لم تكن ثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة عام 1963 مجرد حلقة في سلسلة الثورات العربية ضد المستعمر، بل كانت تجسيداً حياً لإرادة يمنية صلبة ترفض الخضوع والوصاية، ومعياراً تاريخياً أصيلاً يستند إليه كل يمني حر في معركة الدفاع عن السيادة الوطنية والكرامة الإنسانية.
ومن قمم ردفان الأبية انطلقت الشرارة الأولى لتعلن للعالم أجمع أن اليمن أرض الأحرار، لا تقبل القسمة ولا ترضى بالارتهان، ولتضع اللبنات الأولى لمرحلة نضالية سحقت أعتى إمبراطورية استعمارية، وجسّدت أسمى معاني التضحية والفداء.
إن العظمة الحقيقية لثورة أكتوبر تكمن في روح التلاحم الوطني التي جمعت أحرار اليمن من شماله وجنوبه، وشرقه وغربه، في خندق واحد، فقد التقت الرؤى والمبادئ الإنسانية والأخلاقية لتؤكد أن المصير اليمني واحد؛ فدماء الشهداء التي روت تراب الجنوب هي ذاتها التي روت رُبى الشمال، مكرسةً قيم النخوة والشرف والمواطنة الصالحة التي يجب أن يظل شعبنا متمسكاً بها اليوم أكثر من أي وقت مضى، و إن بناء الثقة المتبادلة والعمل الجماعي المشترك القائم على مبدأ الوحدة الوطنية هما السلاح الأقوى لمواجهة الأطماع الخارجية التي تسعى إلى تفتيت الجغرافيا اليمنية وتمزيق نسيجها الاجتماعي.
واليوم، ونحن نمر بمرحلة مفصلية من تاريخ وطننا العزيز، تتجلى الحاجة الماسة إلى استلهام دروس أكتوبر الخالدة؛ إذ تبرز الدعوة التوعوية الصادقة والملحة لكل أحرار اليمن وشرفائه في الشمال والجنوب إلى لمّ الشمل، ووأد أسباب الفرقة، ونبذ أشكال العنصرية والطائفية والمناطقية الممقوتة التي يحاول الأعداء زرعها لإضعاف أركان الوطن.
إن المسؤولية التاريخية تحتم علينا جميعاً الانتقال العاجل إلى مرحلة جديدة من التماسك الاجتماعي والتلاحم الأخوي الصادق، والبدء بتحرك جاد وفاعل يهدف إلى تحرير كامل التراب اليمني، ودحر الاحتلال السعودي وكل القوى الاستعمارية، وتطهير الوطن من أدوات الخيانة والنفاق والعمالة والارتزاق.
إن ما يُسمى بمشروع الانفصال ليس إلا خديعة استعمارية تُدار بأيدي أدوات عميلة ورخيصة باعت كرامتها ورسالتها للغرباء، لتمرير أجندات حاقدة تهدم كيان الدولة وتستهدف وحدة الأرض والإنسان، ولن يتأتى إفشال هذه المشاريع التآمرية إلا بيقظة الشعب ووعي أبنائه بمبادئ ثورة 14 أكتوبر، باعتبارها الخيار الأمثل لوأد محاولات التجزئة والتقسيم.
إن وحدة الصف والتمسك بالثوابت الوطنية هما الطريق نحو بناء يمن قوي وحر ومستقل، يستعيد مكانته التاريخية بين الأمم، ويصون مقدرات أبنائه وحرية أجياله القادمة.
