ذات صلة

الأكثر مشاهدة

هل يجرؤ “سمو” ولي العهد؟!

وكالة رويتر: «محمد بن سلمان» يطلب من «أحمد الشرع»...

رسائل السيد القائد للدول “المتورطة”

من منطلق أخلاقي وإيماني راسخ، جاءت كلمة السيد القائد...

حرب الإبادة تطحن السودان في عامها الثالث: أكثر من 14 مليون مهجَّر و21 مليوناً في فخّ الجوع تحت نار الدعم السريع

بعد ما يقارب ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، يتجه السودان ليكون ساحة واحدة من أسرع الأزمات الإنسانية نمواً في العالم، في مشهد تتداخل فيه الآلة العسكرية مع حرب التجويع والتهجير المنهجي ضدّ المدنيين، وسط عجز دولي وفشل متكرر في وقف النزيف.

فبحسب أحدث بيانات الأمم المتحدة، يعيش ما لا يقل عن 21.2 مليون سوداني تحت وطأة انعدام حاد في الأمن الغذائي، أي ما يقارب 45% من إجمالي السكان، فيما تحوّل النزوح إلى ظاهرة جماعية شملت نحو 14 مليون شخص بين نازح ولاجئ، لتضع البلاد على حافة انهيار إنساني شامل يهدد وجود الدولة نفسها.

في الداخل، تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن السودان يواجه اليوم أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، مع تسجيل أكثر من 9.5 ملايين نازح موزعين على 10,929 موقعاً في 185 محلية تمتد عبر الولايات الثماني عشرة للبلاد، يتقدمها إقليم دارفور الذي استقبل وحده ملايين الفارين من جحيم المعارك. فقد لجأ نحو 1.84 مليون شخص إلى جنوب دارفور، و1.75 مليون إلى شمال دارفور، إضافة إلى نحو 978 ألفاً في وسط دارفور، بينما يشكل الأطفال أكثر من نصف النازحين (51%)، في دلالة على أن الحرب تستهدف مستقبل المجتمع السوداني قبل حاضره.

أما خارج الحدود، فقد اضطر نحو 4.34 ملايين شخص للفرار إلى دول الجوار، ليرتفع عدد المقتلعين من ديارهم إلى قرابة 14 مليون إنسان، أي ما يزيد على ربع سكان السودان البالغ عددهم نحو 51 مليون نسمة. وتتصدر مصر قائمة الدول المستقبِلة بنحو 1.5 مليون لاجئ، تليها جنوب السودان بحوالي 1.25 مليون، ثم تشاد بنحو 1.2 مليون، بينما يشكل السودانيون 70% من الفارين، مقابل 30% من جنسيات أخرى كانت تقيم في السودان قبل الحرب، ما يعكس حجم الانفجار الذي تجاوز الحدود الداخلية للدولة.

على جبهة التجويع، تشير تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الصادرة في سبتمبر/أيلول 2025 إلى أن 21.2 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من الجوع الحاد، بينهم 6.3 ملايين في المرحلة الرابعة (حالة طوارئ)، و375 ألفاً في المرحلة الخامسة (مرحلة المجاعة)، وهي أعلى درجات الخطر، حيث يترافق النقص الحاد في الغذاء مع سوء تغذية واسع النطاق وارتفاع معدلات الوفيات بسبب الجوع والمرض.

وتعيش مدينة الفاشر في شمال دارفور، ومدينة كادقلي في جنوب كردفان عملياً في حالة مجاعة فعلية، بينما تبدو الأوضاع في مدينة الدلنج القريبة لا تقل سوءاً، مع انقطاع طرق الإمداد وتفاقم نقص الغذاء يوماً بعد آخر.

وقد جاءت هذه الكارثة بعد أن سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول الماضي عقب حصار دام 18 شهراً استخدم فيه التجويع كسلاح حرب، قبل أن تُسجَّل مجازر وعمليات إعدام جماعي على أساس عِرقي وثقتها تقارير أممية وصور أقمار صناعية أظهرت بقع دماء واسعة وأماكن دفن جماعي، ما دفع مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى التحذير من جرائم قد ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.

وفي موازاة الحصار العسكري وحرب الغذاء، يشهد السودان انهياراً شبه كامل في القطاع الصحي. فلم يعد يعمل سوى أقل من 25% من المستشفيات، في وقت تتزايد فيه الحاجة الماسة إلى الرعاية الطبية نتيجة الجوع والأوبئة والإصابات الناجمة عن القصف والاشتباكات. وقد وثقت منظمة الصحة العالمية نحو 200 هجوم على منشآت ومرافق صحية وكوادر طبية، إلى جانب تدمير أو تضرر 20 سيارة إسعاف، ما حوّل العلاج إلى امتياز نادر لا يحصل عليه إلا القليل.

في هذا الفراغ الصحي، تفشّى وباء الكوليرا في أجزاء واسعة من البلاد، مسجلاً أكثر من 123 ألف إصابة مؤكدة وأكثر من 3,500 وفاة، في رقم يعكس أن القتل البطيء بالأوبئة لا يقل خطورة عن القتل المباشر بالسلاح. ومع كل يوم إضافي من الحرب، تتسع رقعة المرض والجوع والنزوح، بينما تزداد صعوبة إيصال المساعدات الإنسانية بفعل تقييد حركة المنظمات واستهداف الممرات الآمنة.

اندلعت المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل/نيسان 2023، لكن ما بدأ كصراع على السلطة والنفوذ في الخرطوم سرعان ما تحول إلى حرب شاملة تمزّق جسد السودان إلى جبهات متعددة، خاصة في دارفور وكردفان، حيث ارتبط اسم قوات الدعم السريع بـ انتهاكات واسعة النطاق تقول الأمم المتحدة إن بعضها قد يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.

وبالأرقام والوقائع، يبدو أن السودان يواجه اليوم حرب استنزاف مركّبة: حرب رصاص وقذائف في المدن والأرياف، وحرب تجويع وحصار تمحو ما تبقى من مقومات الحياة، وحرب نزوح وتشريد تقتلع الملايين من جذورهم، فيما يقف المجتمع الدولي أمام واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية المعاصرة دون أن يلوح في الأفق أفق سياسي جاد لوقف إطلاق النار أو حماية المدنيين، لتبقى ملايين الأرواح معلّقة بين الجوع والرصاص والخذلان الدولي.

spot_imgspot_img