ذات صلة

الأكثر مشاهدة

ورد الآن.. صنعاء تزف بشرى سارة لأبناء تعز

زفّت سلطات صنعاء بشرى لأبناء محافظة تعز، بإعلان فتح...

السيد الحوثي يوجه رسالة مباشرة إلى قطر (تفاصيل فحواها)

وجّه قائد أنصار الله السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي رسالة...

صنعاء تعلن السماح للرحلات الإنسانية من وإلى مطار الرياض شرط التنسيق معها

أعلن متحدث القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع السماح...

ثمانية أعوام على مجزرة أطفال ضحيان.. جريمة تختصر سجل العدوان السعودي–الأمريكي المفتوح في اليمن

تحل الذكرى الثامنة لمجزرة أطفال ضحيان، فيما لا تزال صور الحافلة المدرسية المحترقة وحقائب الأطفال الملطخة بالدماء شاهداً حياً على واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها تحالف العدوان السعودي–الإماراتي، بدعم وتسليح أمريكي، بحق الشعب اليمني خلال سنوات الحرب والحصار.

لم تكن ضحيان جريمة معزولة أو خطأً عسكرياً عابراً كما حاول التحالف تصويرها لاحقاً، بل جاءت ضمن سلسلة طويلة من الغارات التي طالت الأسواق والمنازل والأعراس وصالات العزاء والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية، وحولت حياة ملايين اليمنيين إلى هدف دائم لطائرات التحالف وحصاره.

في صباح التاسع من أغسطس 2018، كانت حافلة تقل عشرات الأطفال المشاركين في مركز صيفي تمر عبر سوق مدينة ضحيان بمحافظة صعدة، قبل أن تستهدفها طائرة تابعة للتحالف بقنبلة موجهة، فتحولت الرحلة في لحظات إلى مجزرة مروعة تناثرت فيها أجساد الأطفال وحقائبهم بين ركام الحافلة والمحلات المجاورة.

ووفق إحصائية وزارة الصحة في صنعاء، أسفرت الجريمة عن استشهاد 51 مدنياً، بينهم 40 طفلاً، وإصابة 79 آخرين، بينهم 56 طفلاً، بإجمالي 130 شهيداً وجريحاً غالبيتهم من الأطفال.

وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر حينها أن أحد المستشفيات المدعومة منها في صعدة استقبل جثامين 29 طفلاً تقل أعمارهم عن 15 عاماً، إضافة إلى عشرات الجرحى، قبل أن ترتفع الحصيلة مع وصول المزيد من الضحايا.

والأكثر دلالة أن أداة الجريمة لم تكن مجهولة المصدر؛ إذ أظهرت بقايا السلاح المستخدم أنه قنبلة أمريكية موجهة بالليزر من طراز GBU-12 Paveway II، مبنية على قنبلة Mk-82 وتزن نحو 227 كيلوغراماً.

وكانت القنبلة جزءاً من منظومة التسليح الأمريكية التي تدفقت إلى السعودية خلال الحرب على اليمن، وهو ما جعل مجزرة ضحيان نموذجاً مكثفاً لشراكة العدوان: قرار سعودي، وطائرة للتحالف، وسلاح أمريكي، والهدف أطفال يمنيون.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تظهر فيها ذخائر أمريكية بين أنقاض المواقع المدنية في اليمن، إذ وثقت منظمات حقوقية العثور على أسلحة أمريكية الصنع في مواقع تعرضت لغارات التحالف، بما عزز الاتهامات لواشنطن بالمشاركة في توفير الغطاء والتسليح للحرب.

وعقب المجزرة، حاول متحدث التحالف تركي المالكي تبرير الهجوم والقول إن الحافلة كانت “هدفاً عسكرياً مشروعاً”، لكن حجم الجريمة وصور الضحايا الأطفال نسفت الرواية سريعاً وأثارت موجة غضب وإدانة واسعة.

وبعد أسابيع، اضطر فريق تقييم الحوادث التابع للتحالف إلى الاعتراف بأن الغارة كانت “غير مبررة” وأن أخطاء ارتكبت أثناء تنفيذها، مع الحديث عن اتخاذ إجراءات بحق المسؤولين وتعويض أسر الضحايا.

إلا أن تلك الوعود انتهت من دون كشف أسماء من أصدروا الأوامر أو نفذوا الضربة، ومن دون محاكمات شفافة أو تحقيق دولي مستقل، لتتحول آلية التحقيق التي شكلها التحالف إلى غطاء سياسي لاحتواء الفضيحة بدلاً من محاسبة مرتكبيها.

وهنا تلتقي ضحيان مع عشرات المجازر التي سبقتها وأعقبتها؛ ففي كل مرة كانت الغارات تسقط المدنيين، يعيد التحالف إنتاج الرواية ذاتها: إنكار أولي، ثم تبرير، ثم تحقيق داخلي، ثم طي الملف من دون عدالة.

وخلال سنوات العدوان، لم يقتصر استهداف اليمن على القصف المباشر، بل امتد إلى الحصار الجوي والبحري، وإغلاق مطار صنعاء، وعرقلة الموانئ، ومنع وصول الاحتياجات الأساسية، وتعطيل المرتبات، واستنزاف الاقتصاد ونهب الموارد والثروات السيادية، لتصبح الحرب العسكرية جزءاً من منظومة أوسع من الضغط على المجتمع اليمني بأكمله.

ولهذا لم تعد ضحيان في الذاكرة اليمنية مجرد اسم لمجزرة، بل تحولت إلى رمز لسجل كامل من الجرائم التي استهدفت الإنسان اليمني في حياته وأمنه وغذائه ودوائه وحقه في التنقل والعيش بكرامة.

كما كشفت الجريمة حجم الحماية السياسية التي تمتع بها التحالف، إذ لم تؤدِ الإدانات الدولية ولا المطالبات بالتحقيق إلى إنشاء مسار قضائي جاد يطال المسؤولين عن اتخاذ القرار أو الجهات التي زودت التحالف بالسلاح المستخدم.

وبينما بقي مرتكبو الجريمة خارج المحاسبة، واصل الشعب اليمني دفع ثمن الحرب والحصار، في وقت استمرت فيه القوى المحلية المرتبطة بالرياض وأبوظبي في توفير الغطاء السياسي والميداني لتحالف مسؤول عن واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخ اليمن الحديث.

وبعد ثمانية أعوام، تبقى مجزرة أطفال ضحيان اختصاراً واضحاً لطبيعة تلك الحرب: أطفال في حافلة مدرسية، قنبلة أمريكية، طائرة تابعة للتحالف، قرار عسكري سعودي، ثم تحقيق بلا عقاب وعدالة مؤجلة.

وتبقى القضية بالنسبة لليمنيين أبعد من مجرد إحياء ذكرى؛ فهي ملف حقوقي وسيادي مفتوح يؤكد أن الجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين، وما رافقها من حصار وتجويع وتدمير ونهب للثروات، لا يمكن إسقاطها بالزمن أو طيها بتسوية سياسية.

وهكذا تظل ضحيان شاهداً على أن جرائم تحالف العدوان السعودي–الأمريكي لم تكن أحداثاً منفصلة، بل مساراً متكاملاً استهدف اليمن أرضاً وإنساناً وسيادةً وثروة، وأن حق الضحايا في العدالة والمحاسبة والتعويض سيبقى قائماً مهما طال الزمن.

فدماء أطفال ضحيان ليست رقماً في أرشيف الحرب، بل دين في ذمة كل من خطط وأمر ونفذ وسلّح وموّل وغطّى العدوان على اليمن، وجرح مفتوح لن يغلقه إلا إنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن جرائم السنوات الماضية.

spot_imgspot_img