ذات صلة

الأكثر مشاهدة

للباطل صولة ثم يضمحل

كما ورد عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-:...

معادلة “المطار بالمطار” تضرب قلب النقل السعودي.. إغلاق مطار الرياض “رسمياً” وموجة عالمية لتعليق الرحلات وتجنب الأجواء

دخلت المواجهة بين صنعاء والرياض مرحلة جديدة انعكست مباشرة على الملاحة الجوية السعودية وحركة الأعمال والسفر، بعدما أدت الضربات اليمنية المتكررة على مطار الملك خالد الدولي إلى إغلاقه وتمديد تعليق عملياته حتى 17 أكتوبر “حد الآن”، بالتوازي مع موجة متسارعة من إلغاء وتعليق الرحلات من شركات طيران خليجية وآسيوية وأوروبية وأمريكية.

وتربط صنعاء عملياتها بمعادلة “المطار بالمطار والحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد” رداً على العدوان والحصار المستمر منذ 2015، واستهداف مطار صنعاء والبنية التحتية اليمنية واستمرار القيود على حركة السفر والتجارة.

وبحسب رويترز، أظهرت بيانات الملاحة الجوية أن الطائرات باتت تتجنب سماء العاصمة الرياض إلى حد كبير، فيما بلغت نسبة الرحلات الملغاة عبر المطارات السعودية 46.4%، في واحدة من أكبر حالات اضطراب الطيران التي تشهدها المملكة منذ سنوات. كما أكد إشعار ملاحي استمرار إغلاق مطار الملك خالد حتى الساعة التاسعة مساء بتوقيت غرينتش من 17 أكتوبر.

ولم يعد التأثير محصوراً بشركات محدودة؛ فقد أعلنت مجموعة لوفتهانزا الألمانية إلغاء جميع رحلاتها إلى الرياض حتى 16 أكتوبر، فيما مددت Air France-KLM تعليق رحلاتها من وإلى العاصمة السعودية حتى نهاية أكتوبر. وأوقفت الاتحاد الإماراتية رحلاتها إلى السعودية، بينما مددت IndiGo وAir India الهنديتان إلغاء الرحلات إلى الرياض حتى 15 أكتوبر، وعلقت Akasa Air رحلاتها إلى الرياض وجدة حتى 13 أكتوبر.

وانضمت Gulf Air البحرينية إلى موجة التعليق، بإلغاء الرحلات من وإلى الرياض حتى 17 أكتوبر، فيما مددت الخطوط الجوية الفلبينية تعليق خدماتها إلى العاصمة السعودية حتى 29 نوفمبر. كما أجلت Cathay Pacific استئناف خط هونغ كونغ–الرياض حتى 31 يناير 2027، بينما قررت Delta Air Lines الأمريكية تأجيل إطلاق خط أتلانتا–الرياض من أكتوبر الجاري إلى مارس 2027.

وتوسعت دائرة التعليق خليجياً أيضاً؛ إذ ألغت طيران الإمارات عدداً من رحلات دبي–الرياض، وأوقفت فلاي دبي رحلاتها إلى الرياض والدمام وأبها حتى 14 أكتوبر، فيما ألغت العربية للطيران رحلات محددة بين الشارقة والرياض.

كما علقت الخطوط الجوية السريلانكية رحلاتها إلى الرياض والدمام حتى 18 أكتوبر، لتضاف إلى قائمة متزايدة من الناقلات التي أعادت رسم جداولها بسبب الوضع الأمني واضطراب تشغيل مطار العاصمة السعودية.

وسبق أن أعلنت الخطوط الجوية الكويتية إلغاء رحلاتها بين الكويت والرياض بسبب إغلاق المطار و“الوضع الأمني”، بينما كانت شركات أخرى بينها الخطوط الجوية الباكستانية قد علقت رحلات إلى مطارات سعودية خلال موجة الاضطراب الأخيرة.

واتسعت التداعيات من شركات الطيران إلى الحكومات؛ إذ أصدرت الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وألمانيا وإسبانيا تحذيرات لرعاياها بشأن مطار الملك خالد، فيما انضمت أستراليا ونيوزيلندا واليابان وكوريا الجنوبية إلى الدول التي شددت إرشادات السفر إلى السعودية أو نصحت بتجنب مطار الرياض ومناطق أخرى. ورفعت سيول تحذيرها إلى المستوى الثالث، داعية مواطنيها إلى مغادرة السعودية أو تأجيل السفر غير الضروري إليها.

وفي مؤشر إضافي على حجم التأثير، قالت رويترز إن اضطراب الطيران بدأ يلقي بظلاله على الفعاليات الاقتصادية والاستثمارية الكبرى المقررة في الرياض، بما فيها مؤتمرات الطاقة والاستثمار، وسط مخاوف من انعكاس الوضع الأمني على الشركات والمستثمرين وحركة الوفود الدولية.

وتتعمق الضغوط على الرياض أبعد من قطاع الطيران، إذ كشفت وول ستريت جورنال أن كلفة المواجهة باتت تضرب الحسابات المالية والاقتصادية للسعودية، مع اتساع عجز الموازنة وتهديد الاقتصاد بالانكماش، في وقت تتزايد فيه كلفة الدفاع وحماية المنشآت والبنية التحتية. ونقلت الصحيفة أن أجزاء من العاصمة الرياض باتت تواجه وضعاً أمنياً شديد الضغط مع استمرار الهجمات اليمنية.

وكشفت الصحيفة، نقلاً عن مسؤولين سعوديين، أن مخزونات صواريخ الاعتراض اللازمة لمواجهة المزيد من الهجمات بدأت تتناقص، وأن الرياض تواجه صعوبة في تغطية مساحة المملكة الواسعة بمنظومات الدفاع الجوي، ما اضطرها إلى إعادة توزيع بطاريات الدفاع لحماية المنشآت النفطية والمواقع الحساسة.

وفي الوقت نفسه، تهدد الزيادة في الإنفاق العسكري وكلفة إصلاح وحماية البنية التحتية باستنزاف الأموال التي كانت مخصصة لمشاريع تنويع الاقتصاد، فيما تواجه مشاريع مرتبطة برؤية 2030 ضغوطاً وتأجيلات متزايدة. وكانت السعودية قد تخلت بالفعل عن استضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029، وانتقلت استضافتها إلى كازاخستان، بالتزامن مع تعثر مشروع تروجينا في نيوم.

وتعزز هذه المعطيات صورة التأثير المتراكم لمعادلة صنعاء “المطار بالمطار والحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”؛ فبعد سنوات من الحرب والحصار على اليمن واستهداف مطار صنعاء والبنية التحتية، انتقلت كلفة المواجهة إلى الداخل السعودي في صورة مطارات مغلقة، وشركات طيران تنسحب أو تعلق رحلاتها، ونفقات دفاعية متزايدة، وضغوط على الاستثمار والمشاريع الاقتصادية.

أما مجلة الإيكونوميست البريطانية فرأت أن السعودية أصبحت أمام خيارات شديدة الصعوبة في التعامل مع الضربات اليمنية، مشيرة إلى أن استمرار الهجمات على مطار الرياض كشف محدودية الخيارات المتاحة أمام المملكة في احتواء التصعيد.

ووفق ما أوردته المجلة، فإن إبقاء مطار الرياض مفتوحاً رغم توالي الهجمات والتحذيرات اليمنية عُدّ قراراً عالي المخاطر، قبل أن تتطور الأحداث إلى إغلاق المطار واضطراب واسع في الرحلات، وهو ما عزز الضغوط على السلطات السعودية في ملفي الأمن والملاحة الجوية.

وتؤكد صنعاء إن هذه النتائج تمثل التطبيق العملي لمعادلتها الجديدة: حين يُغلق مطار صنعاء تُضغط المطارات السعودية، وحين يستمر الحصار تُنقل كلفته إلى الطرف الآخر، وحين يتصاعد القصف يتوسع الرد. في المقابل، تصف الرياض الهجمات على مطاراتها بأنها استهداف للبنية المدنية وتحمّل صنعاء مسؤولية تداعياتها على المسافرين والملاحة.

وبذلك لم تعد تداعيات المواجهة محصورة في صواريخ تسقط أو رحلات تُلغى؛ بل باتت تمتد إلى الموازنة السعودية، ومخزون الدفاعات الجوية، والمشاريع الكبرى، وصورة الرياض كمركز آمن للاستثمار والأعمال، فيما تؤكد صنعاء أن رفع الحصار ووقف العدوان يبقيان المدخل المباشر لوقف هذه المعادلة التصعيدية.

spot_imgspot_img