المشهد اليمني الأول

بعد إغلاق قناة السويس أواخر شهر آذار الماضي، ظهر إلى الواجهة بوضوح الطريق البحري الشمالي الممتد على طول الساحل الشمالي لروسيا بوصفه أحد الخيارات الأكثر جاذبية لنقل البضائع من آسيا إلى أوروبا. ذلك أن ذوبان الأنهار الجليدية في القطب الشمالي يجعل هذا الطريق أكثر جاذبية، لأن كاسحات الجليد باتت تستطيع الآن ضمان الملاحة على مدار السنة، وعلى امتداد هذا الطريق بأكمله.

تجتذب هذه الحقيقة اهتمام الولايات المتحدة وكندا ودول الشمال الأوروبي، فضلاً عن عددٍ متزايد من اللاعبين الآسيويين، مما يُحوّل الطريق البحري الشمالي إلى منافسٍ رئيس لقناة السويس. وفوق ذلك، فإن هذا الطريق البديل يمكن أن يجعل نقل السلع أسرع وأرخص في آن معاً.

فوسطياً، يمكن لسفينة شحن الوصول إلى روتردام (غرب هولندا) بعد مغادرتها الموانئ الشمالية للصين ومرورها بقناة السويس في غضون 48 يوماً، لكن ناقلة الغاز الطبيعي المسال الروسية «كريستوف دي مار غيري» تمكنت من الوصول إلى كوريا الجنوبية بعد مغادرتها النرويج في غضون 15 يوماً فقط، وهو أسرع بثلاث مرات.

مقترح صيني لروسيا

لدى الصين مصلحة حقيقية في الاستفادة من القدرات المحتملة لطريق البحر الشمالي الذي أعلن عنه لأول مرة في عام 2009، حيث تنظر إلى الطريق باعتباره بديلاً قابلاً للتطبيق لطريق الحرير البحري عبر المحيط الهندي (وهو الطريق الذي لا تزال تتحكم واشنطن في عددٍ من نقاط التوتر على امتداده).

في عام 2013، اختبرت كاسحة الجليد الوحيدة في الصين «سنو دراغون» الطريق البحري الشمالي من خلال السفر من مورمانسك في روسيا إلى شنغهاي الصينية. والآن تبذل بكين الجهد لتطوير ما أطلقت عليه تسمية «طريق الحرير القطبي»، حيث تبني أسطولاً من السفن القادرة على تكسير الجليد، وتطلب ناقلات جليدية وكاسحة جليد جديدة ستبنيها كوريا الجنوبية.

ومن أجل المشاركة بنشاط أكبر في تطوير العمل على الطريق البحري الشمالي، نصحت الصين روسيا بإنشاء «Ocean Development Bank – مصرف تنمية المحيطات» يُموّل المشاريع الاقتصادية والعلمية المشتركة في القطب الشمالي. وفي الوقت الراهن، حددت الصين بالفعل البنى التي يجب إشراكها في تنفيذ هذا المشروع: شركة «داليان» للنقل البحري إلى جانب جامعة «هاربين» الهندسية، حيث تتلقى الأخيرة منحة ضخمة من شأنها أن تسهل دراستها للقطب الشمالي.

ورغم أن الصين ليس لديها أية أراضٍ في القطب الشمالي، إلا أنها أعلنت نيتها العمل مع دول القطب الشمالي لجعل عملية إنشاء ممر اقتصادي بحري بين الصين وأوروبا عبر المحيط المتجمد الشمالي أمراً ممكناً. ومن خلال تشجيع الشركات الصينية التي تشارك في تطوير البنية الأساسية اللازمة لجعل هذا الطريق قابلاً للحياة، بدأت بكين أيضاً في الاهتمام بمسائل سلامة الملاحة في هذه المنطقة بشكل خاص، وبالتعاون مع دول القطب الشمالي، تعتزم تسهيل إنتاج النفط والغاز والموارد المعدنية في المنطقة عبر تعزيز الابتكار التكنولوجي، مع إيلاء اهتمام موازٍ لمجالات صيد الأسماك والسياحة، والشريك الرئيس للصين على هذا المسار هو، بطبيعة الحال، روسيا، التي تعمل بنشاط على تطوير الطريق.

لكن الموازين واضحة

بالإضافة إلى الإمكانات الكبيرة للطريق البحري الشمالي، لا يزال أمام هذا الطريق الكثير ليقدمه للبشرية، لأنه يحتفظ باحتياطيات غير مستكشفة وبكميات هائلة من المعادن المخبأة تحت الجليد الذائب، وتحتفظ الاحتياطيات المكتشفة في القطب الشمالي وحدها، وفقاً للأمم المتحدة، بأكثر من 100 مليار طن من النفط وأكثر من 50 تريليون متر مكعب من الغاز. وتعود معظم هذه الكميات وفقاً للقانون الدولي إلى روسيا، الأمر الذي يجعل واشنطن تشعر بالغيرة والتوتر على نحو متزايد.

لذلك كله انشغلت الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة بمواصلة محاولاتها لتخويف بقية العالم، عبر نشر مزاعم لا أساس لها من الصحة حول روسيا والصين. ولا يُوفّر البنتاغون فرصة «للتعبير عن قلقه» من أن القواعد والأسلحة الروسية الجديدة يمكن أن تستخدمها موسكو ليس فقط لحماية حدودها السيادية بل لبسط سيطرتها الفعلية على جميع مناطق القطب الشمالي.

وبالنظر إلى أن خمس من دول القطب الشمالي الثماني أعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بالتزامن مع محاولة جر دولتين أخريين، السويد وفنلندا إلى الحلف، فإن خطر وقوع اشتباكات عسكرية في المنطقة آخذ في الازدياد. لكن موازين القوى واضحة، حيث تعترف الولايات المتحدة نفسها اليوم أنه ليس لديها أسطول كاسحات جليد تحت تصرفها، في حين أن روسيا لديها ما مجموعه 53 كاسحة جليد من فئات مختلفة، مع ست سفن أخرى على وشك الإنجاز واثنتي عشرة سفينة أخرى قيد الإعداد، مع عدد منها (غير مكشوف حتى الآن) تنتمي إلى فئة الثقل الفائق.

تحت تأثير هذا الواقع، انخرطت الولايات المتحدة وحلفاؤها في حلف شمال الأطلسي مؤخراً بنشاط في عسكرة القطب الشمالي. وخلال العام الماضي وحده، كما ذكر رئيس العمليات البحرية الأمريكية، مايكل جيلداي، أنجز البنتاغون 24 تمريناً وعملية في القطب الشمالي ويعتزم إطلاق مناورات وعمليات جديدة. وعلى سبيل المثال: أُجريت في الشتاء الماضي مناورات مشتركة بين القوات الأمريكية والكندية أطلق عليها اسم «حافة القطب الشمالي 2020»،

وكان الغرض المعلن من هذه المناورات هو تحديد قدرة القوات المسلحة على القيام بعمليات في ظروف مناخية شديدة البرودة. وفي العام الماضي، أجرت دول حلف شمال الأطلسي في النرويج مناورات واسعة النطاق أطلق عليها اسم «الاستجابة الباردة»، وكان الغرض من هذه الأخيرة مرة أخرى هو ممارسة عمليات قتالية عالية الكثافة في ظروف الشتاء القاسية، فضلاً عن اختبار الإمكانات الكبيرة للقوات البرمائية.

 

 

واشنطن
واشنطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سعد خطار

المقالة السابقةالعقوبات الأمريكية تُفرض، لكن لا تُرفع
المقالة التالية«إسرائيل» تنهزم ومباحثات الاتفاق النووي الإيراني تسير في الطريق الصحيح