المشهد اليمني الأول/

كانت المناظرة بين ترامب وبايدن “سيئة”، ولكنها طبعاً قدمت للجميع 90 دقيقة من “الترفيه” و”التسلية”، ربما يحتاجهما الأمريكيون والعالم بعد عام صعب من التدهور الاقتصادي وتفشي فيروس كورونا. فما هي أبرز لقطات المناظرة المثيرة للجدل وكيف تفاعل معها الأميركيون؟

ربما ندم مذيع “فوكس نيوز” كريس والاس على إدارته المناظرة الرئاسيّة الأولى بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائب الرئيس السابق جو بايدن. مناظرة انتظرها العالم، وليس فقط الأميركيين، بفارغ الصبر، فلم تكن أكثر من مجرد مشادات كلاميّة بين مرشحين جلّ ما يفعلانه هو كيل الشتائم والانتقادات لبعضهما البعض في خطاباتهما الانتخابيّة وعلى حساباتهما على مواقع التواصل الاجتماعي، منذ ترشحهما لانتخابات الرئاسيّة المرتقبة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

مناظرة، وصفتها صحيفة “نيويورك تايمز” بـ”المعركة القبيحة و “الفوضى”، واعتبرتها “واشنطن بوست” “أسوأ مناظرة في الذاكرة الأميركيّة الحيّة”. وكتبت الصحيفة: “لم يشاهد أحد على قيد الحياة مناظرة رئاسيّة مثل مهرجان الصراخ غير اللائق بين ترامب وبايدن. 90 دقيقة من الاحتجاج والمقاطعة والشتائم الشخصيّة. لقد كانت إهانة للجمهور أيضاً ومثالاً مؤسفاً على حالة الديمقراطيّة الأميركيّة قبل 5 أسابيع من الانتخابات”.

أمّا “وول ستريت جورنال”، فتوقعت أن يكون الأميركيون قد أطفأوا شاشاتهم من الدقيقة الـ30 للمناظرة، فالحدث برأيها كان عبارة عن “مشهد من الإهانات، المبالغات والأكاذيب الواضحة”، مشيرةً إلى أن فريق عملها كان ليتوقف عن مشاهدة المناظرة أيضاً “لو لم نكن نفعل ذلك من أجل لقمة العيش”.

كانت المناظرة “سيئة” بنظر عدد كبير من الأميركيين والصحافة الأميركيّة، ولكنها طبعاً قدمت للجميع 90 دقيقة من “الترفيه” و”التسلية”، ربما يحتاجهما العالم بعد عام صعب من التدهور الاقتصادي وتفشي فيروس كورونا. ضحك الأميركيون لـ90 دقيقة، معبرين عن كامل سخطهم وغضبهم وامتعاضهم واستغرابهم، لمستوى المناظرة، الذي ربما لم يكن مستغرباً للكثيرين بعد أشهر من شتائم متبادلة بين الطرفين.

سيدي الرئيس.. دعه يجيب!

ربما كانت عبارة “سيدي الرئيس”، هي أكثر عبارة استخدمها المسؤول عن إدارة المناظرة كريس والاس، محاولاً إدارة الفوضى في النقاش، والطلب من دونالد ترامب التوقف عن مقاطعة منافسه بايدن.

لم يكن غريباً محاولة والاس المتكررة مقاطعة ترامب عن الكلام، فالرئيس الأميركي أصر على التعليق والانتقاد عند كل إجابة لبايدن، لدرجة أنّ الأميركيين احتسبوا عدد المرات التي قاطع بها والاس ترامب وكانت 76 مرة، أمّا بايدن فقاطعه 15 مرة فقط.

الأمر وصل إلى حد المشابكة الصغيرة بينهما. قاطع ترامب مراراً سؤالاً حول سبب عدم إصداره لخطة رعاية صحيّة شاملة بأسعار معقولة، لتحل مكان “أوباما كير” الذي لطالما انتقدها الرئيس الأميركي. “إذا سمحت لي بطرح سؤالي يا سيدي”، قال والاس، بينما استمر ترامب بمقاطعته وهو يحاول طرح السؤال. رد ترامب متوجهاً إلى والاس: “أعتقد أنني في مناظرة معك أنت، ليس هو (يقصد بايدن)، لست متفاجئاً”.

ترامب، رد أيضاً على والاس بطريقة مختلفة بعد انتهاء المناظرة، ملخصاً إياّها بصورة نشرها على حسابه على “تويتر”، تظهره خصماً لبايدن ومذيع “فوكس نيوز” معاً، وليس فقط منافسه الديمقراطي للرئاسة.

Mr.President (السيد الرئيس) لم يبق مجرد مصطلح كرره والاس ربما مئات المرات خلال المناظرة، بل تحوّل إلى ترند على “تويتر” في الولايات المتحدة، حيث نشر الأميركيون تغريدات ساخرة من فكرة مقاطعة المرشح الجمهوري الدائمة لكلام بايدن ومحاولات مذيع “فوكس نيوز” البائسة لإيقافه.

وانتقد الكثيرون أيضاً أداء والاس خلال المناظرة، معتبرين أنّه فقد السيطرة على ترامب وبايدن، ولكنهم أشاروا في الوقت نفسه، إلى أنّه لا طريقة أخرى لإدارة نقاش فوضوي بين أكبر خصمين في تاريخ الولايات المتحدة، مقترحين أنّ يقوم بطرد المرشح الذي يقاطع الآخر في المناظرة المقبلة، ويقدم كل الوقت المتبقي منها إلى الخصم.

“هل تصمت يا رجل؟”

اشتهر ترامب بتنمره المعتاد على خصومه السياسيين، خاصة بايدن، الذي أطلق عليه نعوتاً مختلفة كـ”جو النائم”، “جو المجنون”، و”جو النعسان”. لكن بايدن واجه ترامب بشراسة هذه المرة وجهاً لوجه، سخر منه، انتقده، وأطلق عليه الكثير من النعوت التي تبرز غضبه.

بعد حوالي 20 دقيقة فقط من المناقشة، وخلال الحديث عن المحكمة العليا الأميركيّة، غضب بايدن من الرئيس الأميركي لمقاطعته المتكررة له، قائلاً: “هل تصمت يا رجل؟”. وعندما حاول والاس الانتقال إلى الموضوع التالي، قال بايدن ساخراً “كان هذا الجزء مثمراً حقاً، أليس كذلك؟ استمر في النباح يا رجل”.

وأثناء حديثه عن مستقبل الرعاية الصحيّة الشاملة، سأل بايدن “هل لديكم أي فكرة عما يفعله هذا المهرج؟ أقول لكم إنه لا يقدم أي مساعدة لأيّ شخص يحتاج إلى رعاية صحيّة”. نائب الرئيس السابق كرر وصف ترامب بـ”المهرج” مرة أخرى، مضيفاً: “من الصعب قول أي كلمة مع هذا المهرج. المعذرة، هذا الشخص”. لم ييأس ترامب، وحاول مرة أخرى الرد على الإهانة، لكن والاس رفض وقاطعه: “لا لا لا سيدي الرئيس!”.

“أنت أسوأ رئيس عرفته أمريكا على الإطلاق”

احتد النقاش كثيراً عند طرح مسألة الإقرارات الضريبيّة لترامب، حيث اتهم بايدن خصمه بأنه “أسوأ رئيس عرفته أميركا على الإطلاق”. المرشح الديمقراطي هاجم الرئيس الأميركي لاستغلاله قانون الضرائب وتعهده بإلغاء التخفيضات الضريبية بموجب قانون الضرائب الخاص به. تدخل ترامب سائلاً عن سبب عدم قيام بايدن بذلك بالفعل على مدار “25 عاماً الماضية كسيناتور”. وأضاف ترامب متوجهاً لمنافسه: “لقد فعلت في 47 شهراً أكثر مما فعلته أنت في 47 عاماً”.

بعد دقائق من هذا الجدال، نشطت حملة بايدن على السوشل ميديا بكثافة، وغرد المرشح الديمقراطي من حسابه، مكرراً العبارة نفسها: “دونالد ترامب هو أسوأ رئيس شهدناه على الإطلاق”.

العنصرية.. “نجم” المناظرة

وصف نائب الرئيس السابق، منافسه ترامب صراحةً خلال المناظرة بأنه “عنصري”. عبارة لفظها بايدن أخيراً وجهاً لوجه بعد تكرارها “افتراضياً” لشهور طويلة. خلال تبادل الآراء حول الخطوة الأخيرة للرئيس بإنهاء التدريب على الحساسيّة العرقيّة بين الوكالات الفيدراليّة.

علّق ترامب مبرراً الخطوة: “كنا ندفع للناس مئات الآلاف من الدولارات لتعليمهم أفكار سيئة للغاية، وبصراحة أفكار مريضة للغاية. كانوا يعلمون الناس أن بلدنا مكان مروع، وأنه مكان عنصري، وكانوا يعلمون الناس أن يكرهوا بلدنا ولن أسمح بحدوث ذلك”. لم يعجب بايدن تبرير ترامب أبداً، فأجابه مباشرة بالقول: “لا أحد يفعل ذلك. إنه أمر عنصري”.

استخدام السلاح، الميليشيات والتفوّق الأبيض. مواضيع أثارت المنافسَين خلال المناظرة. عندما طلب والاس من ترامب التنصل من “التفوّق الأبيض” خلال جزء المناظرة الذي يركز على العرق، سائلاً عمّا إذا كان سيحثّ الجماعات المتطرفة التي أشعلت العنف خلال الاحتجاجات على “الانسحاب”، أجاب ترامب: “بالتأكيد، أنا على استعداد للقيام بذلك”. فرد والاس مباشرة “إذاً افعلها يا سيدي”.

وطلب الرئيس الأميركي من والاس تسمية مجموعة معينة، فقال نائب الرئيس السابق بايدن “فريق Proud Boys” (جماعة يمينيّة متطرفة). ترامب لم يستنكر التطرف أبداً، بل تحوّل مباشرة للحديث عن “أنتيفا”، قائلاً: “Proud boys، Stand back and stand by (تنحوا جانباً وقفوا جانباً)، لكني سأخبركم، شخص ما يجب أن يفعل شيئاً بشأن أنتيفا واليسار، لأن هذه ليست مشكلة يمينيّة، إنها مشكلة يساريّة”.

“Stand back and stand by” التي قالها ترامب، لم تعد مجرد طلب في مناظرة، بل تحوّلت إلى شعار لمجموعة Proud boys التي نشطت على مواقع التواصل الاجتماعي مباشرة (تويتر وتلغرام) وردت على ترامب بالقول “Standing by sir”، محتفلةً بما قاله.

انتقد الأميركيون على السوشل ميديا سريعاً ما اعتبروه ترويجاً للتعصب والجماعات المسلحة والميليشيات، حتى أنّ بايدن أعاد تغريد إحدى التغريدات التي تبرز تفاخر Proud boys بما قاله ترامب، معلقاً: “هذه هي أميركا دونالد ترامب”.

لحظات ترامب الأكثر “عنصرية”

أطلق ترامب خلال المناظرة تسمية “بوكاهونتاس” على السيناتور الديمقراطيّة إليزابيث وورن مرة أخرى، بعد أن استخدم هذا النعت أكثر من مرة، ساخراً من ادعاءاتها بأنها من الأميركيين الأصليين. الرئيس الأميركي، المعروف منذ فترة طويلة باستخدام ألقاب مهينة بحق خصومه السياسيين، تساءل في المناظرة عمّا إذا كان بايدن سيفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لو لم تنسحب السناتور إليزابيث وورن. قال ترامب: “لو غادرت بوكاهونتاس السباق قبل يومين، لما كان بايدن على منصة المناظرة الآن”.

كما استمر ترامب بتسمية فيروس “كوفيد-19″ بـ”طاعون الصين” خلال المناظرة، مشيراً إلى ذلك مراراً وتكراراً، بعد أن أطلق عليه مصطلحي “فيروس الصين” و”فيروس ووهان”، سعياً منه من خلال إلقاء اللوم على الصين، بإبعاد التهم الموجهة إليه حول فشل استجابته لأزمة كورونا وأكثر من 200 ألف وفاة بالفيروس في الولايات المتحدة.

“بايدن يرتدي أكبر قناع رأيته في حياتي!

أظهر ترامب قناعه الواقي على خشبة المسرح لنفي الاتهامات التي تحدثت عن تشكيكه بفعاليّة الأقنعة في مواجهة كوفيد-19. الرئيس الأميركي أوضح أنه يرتديها “بشكل انتقائي”، مشيراً إلى أنه “لم يكن مضطراً لوضعها خلال المناظرة، لأن الناس خضعوا للفحص واتخذوا إجراءات السلامة المناسبة”. في الوقت نفسه، سخر ترامب من خصمه الديمقراطي: “أنا لا أرتدي قناعاً مثل بايدن. في كل مرة تراه، يكون مرتدياً قناعاً. يمكن أن يتحدث على بعد 200 قدم منك، وهو يرتدي أكبر قناع رأيته في حياتي”.

بايدن رد على سخرية ترامب بتحميله مسؤوليّة وفيات كورونا في الولايات المتحدة، مؤكداً أنّ “الأقنعة تحدث فرقاً كبيراً. إذا ارتدينا الأقنعة فقط من كانون الثاني/يناير إلى الآن، فربما كنا أنقذنا ما يصل إلى 100 ألف شخص”.

لكن ترامب امتعض من حماس بايدن للأقنعة، وقال إن الدكتور أنتوني فاوتشي “لا يتفق مع العلماء الذين روجوا للمعدات الواقية”. أخبار كاذبة، لأنّ فاوتشي كبير خبراء الأوبئة في الولايات المتحدة، روّج ودعم فكرة ارتداء الأقنعة أكثر من مرة.

وتخلل حديث ترامب العديد من الإدعاءات الكاذبة والمضللة، رصدتها الكثير من وسائل الإعلام الأميركيّة، ومنها توقعه قرب إيجاد لقاح لفيروس كورونا، بينما يؤكد كبار مستشاريه الصحيين عكس ذلك.

وأخيراً، لفت نظر الأميركيين أيضاً طريقة ترحيب المنافسَين بزوجاتهما بعد المناظرة. حضن بايدن زوجته بحرارة، بينما اكتفى ترامب بتحيّة بعيدة وابتسامة للسيدة الأولى ميلانيا، التي لطالما أثارت طبيعة علاقتها “المتوترة” الجدل في البلاد.

خيبة أمل كبيرة عاشها الأميركيون بعد المناظرة الأولى. ترامب أم بايدن؟ سؤال ربما أصبح من الصعب الإجابة عليه أكثر بعد المناظرة الأولى، التي وصفوها بـ”العار” و”الكارثة”، ساخرين من أنه لم يعد هناك داعٍ أن يبنى ترامب أيّ جدار بينه وبين البلاد الجارة للولايات المتحدة، ببساطة لأنّ “كندا والمكسيك ستعلنان بعد مشاهدة المناظرة أنهما بصدد بناء جدران خاصة بهم لإبعاد أنفسهم عن الجحيم”.