المشهد اليمني الأول/

تتعدّد وسائلُ وسُبُلُ الحرب الشاملة التي تُشَنُّ على اليمن من قبل النظام الصهيوأمريكي المهيمن على القرار الدولي، وَتوظَّفُ فيها كُـلُّ المسارات الممكنة والمتاحة، وبدون أدنى اعتبار لتبعات هذا التوظيف على أرواح الأبرياء، أَو على مستقبل السمعة الدولية.

نتيجةَ التجاوز الفاضح للقوانين والتشريعات الدولية وَقواعد الحرب التي سنّتها هذه المنظومة، كمعاهدات واتّفاقيات مدرجة في اللوائح والمواثيق الدولية الموقع عليها وَالمعترف بها مجلس الأمن وَالجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي في حقيقتها كشعارات فضفاضة تُرفع إما لتحسين الصورة المشوهة، أَو يتم توظيفها لشرعنة التحَرّكات الهادفة لقمع ونهب الشعوب الضعيفة والمستضعفة.

وكما بات معروفاً، فقد فرضت الحالة اليمنية الراهنة المتمثلة بالمقاومة العسكرية الملحمية والأُسطورية لهذه الحرب الهادفة، إعادة البلادِ إلى حظيرة الوصاية، إفشالاً لمعادلة التفوق العسكري الذي لطالما كان يفلح في نماذجَ مشابهة، الأمر الذي دفع هذه القوى إلى استدعاء كُـلِّ الخيارات الباقية؛ بهَدفِ تحقيقِ ما لم تنجحْ فيه الآلةُ العسكرية.

وكان المِلَفُّ الاقتصادي بجوانبه الإنسانية المتشعبة، أحد الخيارات الرئيسية البديلة التي تتملك مفاتيحها وَيمكن توظيفُها في جوانبَ وأبعادٍ عديدة، يتوقع أن يرتد رَجْــعُ صداها في مصلحة استهداف حالة التماسك البنيوي في جسد مشروع المقاومة الوطنية.

وبالتعريج على السيناريوهات الممكن للعدوِّ توظيفُها في هذا السياق، نأخذ مثلاً لما هو حادثٌ وَبشكل مركَّزٌ عليه، الأزمَة الخانقة في المشتقات النفطية في المناطق الحرة، هذه الأزمَة التي تصاعدت مؤخّراً بشكل كبير بالتزامن مع تصاعد الخيارات والانتصارات العسكرية الوطنية.

وبالإضافة إلى أن هذه الأزمَة كسابقاتها تمثّل حالةَ عقاب جماعي انتقامي لشعب أسقط شرعنته لنظام عميل وخائن، ثم منحها بالأغلبية لقيادته الوطنية والإيمانية الشجاعة، فإنَّ النتائجَ التي يرجوها العدوُّ من مثل هذه الأزمات تجفيف منابع الصمود العسكري بشريًّا وماديًّا ومعنويًّا، من خلال ضرب نفسية المجتمع المقاوم بعد أن تزداد معاناتُه تفاقماً في اتّجاهين:

الاتّجاهُ الأولُ يستهدفُ حالةَ الانسجام النفسي للمجتمع مع مشروع المقاومة؛ باعتبَاره مشروعاً مكلفاً وَمضنياً وَغيرَ محمود عواقبه، ويزيد من انسداد آفاق الحياة الاعتيادية للشعب، والثاني يستهدف ضربَ حالة الثقة بقيادة وَرجال هذا المشروع، إما؛ بسَببِ عدم قدرتهم على إيجاد بدائل وحلول لهذا الاستهداف.

أو لتحميلهم المسؤولية مباشرةً عن هذه الأزمَة وَاتّهامهم بالوقوف خلفها، وهذا ما دأبت عليه وسائلُ إعلام العدوان ومرتزِقتهم بحملات كثيفة ومنظمة، اختلقت أخباراً تحاولُ جرَّ الشارع إلى تقبل أن أزمة الوقود مفتعلة من قبل صنعاء، وبأن هناك كمياتٍ كبيرة من النفط متوفرة ويسيطر عليها نافذون يسترزقون من ظهور المواطنين الذين آووهم ونصروهم وما إلى ذلك من جرجرة لعواطف العامة، وَقبلها قد فعلوا مع أزمة انقطاع الرواتب وَالمساعدات الإنسانية وَالكثير من الأزمات الاقتصادية.

وحينما نوجّه الاتّهامَ مباشرةً للعدوان، لا يعني هذا منا تستراً أَو إعفاءً لأية مسؤولية تقصير أَو تجاوز، قد تزيد من معاناة المواطن وَتتحملها الجهات الحكومية الوطنية في إطار قدرتها وَاختصاصها، وَلم يعد أمامنا ككتاب رأي ومثقفين أيُّ عائق أَو مخاوف من مواجهة أيِّ عدوٍّ داخلي بعد أن واجهنا عدواناً كونياً علينا أشد سطوة ونفوذاً.

غيرَ أن ما نقرأه كُـلَّ يوم من مواقفَ وَتحَرّكاتٍ للمشروع المعادي وَما يرتكبُه من جرائمَ، وَما بين أيدينا من شواهدَ وَقناعاتٍ راكمتها سنواتُ الحرب الست، كافية وزيادة لأن نتبين ملامح العدوّ، وَنقرأ أجندته وأساليبه وَرهاناته، وهي رهانات فاشلة بكلِّ المقاييس اليمنية.

وَمثلما كانت الإرادَةُ الوطنية حاضرةً في الرهان العسكري أمام محاولات الدكدكة بمختلف أنواع الأسلحة وأحدثها جوًّا وبحراً وبرًّا على متارس وَمواقع المجاهدين وَمنازل وَتجمعات المواطنين وَمنشئاتهم الحيوية، فإن حالةَ الوعي الجمعي الغير مسبوقة في التاريخ اليمني المعاصر مثّلت حصناً حصيناً أمام محاولات دغدغة المشاعر وَتغيير القناعات لدى الشعب الرافد لهذه الجبهات.

بعد أن اتّضحت الصورةُ الحقيقية وبشاعة الجرم الذي ظهر عليه هذا العدوان ومن التحق بركبه، حَيثُ لم يعد الرأي العام المحلي يستسيغ الروايةَ الإعلاميةَ للعدو، وَلا يثق في مصداقيتها بعد ست سنوات من الفضائح الأخلاقية والمهنية التي انتهجها، وَالتضحيات الجسيمة التي قدّمها هذا الشعبُ لمواجهة عدوان همجي حاقد انكشفت أهدافُه وَمخطّطاته العابثة والخبيثة ومساعيه نحو التقسيم والضم للأرض، ناهيك عن ما يرافقُها من ممارسات إذلال وَتعامل مهين للإنسان اليمني، وَفي المقدمة على من التحقوا به من الخونة والعملاء والمغرر بهم.

صحيحٌ أنها مؤلمةٌ وغيرُ مرغوبة ولا مستساغة سياسة الحصار وَالأزمات الاقتصادية التي يصطنعها العدوُّ في سياق مساعيه للنيل منا، لكنها لن تكونَ أكثرَ ولا أطولَ إيلاماً مما لو استسلمنا وَسلّمنا له أرضَنا وَقرارَنا وَسلاحَنا وَرقابنا وَحاضر وَمستقبل أجيالنا، هذا ما لقننا التاريخ، وبه تحدّث وحذّر قائدُنا العَلَـم، وَتداعى لقوله الفصل كُـلُّ رجالِ وحرائرِ اليمن.

________
سند الصيادي