سلطت شبكة “سي إن إن” الضوء على المأزق المتصاعد الذي تواجهه السعودية مع اتساع العمليات العسكرية اليمنية براً وبحراً، مؤكدة أن عودة الضربات الصاروخية والمسيّرة وفرض الحظر على الملاحة السعودية وضعت الرياض أمام تهديد عسكري واقتصادي بالغ الكلفة.
وأشارت الشبكة إلى أن حركة أنصار الله أصبحت من أقوى مكونات محور المقاومة وأكثرها قدرة على العمل في أكثر من جبهة في وقت واحد، سواء عبر استهداف العمق السعودي أو ضرب المعسكرات والتحشيدات التابعة للرياض داخل اليمن.
واستعادت “سي إن إن” مسار الحرب الذي بدأ مع العدوان السعودي الواسع على اليمن في 2015، مؤكدة أن الرياض أمضت سنوات طويلة في محاولة فاشلة لإسقاط صنعاء، قبل أن تنتهي المواجهة إلى هدنة عام 2022 من دون التوصل إلى سلام دائم.
وبحسب التقرير، فإن السعودية تواجه اليوم واقعاً مختلفاً تماماً عن السنوات الأولى للحرب؛ إذ برزت القوات المسلحة اليمنية كقوة قادرة على استهداف الأراضي السعودية وناقلات النفط والتحشيدات التابعة للرياض وفرض قيود فعلية على حركة الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.
ونقلت الشبكة عن داني سيترينوفيتش، الرئيس السابق لفرع إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، قوله إن جوهر مشكلة الرياض يتمثل في أن اليمنيين “تجاوزوا عتبة سياسية وعسكرية” ولم يعودوا مستعدين للعودة إلى واقع تستطيع فيه السعودية فرض حصار بري وبحري على المحافظات الشمالية من دون أن تدفع مقابله ثمناً مباشراً.
وتكشف هذه القراءة التحول الجوهري في معادلة المواجهة؛ فبعد سنوات حاولت فيها الرياض فرض الحصار مع إبقاء أراضيها ومصالحها الاقتصادية خارج دائرة الرد، كرّست صنعاء اليوم معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”.
ورأت “سي إن إن” أن الدخول في مواجهة أوسع مع اليمن سيكون خياراً شديد الخطورة والكلفة بالنسبة للسعودية، خصوصاً في ظل سعي الرياض خلال السنوات الأخيرة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتحويل صورتها من دولة حرب إلى مركز اقتصادي وسياحي إقليمي.
وتضع العمليات اليمنية هذه الاستراتيجية أمام اختبار صعب، لأن أي تصعيد واسع يعني عودة المخاطر إلى المنشآت النفطية والموانئ والمطارات وخطوط التجارة التي تعتمد عليها المشاريع الاقتصادية السعودية.
وتزداد الضغوط على الرياض مع استمرار أزمة مضيق هرمز، إذ كانت السعودية تراهن على زيادة تصدير النفط عبر البحر الأحمر لتقليل اعتمادها على الخليج، قبل أن يأتي الحظر اليمني ليضع باب المندب والبحر الأحمر أيضاً تحت الضغط.
وبحسب التقرير، انخفضت صادرات النفط الخام السعودي عبر باب المندب إلى النصف على الأقل منذ إعلان القوات المسلحة اليمنية الحظر على السفن المرتبطة بالمملكة.
ويعني ذلك أن الرياض أصبحت محاصرة بين عقدتين بحريتين بالغتي الأهمية؛ هرمز شرقاً تحت الضغط الإيراني، وباب المندب والبحر الأحمر غرباً تحت الضغط اليمني، وهو ما يرفع كلفة تصدير النفط ويقيد خيارات المناورة أمام أرامكو وشركات الشحن.
كما أن استهداف الناقلات المرتبطة بالسعودية وتوسيع نطاق العمليات شمال البحر الأحمر أظهر أن تغيير المسارات لم يعد كافياً للهرب من دائرة الاستهداف، وهو ما يضاعف المخاطر على التجارة والطاقة السعودية.
وأشارت الشبكة إلى أن الرياض تحاول مواجهة هذا المأزق عبر تعزيز منظومتها الدفاعية والبحث عن مظلات وتحالفات جديدة، في ظل حديث عن تفاهمات دفاعية مع تركيا وباكستان. غير أن هذا التحرك يعكس بحد ذاته حجم القلق السعودي من قدرة صنعاء على فرض معادلات جديدة، خصوصاً بعد إخفاق سنوات الحرب السابقة في إخضاع اليمن بالقوة العسكرية.
وتأتي الضغوط البحرية بالتوازي مع الضربات الاستباقية التي استهدفت تحشيدات سعودية في مأرب وحضرموت والمخا ومعسكر «صحن الجن»، لتجد الرياض نفسها أمام ضغط مزدوج: مصالحها الاقتصادية في البحر تحت التهديد، وأدواتها العسكرية داخل اليمن تتعرض للاستهداف قبل تحركها.
ويكشف هذا التزامن أن صنعاء لم تعد تدير مواجهة محدودة على جبهة واحدة، بل أصبحت قادرة على الجمع بين الحرب البحرية والضربات العابرة للحدود والعمليات الاستباقية ضد المعسكرات والتحشيدات الداخلية.
