المشهد اليمني الأول/

 

قرار كنّا لا نستبعد اتخاذه او اتخاذ ما يشبهه انقلب ترامب على قراره السابق الانسحاب من سورية، وقرّر ومن غير مقدّمات إبقاء ما يقول إنها مجموعة عسكرية مشكلة من 200 ضابط وجندي أميركي في سورية.

 

قرار يمكن تفسيره ببساطة كلية بأنه إجهاض لقرار الانسحاب الأميركي من سورية وبقاء عسكري أميركي في مهمة متطوّرة متجدّدة تكفي للقيام بها مجموعة من عسكريين بهذا الحجم المتواضع، فالأميركي يعلم أنّ قواته المنسحبة لم تكن أصلاً قوات جبهات وقتال، بل كانت قوات هيبة وسيطرة وخبرات وإدارة معارك الجيوش البديلة التي تتخذها أميركا أدوات لتنفيذ استراتيجية احتلال مقنّع تمارسه على جزء من الأراضي السورية.

 

فأميركا عبر بضعة آلاف من العسكريين الذين تنوي سحبهم مع إمكانية التراجع عن النية أيضاً ، كانت تدير معارك “داعش” و”جبهة النصرة” و”قسد” وسواهم من المجموعات المسلحة والإرهابية وتنسق مع “درع الفرات” و”غصن الزيتون” التي يشكلها الجيش التركي مع ما يُسمّى “الجيش السوري الحر” الذي أنشأته وتسلّحه وتقوده تركيا.

 

وبالتالي فإن وجود 2000 أو8000 أو200 عسكري في ميدان كالميدان السوري هو في المنظور العسكري الاستراتيجي يكاد يؤدي الغرض ذاته. وكما لم تكن القوات المنوي سحبها قوة قتال ميداني للمواجهة والسيطرة المباشرة على الأرض فإن قوة الـ 200 عسكري هي كذلك. فما الذي تغيّر وأملى على ترامب هذا التغيير والسلوك الخادع الذي جعله يبقي وجوداً عسكرياً أميركياً في سورية مع الادعاء أنه نفّذ الانسحاب؟

 

قبل أي شيء آخر نؤكد أن أميركا بإبقائها جنودها هؤلاء، يعني أنها لم تنسحب والتسمية العسكرية للقرار الأميركي هي أنها عملية “تخفيض القوات” وإعادة انتشار القوات المخفضة لتتلاءم مع المهام الجديدة مع الحرص على أمن القوى ونجاحها في هذه المهمات، وعلى ضوء الواقع والمعطيات نستطيع أن نقول بأن أميركا أو بعض مراكز القرار فيها لا زالوا حتى اللحظة يعملون وفقاً لـ “استراتيجية تقسيم سورية” و”تقطيع أوصال محور المقاومة”، خاصة قطع الاتصال بين شرقي المحور في إيران، وغربي المحور في سورية ولبنان، وإن فشلت الخطة فيعمل احتياطاً باستراتيجية “إطالة أمد الصراع” لمنع سورية ومحورها المقاوم وحليفتهم روسيا من استثمار الانتصار، وكذلك منع تفكك معسكر العدوان على سورية وتشتّت العداوات، فضلاً عن اتخاذ التدابير اللازمة لمنع الصدام بين تلك الأدوات.

 

ونرى أن جملة دوافع حملت ترامب لاتخاذ قراره هذا. أولها أنه يريد المحافظة على الورقة الكردية بيده وأن يقطع الطريق على المباحثات الكردية السورية التي كان يؤمل منها أن تفضي الى حل يريح الأكراد في طلباتهم المعقولة، ويستجيب للمصلحة السورية العليا بالوحدة والاستقلال والسيادة على كامل الأرض السورية المتمثلة بمنع تشكل أي ظاهرة تقسيمية أو انفصالية.

 

وكذلك فهو يريد أن يحول دون الاصطدام بين الأكراد والأتراك الذين كما يدعون، “يخشون على أمنهم القومي من الحالة الكردية” ويسعون الى “منطقة آمنة” تمكّنهم من إيواء 4 ملايين سوري نازح و50 ألف مسلح مما يسمى “الجيش الحر”، لتكون لهم مستقبلاً منطقة نفوذ ميداني وشعبي يؤثرون من خلالها على أي حل سياسي أو تركيبة سياسية للنظام في سورية.

 

ويريد مَن كان وراء هذا القرار هذا أيضاً، يريد من هذا الاستمرار العسكري الأميركي أن يصنع البيئة التي تشجّع الأوروبيين فرنسا وبريطانيا على إبقاء جنودهم الـ 750 فرنسياً و450 بريطانياً في سورية وتشجيع آخرين للانضمام إليهم، لتقديم المساعدة لأردوغان في إنشاء المنطقة الآمنة وطمأنة الأكراد في “إقليمهم الانفصالي”، وللإيحاء بأن الوجود الأطلسي في المنطقة هو عمل ينسجم مع مهام “الناتو” الدفاعية، ضد الإرهاب.

 

وعليه فإن الغاية الرئيسية لإبقاء منطقة شمالي الشرق السوري تحت سيطرة الناتو بقيادة أميركية الـ 200 عسكري يوفرون ظروف هذه القيادة العسكرية الميدانية هي الحؤول دون تقدّم الجيش العربي السوري لاستعادة المنطقة الى حضن الوطن ومنع تحريرها عسكرياً، كما أنه يعرقل المسعى التصالحي الذي يدفع إليه غالبية الأكراد للعودة إلى الدولة وأن هذا الاحتلال سيمكن أميركا أيضاً من الاحتفاظ ببحيرة النفط والغاز في المنطقة الشرقية ويعقّد التواصل بين أطراف محور المقاومة نلاحظ الإصرار على البقاء الأميركي في التنف ورفض تفكيك مخيم الركبان.

 

وبالتالي نرى أن من اتخذ القرار بالبقاء الأميركي يعتقد أن من شأن هذا القرار أن يعطّل مفاعيل المخاوف التي جرى الحديث عنها في صفوف أدوات أميركا ومأجوريها وتابعيها. المخاوف والمخاطر على وجودهم وعلى سياستهم التي كان سيحدثها قرار الانسحاب الأميركي الشامل. فهل تنجح الجهة الأميركية التي دفعت الى هذا الأمر؟ وهل تحقق أغراضها؟

 

من المفيد أن نذكر بأن سورية ومحور المقاومة وحلفاءهم الروس ومنذ بدء العدوان بقيادة أميركية لم يثقوا يوماً بأحد من معسكر العدوان خاصة أميركا وتركيا، ولم يتعاملوا مع أي وعد أو تعهّد أو اتفاق معهم على أنه نافذ أو سينفذ حتماً، وحتى ان قرار ترامب الأخير بقي موضع شك وريبة في تنفيذه وكان المسؤولون ورجال الفكر والاستراتيجيا في معسكر الدفاع عن سورية يستعملون كلمة “إذا” في حديثهم عن تنفيذ ترامب وعده وقراره بالانسحاب أو في حديثهم عن تنفيذ أردوغان تعهداته في أستانة وسوتشي، فالـ “إذا” التشكيكية كانت السمة الرئيسية للتعامل مع مواقف هؤلاء. وبالتالي فإن الانقلاب أو التراجع أو النكول لم يفاجئ معسكر الدفاع عن سورية، إنما يحفزه على ان يضع موضع التنفيذ الخطط التي كان أعدّها لاستكمال استعادة ما تبقى من الأرض السورية نظيفة مطهّرة من الاحتلال والإرهاب الذي يرعاه.

 

وعليه سيكون منطقياً بعد القرار الأميركي أن يسقط ما كنا تحدّثنا عنه من “تنازع الأولويات في التحرير” بين إدلب وشرق الفرات فيما لو نفّذت أميركا انسحابها وأن تتقدم مسألة تحرير إدلب على المسألة الأخرى، وسيكون منطقياً النظر الى التركي أردوغان بأنه مستمرّ في التسويف وتنفيذ السياسة الأميركية بالدقة التي وصفه فيها الرئيس بشار الأسد في خطابه الأخير بأنه “أجير” لدى أميركا، ما يعني عدم التعويل على أي دور يلعبه في تحرير إدلب، وسيكون منطقياً أن يخفف الروسي والإيراني من الآمال المعقودة على تركيا في سورية، وفقاً لتفاهمات وقرارات سوتشي وأستانة، ما يعني أن ما قيل عن مهلة الثلاثة أشهر لانطلاق معركة إدلب قد يُعاد النظر فيها الآن ولن يكون ضرورياً استهلاك كامل المهلة قبل الانطلاق، وسيكون مهماً الاهتمام بحالة المقاومة السورية التي سبق وتشكّلت بذورها في شرق الفرات ضد المحتل الأطلسي بقيادة أميركية ودعم إرهابي.

 

أمين حطيط – شام تايمز