».

سنحاول هنا استعراض نماذج من الأدباء المسيحيين اللبنانيين الذين انبهروا بشخصية الإمام علي عليه السلام، إلى حد فاق الإعجاب والتقدير إلى جعله أمثولة قل نظيرها في التاريخ: في الشجاعة، والبلاغة والعدالة والنبل والإنسانية وكرم الذات وكل المعاني السامية.

لا يخاصمه إلَّا جاهل

يقول الأديب الكبير جبران خليل جبران: «في عقيدتي أن ابن أبي طالب أول عربي لازم الروح الكلية وجاورها وسامرها، وهو أول عربي تناولت شفتاه صدى أغانيها فرددها على مسمع قوم لم يسمعوا مثلها من ذي قبل فتاهوا بين مناهج بلاغته وظلمات ماضيهم، فمن أعجب بها كان إعجابه موثوقاً بالفطرة، ومن خاصمه كان من أبناء الجاهلية.

مات علي بن أبي طالب شهيد عظمته. مات والصلاة بين شفتيه. مات وفي قلبه الشوق إلى ربه، ولم يعرف العرب حقيقة مقامه ومقداره حتى قام من جيرانهم الفرس أناس يدركون الفارق بين الجواهر والحصى. مات قبل أن يبلغ العالم رسالته كاملة وافية، غير أنني أتمثله مبتسما قبل أن يغمض عينيه عن هذه الأرض. مات شأن جميع الأنبياء الباصرين الذين يأتون إلى بلد ليس ببلدهم وإلى قوم ليسوا بقومهم، في زمن ليس بزمنهم، ولكن لربك شأنا في ذلك وهو أعلم».

القطب الوضَّاء

أما الأديب الكبير بولس سلامة، المعروف بملحمته الغديرية الشهيرة التي يقول فيها:
جلجل الحق في المسيحي حتى صار من فرط حبه علويا

فمعروف بهيامه وعشقه لعلي، وهو الذي يقول في ملحمته: «قد يقول قائل: ولِمَ آثرتَ عليّاً عليه السلام دون سواه من أصحاب محمّدٍ صلّى الله عليه وآله بهذه الملحمة؟! ولا أجيب على هذا السؤال إلاّ بكلمات، فالملحمة كلّها جواب عليه، وسترى في سياقها بعض عظمة الرجل .

لا يضاهيه كتاب في جوامع الكلم

ويقول في موضع آخر: «ويرسل إمام البلغاء الجملة فتأتي عامرة كإيمانه، متينة كأخلاقه، تتأملها فإذا هي حصن منيع للفكرة العالية، وتحاول أن تبدل شيئاً في جدار هذا العقل القوي كأن تضع حجراً في مقام آخر أو أن تقدم وتؤخر فلا تستطيع. وإن الواقف حيال هذا البناء الشامخ كالواقف أمام قلعة بعلبك، يحاول إدخال المسمار بين الصخرين العظيمين فيخفق.

ولا يحس روعة البناء مثل البنّاء الحاذق الذي تمرس بالفن وأدرك مطاويه ودقائقه. وكذلك هو المنشئ يدرك متانة السبك وروعة الديباجة عندما يحاول أن يأتي بمثلها فيفشل». وعن «نهج البلاغة» يقول: «لا يعدِلُهُ كتاب في الخطابة والجزالة، والفصاحة والحكمة البالغة وجوامع الكلم، كما أنه لا يضاهي الإمام علي إمام، فهو فارس الإسلام وقديسه وسيفه الباتر، وابن عم نبيه، وصهره ووصيه، وسيد القلم ووليه، وأميره وعليّه».

كما أنه ذكر الإمام علي (ع) في أكثر من قصيدة، منها بعض قوله في قصيدة «علي المهاجر»:
يا رمال الصحراء هذا علي
فاملئي الدرب والضفاف أزاهر
هو بعد النبي أشرف ظلٍّ
لاح في السبسب الحلي مهاجر

سيد العرب على الإطلاق

ومن الأدباء الكبار ميخائيل نعيمة، الذي يعد أحد الرواد الذين قادوا النهضة الفكرية والثقافية، والذي قال عن علي: «لا تسألني رأيي في الإمام كرم الله وجهه، ورأيي أنه بعد النبي سيد العرب على الإطلاق بلاغة، وحكمة، وتفهماً للدين، وتحمساً للحق، وتسامياً عن الدنيا. فأنا ما عرفت في كل من قرأت لهم من العرب رجلاً دانت له اللغة مثلما دانت لابن أبي طالب»، مادحا إياه:

«إن بطولات الإمام ما اقتصرت يوما على ميادين الحرب، فقد كان بطلا في صفاء بصيرته، وطهارة وجدانه، وسحر بيانه، وعمق إنسانيته، وحرارة إيمانه، وسمو دعته، ونصرته للمحروم والمظلوم من الحارم والظالم وتعبده للحق أينما تجلى له الحق. وهذه البطولات، ومهما تقادم بها العهد، لا تزال مقلعا غنيا نعود إليه اليوم وفي كل يوم كلما اشتد بنا الوجد إلى بناء حياة صالحة، فاضلة»، فاختصر بذلك نعيمة إعجابه بشخصية الإمام.

كما يقول في تقديم كتاب جورج جرداق «الإمام علي صوت العدالة الإنسانية»: «إنه (أي الكتاب) مكرس لحياة عظيم من عظماء البشرية، أنبتته أرض عربية، ولكنها ما استأثرت به، وفجر ينابيع مواهبه الإسلام، ولكنه ما كان للإسلام، وإلا فكيف لحياته الفذة أن تلهب روح كاتب مسيحي في لبنان، فيتصدى لها بالدرس، والتحليل، والتمحيص…؟!».

تعالت بك الأرض

وفي كتابه «في محراب علي»، جمع الشاعر الراحل خليل فرحات أجمل القصائد، عبر فيها عن علاقته الخاصة بعلي، ومما جاء في إحدى قصائده:
دللت على الرحمن هل كنت غيره؟
ففيك استوى الرحمـن بالفعل والفكـر
وفيـــــــك تجلت قدرة الله آية
كما شعشعت في الضوء خالصة الدر
وفيك رأى الوجدان معنى وجوده
وقيمة عيش المرء في مهمه العسر
تعالت بك الأرضون واشتد ظهرها
فلولاك هذي الأرض مقصومة الظهر

نبراس ومتراس

الأديب سليمان كتاني عند إصداره الكتاب الشهير «الإمام علي نبراس ومتراس»، كتب عن علي قائلاً: «بهذه المناجاة أحببت أن أقرع الباب في دخولي على علي بن أبي طالب، وأنا أشعر أن الدخول عليه ليس أقل حرمة من الولوج إلى المحراب. والحقيقة، أن بطولته هي التي كانت من النوع الفريد، وهي التي تقدر أن تقتلع ليس فقط بوابة حصن خيبر، بل حصون الجهل برمتها، إذ تتعاجف لياليها على عقل الإنسان».

نحيا بموته

وجاء في مقدمة كتاب «خطى الإمام علي» للأديب نصري سلهب: «علي (ع) من أولئك البشر الذين كتب عليهم أن يموتوا لتحيا بموتهم أمم وشعوب، وأعداء علي من أولئك النفر الذي آثروا الحياة على الموت فأماتوا بحياتهم كل إباء وشمم. ذكراه ليست ذكرى البطل الذي استشهد فخلد في ضمير الله، بقدر ما هي ذكرى الغادرين الذين غدروا فخلدوا في نار جهنم». ثم يقول: «حري بعلي وهو في الدنيا خلوده أن يبكينا لأننا من الساح فررنا وأخلينا الميدان لأعداء لنا يجولون فيه ويصولون بل يسرحون ويمرحون. كم نحن اليوم بحاجة لعلي».

أما الشاعر الكبير سعيد عقل في قصيدته الشهيرة في الإمام علي فيقول:
كلامي على رب الكلام هوى صعب
تهيبت إلا أنني السيف لم ينبُ
حببت علياً مذ حببت شمائلي
له اللغتان القول يشمخ والعضبُ
ومن لا يحب البيت، سيف عليّهِ
جميل، وذاك النهج كوثره عذب
كلام كما الأرباب في طيلسانها
ألا فلتداوله وترتعش الكتب

مفكر اجتماعي ثوري

ويقول المؤرخ والمحقق الفرنسي كاراديفو في كتابه «مفكرو الإسلام» (ص10):
«وعلي هو ذلك البطل الموجَعُ، المتألم، والفارس الصوفي، والإمام الشهيد، ذو الروح العميقة القرار التي يكمن في مطاويها سرّ العذاب الإلهي». فهو يرى في علي فارساً غالباً، ولكنه فارس صوفي، أي أن فروسيته نهلت من معين المعارف الإلهية حتى الارتواء، فهو لا يرفع سيفه النبيل ويهوي به إلا ليقتل شيطاناً من طواغيت الاستكبار المشرك والطبيعة الجاهلية البطرة، ليعز كلمة الله، ويجعل الناس يعيشون تحت ظلالها جنات الإخاء، والمحبة، وسلامة الصدور من الأحقاد، والبغضاء، والمفاسد التي اتخذ منها إبليس جنوداً ليحجب الإنسان عن ربه وإنسانيته… وعلي إمام رفعه إلى مقام الإمامة الأقدس كفاءته العلمية، والدينية، والأخلاقية، وسموه الروحاني.

ويرى كاراديفو أن علياً يحمل فكراً اجتماعياً ثورياً فاعلاً يرقى في تطوير المجتمع إلى تحقيق ما تحلم به الإنسانية من حياة فاضلة، كريمة، وأنه استشهد في سبيل ما كان يريد أن يجعله واقعاً حياً، لذلك فهو إمام شهيد، صاحب نفس وضيئة تختزن سراً إلهياً قدوسياً، هو سر قبول تحمل العذاب حتى الموت لإنقاذ الإنسان من الظلمات إلى النور.

أما الفيلسوف الإنكليزي كارليل، في كتابه «محمد المثل الأعلى»، فيقول (ص34): «أما علي فلا يسعنا إلا أن نحبه ونعشقه، فإنه فتى شريف القدر، عالي النفس، يفيض وجدانه رحمة وبراً، ويتلظى فؤاده نجدة وحماسة، وكان أشجع من ليث، ولكنها شجاعة ممزوجة برقة، ولطف، ورأفة، وحنان».

الفارس والفقيه والحكيم

وقد أصدر الشاعر جورج شكور ملحمة شعرية أسماها «ملحمة الإمام علي»، ذكر فيها تاريخ الإمام (ع) من ولادته إلى وفاته، ومما قاله:
شق الجدار المستجار وأحاط حرمتك الفخار
ولدتك في البيت الحرام وكان من شهدوا وحاروا
الله أكبر، يا علي ولدت، والتحم الجدار
ونظم الشاعر، ورئيس اتحاد الكتاب اللبنانيين سابقاً، غسان مطر، قصيدة رائعة بعنوان «علي الإمام»، جاء فيها:
مَنْ رَضِيٌّ يَهْفو إِلَيْهِ الأَنامُ
وَبَهِيٌّ بِهِ يُضيءُ الْكَلامُ
وَسَخِيٌّ تُرْخي السَّماءُ عَلى كَفَّيْهِ
نوراً فَتُشْرِقُ الأَيّامُ
مُفْرَدٌ في النُّهى يُحَكَّمُ في النّاسِ
فَتَأْتي مِنْ رَبِّهِ الأَحْكامُ؟
وَكَفى الطُّهْرَ أَنْ يُقالَ عَلِيٌّ
وَكَفى الدّينَ أَنْ يُقالَ الإِمامُ
ويقول الشاعر ريمون قسيس (من أدباء زحلة) في قصيدته «علي الفارس الفقيه الحكيم»:
بذي الفقار الذي لولاك ما كانا
يا فارس الساح كم أرديت فرسانا
وفي حنين وفي صفين أذهلهم
سيف أباد زرافات ووحدانا
سيف بكفك هل إلاّك يحمله
أنت العلي علي الله ما هانا

القرآن البشري

أما الشاعر والوزير السابق جوزيف الهاشم فقد اعتبر أن من يتعرف إلى شخصية الإمام علي استهوته، ومن استهوته أثرت فيه، ومن أثرت فيه اقتدى بها، ومن اقتدى بها أصلح نفسه، ومن أصلح نفسه تصالح مع الآخرين، وأن لعل الذين يجهلون الإمام أو يتجاهلونه يتهموننا ونحن نعظمه بالمغالاة أو بالإفراط العاطفي. كما انضم الهاشم إلى قافلة الشعراء ونظم قصائد عدة للإمام أحدها بعنوان «القرآن البشري» جاء فيها:
نعم العلي، ونعم الاسم واللقب
يا من به يشرئب الأصل والنسب
لا قبل، لا بعد، في بيت الحرام شدا
طفل، ولا اعتز إلا باسمه رجب
هو الإمام، فتى الإسلام توأمه
منذ الولادة، أين الشك والريب؟
تلقف الدين سباقا يؤرجه
صدر النبي، وبوح الوحي يكتسب
_________
صحيفة لا اليومية