المشهد اليمني الأول

لم تبقَ إلا ثمانية أيّام من عُمر الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، وربّما تكون هذه الأيّام الثمانية هي الأخطر في تاريخ أمريكا القصير (حواليّ 300 عام)، فالأمر المُؤكّد أنّ الرجل لن يستقيل، كما أنّ إجراءات مُحاكمته في الكونغرس التي ستبدأ غدًا الأربعاء قد لا تنتهي بعَزلِه، ليس لضيق الوقت، وإنّما أيضًا لدعم غالبيّة النوّاب والشيوخ الجُمهوريّين له، وعلى رأسهم نائبه مايك بنس خوفًا من تَبِعات هذه الخُطوة.

لا أحد يملك بلّورة سحريّة يُمكن أن تُمكّنه من التنبّؤ بطبيعة الخطوات التي يُمكن أن يُقدم عليها ترامب وأنصاره، ومن تبقّى من المسؤولين حوله في أيّامه الأخيرة، ولكن هُناك أربعة تطوّرات رئيسيّة وقعت في اليومين الماضيين يُمكن من خِلال تأمّلها بعُمق مُحاولة رسم صورة تقريبيّة للمشهد المُتوقّع:

الأوّل

تسريب مكتب التّحقيقات الفيدرالي الأمريكي مُحتوى تقرير أمني داخلي للإعلام يتضمّن معلومات جمعها عُملائه تُؤكّد أنّ هُناك تَحرُّكًا مُسلّحًا تُنظّمه جماعة مُتطرّفة مُوالية لترامب لاقتِحام مباني الحُكومات والمؤسّسات الرسميّة المحليّة في حواليّ 50 ولاية في حال تمّ عزل الرئيس أو تجريده من سُلطاته.

الثاني

توجيه مايك بومبيو وزير الخارجيّة أمس اتّهامًا مُفاجئًا لإيران بدعمها لتنظيم “القاعدة” وتقديم ملاذ آمِن لقادته مِثل أبو محمد المصري “الرجل الثاني” في التنظيم الذي اغتالته مجموعة تابعة لجهاز “الموساد” الإسرائيلي على الأرضي الإيرانيّة قبل بضعة أشهر، وقال بومبيو إنّ ادّعاءاته هذه تستند إلى معلوماتٍ للمُخابرات الأمريكيّة جرى نزع السّريّة عنها.

الثالث

اتّصال السيّدة نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النوّاب الأمريكي، يوم الجمعة بالجِنرال مارك ميلي رئيس هيئة أركان جُيوش أمريكا ودعوته لمُقاومة الضّغوط من قبل ترامب لاستِخدام القوّات المُسلّحة للقِيام بأيّ مُغامرات عسكريّة ضِدّ “الأعداء” في تلميحٍ المقصود به إيران.

الرابع

لقاء “المُصالحة” بين ترامب وبنس في البيت الأبيض واتّفاقهما على مُواصلة عَملهُما “في سبيل مصلحة أمريكا حتى نهاية ولايتهما” دون أيّ تحديد لهذه النّهاية.

من خِلال تَفَحُّص هذه التطوّرات الأربعة، في ظِل ما تشهده السّاحة الأمريكيّة حاليًّا من قلقٍ وتوتّر وانقِسامات داخليّة، وبالقِياس إلى شخصيّة ترامب وما تتّسم به من غطرسة وتَهوّر يُمكن توقّع سيناريوهين مُحتملين لعرقلة، أو التّشويش، على “مهرجان” نقل السّلطة في 20 كانون ثاني (يناير) الحالي في البيت الأبيض، أو حتّى منع إقامته من الأساس:

السّيناريو الأوّل

نُزول أنصار ترامب، أو مُعظمهم، الذين يبلغ تعدادهم 74 مليونًا، وينخرطون في حزبه المُستقبلي “أمريكا أوّلًا” الذي يُمكن أن يكون البديل المُحتَمل للحزب الجمهوري، نُزول هؤلاء بسِلاحهم، وعتادهم العسكريّ الثّقيل، لاحتِلال المباني الحُكوميّة في مُعظم، أو جميع الولايات، الأمر الذي سيُؤدِّي إلى صداماتٍ دمويّةٍ مع أنصار الرئيس الفائز جو بايدن، ومُعظم المُعادين للعُنصريّة و”الديكتاتوريّة البيضاء” التي يرفع شِعارها بايدن ويُحَرِّض عليها، مثلما يُحَذِّر مكتب التّحقيقات الفيدرالي ويتَوقّع.

السّيناريو الثّاني

استخدام ذريعة دعم إيران تنظيم “القاعدة” وتوفير المَلاذ الآمِن لقياداته التي طرحها بومبيو فجأةً، إلى جانب ذرائع أُخرى كثيرة لشن هُجوم عليها، وإعلان حالة الطّوارئ في البِلاد ممّا يعني تعطيل مراسم نقل السّلطة في الموعد المُقَرَّر، وتعميق الانقِسامات وحالة الفوضى فيها.

إعلان الرئيس ترامب حالة الطّوارئ في واشنطن أمس قد يكون من أجل تحقيق أهداف لها عدّة أوجه وتفسيرات بعضها مُعلَن وأخرى سريّة مُستترة، فنُزول 15 ألف جُنديًّا من الحرس الوطني والجيش إلى شوارع وميادين العاصمة قد لا يكون لتأمين الاحتِفال بنقل السّلطة من ترامب إلى بايدن، وإنّما لتأمين سلامة ترامب أيضًا في حال اندِلاع المُواجهات الدمويّة المُسلّحة بين المُحتجّين ومُعارضيهم، وربّما كمُقدّمة لتوسيع حالة الطّوارئ هذه لتشمل الولايات الخمسين الأُخرى، في حال الإقدام على أيّ هُجوم على إيران ومُنشآتها النوويّة وبُناها التحتيّة، فحاملات الطّائرات والغوّاصات النوويّة وطائرات “B52” القاذفة العِملاقة ما زالت جميعًا تُرابِط في مِياه الخليج وأجوائه وفي حالةِ تَأهُّبٍ.

عندما يطير اليوم ترامب إلى ولاية تكساس أحد أبرز عواصم العُنصريّة الفاشيّة البيضاء، وزيارة الحائط العُنصري على الحُدود المكسيكيّة الأمريكيّة الذي أقامه لمنع تَسَلُّل المُهاجرين وبتكلفة 5.7 مِليار دولار، ويعتبره من أبرز إنجازاته فإنّ هذه الخطوة الاحتِفاليّة المقصودة بعنايةٍ، لا تَعكِس أيّ نوايا بعَزْمِه مُغادرة السّلطة بطَريقةٍ سَلِسَةٍ وِفقًا لأحكام الدّستور.

فمثلما استخدم العُنصريّون في بريطانيا فزّاعة الهجرة وتَدَفُّق المُهاجرين للخُروج من الاتُحاد الأوروبي (البريكست)، وتحشيد أنصارهم خلفها بكميّاتٍ هائلةٍ من الكذب والتّضليل، يستخدم ترامب الأُسلوب نفسه للتّرهيب والتّخويف وللبقاء في السّلطة وعدم الاعتِراف بالهزيمة بالتّالي.

يعيش العالم أيّامًا ثمانية مصيريّة، وتاريخيّة، بكُل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، ولا نَستَبعِد دورًا إسرائيليًّا في سيناريو الهُجوم على إيران بعد أن حصل نِتنياهو على مُكافآة التّطبيع، والتّحالف السّعودي الإماراتي الذي يخوض الحرب في اليمن على هديّة تجريم حركة “أنصار الله” الحوثيّة ووضعها على قائمة الإرهاب في الدّقيقة قبل الأخيرة من ولاية ترامب.. واللُه أعلم.

عبدالباري عطوان/ رأي اليوم