المشهد اليمني الأول/

تقترب السعودية يوماً بعد آخر من حظيرة التطبيع الأمريكية مع العدو الصهيونيّ، وبعد بضعة أيام على ما كشفه كيان الاحتلال عبر رئيس جهاز استخباراته، يوسي كوهين، حول أنّ إعلان التطبيع السعوديّ مع الكيان الغاصب بات وشيكاً وكشفت المملكة عبر وزير خارجيتها، فيصل بن فرحان، أنّ التطبيع مع تل أبيب “سيحدث بالفعل”.

جرح المنطقة

مراراً أشارت الرياض عبر مسؤولين عدة، إلى أنّه لا يمكن تحقيق سلام واستقرار دائمين في الشرق الأوسط إلا باتفاق الفلسطينيين والإسرائيليين، وإلا فلن يلتئم جرح هذه المنطقة وفق زعمها، لكن مسؤولي المملكة تناسوا أنّ اتفاقات الخيانة التي توقع برضاهم، هي التي ستعمق الجراح في المنطقة، وتنشر سرطان الاحتلال فيها وتودي بها إلى الهاوية.

كذلك، لم تتعلم السعودية من فشل الإمارات والبحرين في تبرير تحالفها مع العدو الصهيونيّ بذرائع واهية، والترويج بشكل فاشل لاختلاق إيجابيات لفعلتهما النكراء، وخاصة مع وجود رفض شعبيّ عارم داخل بلدانهم لتلك المسألة، حيث كرر وزير الخارجيّة السعوديّ، فيصل بن فرحان، المزاعم الإماراتيّة والبحرينيّة حول أنّ التطبيع سيكون ثمناً لوقف مشاريع ضم الأراضي الفلسطينيّة، والمساعدة على تمهيد الطريق للعودة المحتملة للإسرائيليين والفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات، وفق ادّعائه.

وبما أنّ تطبيع العلاقات بين بعض الدول الإسلاميّة والعدو الغاصب يحتاج إلى فتوى شرعيّة، فإنّ مملكة آل سعود، حاولت شرعنة جريمة التطبيع من خلال رجال دينها الوهابيين، حيث أشار مفتي السعودية السابق وعضو هيئة كبار العلماء في البلاد، عبد العزيز بن باز، قبل مدة – إلى شرعية تكوين علاقات مع الصهاينة، مبرراً ذلك بأنّ كل دولة تنظر في مصلحتها وإذا ما رأت دولة ما ممثلة في حاكمها، أنّ مصلحة المسلمين في الصلح مع الصهاينة وتبادل السفراء والتعاون التجاريّ والمعاملات الأخرى التي يجيزها الشرع، فلا بأس في ذلك.

وعلى الرغم من أن القادة السياسيين في السعودية هم اليد الطولى في البلاد، إلا أنهم بحاجة إلى الفتاوى الوهابيّة لخلق الشرعيّة لأفعالهم الإجراميّة، في الوقت الذي تفرض فيه السعودية – بدعم من المؤسسة الدينيّة الوهابيّة – “طاعة ولي الأمر” بشكل مطلق وتجرم “الخارجين عن الطاعة” وقد تصل عقوبتهم إلى الإعدام، حيث أوجدوا أرضية مشتركة واضحة بين السياسة من جهة، والتطبيع القائم على الفتاوى الوهابية الدينيّة من جهة أخرى.

تطبيع حتمي

كان الموقف السعوديّ الرسميّ واضحاً تجاه موجة الخيانة الخليجيّة التي لم تبدأ بالتأكيد دون موافقة الرياض، فمنذ تصريحات رئيس استخبارات النظام السعوديّ السابق، بندر بن سلطان، قبل أسابيع، وهجومه الحاد على موقف القيادات الفلسطينيّة من اتفاق الاستسلام الخليجيّ، واعتباره أنّ القضيّة الفلسطينيّة قضية عادلة لكن المدافعين عنا “فاشلون”، وأنّ القيادة الفلسطينيّة تدفع ثمن مراهنتها على الطرف الخاسر، حيث كثرت التنبؤات باقتراب دخول الرياض إلى حظيرة واشنطن للتطبيع، مستندين على استجابة الرياض لطلب الإمارات بالسماح للرحلات القادمة من الأراضي المحتلة الواقعة تحت سلطة العدو الصهيونيّ بعبور أجوائها.

وعزز الاجتماع السريّ بين ولي العهد السعوديّ، محمد بن سلمان، ووفد إسرائيليّ على متن يخته في البحر الأحمر، بمرافقة رئيس الاستخبارات السعوديّة، تلك التنبؤات رغم تأكيدات الرياض المتكررة بأنّها لن تتبع نهج البحرين والإمارات في التطبيع مع الكيان الصهيونيّ، من دون حل للقضيّة الفلسطينيّة.

وعلى هذا الأساس، صحت تصريحات الرئيس الأمريكيّ، دونالد ترامب، الذي أشار في أوقات مختلفة، إلى أنّ السعودية موافقة على إبرام اتفاق مماثل للاتفاق الموقع بين تل أبيب و أبوظبي والمنامة، وسيكون بمثابة أكبر خيانة للقضيّة الفلسطينيّة.

ووفق صحيفة “21 نيوز” العبريّة، فإنّ إعلان الرياض عن تطبيع علاقاتها مع تل أبيب، قد يخرج على الفور بعد الانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة، في الوقت الذي أشارت فيه صحيفة “جيروزاليم بوست” العبريّة، إلى أنّه في حال فوز دونالد ترامب بمنصب الرئاسة، فقد يكون إعلان تطبيع العلاقات بشكل فوريّ في الغالب، في تسريبات سريّة، نقلاً عن رئيس استخبارات العدو.

في النهاية، بات إعلان الخيانة السعوديّة “المُشرعن وهابيّاً” قاب قوسين أو أدنى، لأنّ المسؤولين السعوديين (باعترافهم) يرغبون في التطبيع مع العدو الصهيونيّ، لكنهم ينتظرون نتائج الانتخابات الأمريكيّة لكي يحددوا جدولاً زمنيّاً لخيانتهم، حيث أنّ الرياض لا تريد خسارة ورقة التطبيع مع ترامب في حال فاز منافسه جو بايدن.

من جاب آخر نشر موقع “ميدل إيست آي” البريطاني مقالا للأكاديمية السعودية المعارضة، مضاوي الرشيد، سلطت فيه الضوء على مزاعم أطلقها الملياردير الإسرائيلي الأميركي “حاييم سابان”، بأن ولي عهد المملكة، محمد بن سلمان، متردد في المسارعة بالتطبيع مع “إسرائيل” بسبب خوفه من التعرض للقتل.

وشددت الرشيد على أن مخاوف ابن سلمان نابعة من داخل القصر، وليس من أبناء شعبه أو دول مجاورة، مشيرة في هذا السياق إلى أن تاريخ العائلة الحاكمة في السعودية حافل بصراعات تؤججها اعتداءات على مساحات النفوذ والتقاليد المتوارثة.

أما بخصوص التطبيع، فقالت الأكاديمية المقيمة في بريطانيا، إن القضية الفلسطينية لم تكن مطروحة على طاولة الخلافات الداخلية بين أفراد العائلة المالكة، لكن ما لا يقوله ابن سلمان هو أنه قد أجج الغضب ضده داخل القصر.

ولا يعد إقدام الرياض على إعلان التطبيع أمرا في غاية الأهمية، فابن سلمان، بحسب الكاتبة، يقوم بما هو أكبر من ذلك لصالح الاحتلال من خارج قطار التطبيع.

وأوضحت أن ابن سلمان، باستخدام نفوذ بلاده و”الوعد بجوائز مالية”، يقوم بجلب المزيد من البلدان العربية إلى معسكر التطبيع.