كتب ناصر قنديل

– العبرة الأولى التي قالتها الانتخابات النيابية اللبنانية في السادس من أيار وسيتوقف أمامها العالم كله ملياً، أن المقاومة التي كانت مستهدفة بتحجيم حضورها ومحاصرتها عبر هذا الاستحقاق الانتخابي، خرجت أقوى مما كانت بعد كل العمليات الانتخابية التي شاركت فيها منذ اتفاق الطائف، سواء بنسبة المشاركة العالية والمذهلة التي صبّت خلالها أصوات البيئة الحاضنة للمقاومة والتي استهدفت بالمال والإعلام والعصبيات والتحالفات والعقوبات الدولية والإقليمية وخطط الإبعاد ومشاريع التجريم والتشويه والشيطنة، كما خرجت بحصاد نيابي فاق كل التوقعات، ليس على مستوى الخصوم وحسب، بل على مستوى الحلفاء والأصدقاء، وربما ماكينات قوى المقاومة الانتخابية نفسها.

– الدرس الثاني الذي قالته الانتخابات إن الحلف التقليدي المناوئ للمقاومة المكوّن من ثنائي قوى الرابع عشر من آذار المكوّن من تيار المستقبل والقوات اللبنانية والذي خاض معركته لتعزيز حجمه الانتخابي مقابل التحالف التقليدي المحيط بالمقاومة، والمكوّن من قوى الثامن من آذار، قد جاءت حصيلته من المقاعد النيابية معاكسة لما كانت في الانتخابات التي مرّت على لبنان خلال مرحلة ما بعد تشكّل هذين الحلفين. فللمرة الأولى يحصد حلفاء المقاومة عدداً من المقاعد يفوق ما حازه ما تبقى من حلفاء الرابع عشر من آذار. وإذا أضفنا حصة التيار الوطني الحر إلى قوى الثامن من آذار، من زاوية حجم الحصانة النيابية لخيار المقاومة على المستوى الإقليمي ومستقبل سلاح المقاومة، فقد خرجت الانتخابات بأغلبية نيابية مريحة، مقابل خسارة الحلف المناوئ للمقاومة الذي حاز هذه الأغلبية في انتخابات 2005.

– الدرس الثالث هو أن القوى التي خاضت انتخاباتها على أساس خطاب وتحالفات منسجمة ومتجانسة نجحت في استنهاض جمهورها ورفع نسبة مشاركته في الانتخابات. وهذا يصح بصورة رئيسية في حال ثنائي حركة أمل وحزب الله، لكنه يصح أيضاً في حال الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية، بينما القوى التي راهنت على منطق مختلف في خوض الانتخابات حيث الرهان على شدّ العصب والخطاب الذي يستنهض الطائفة بلسان «الدفاع عن الوجود» و»استعادة الحقوق» فلم ينجح في استنهاض الجمهور المستهدف بهذا الخطاب وبالتحالفات القائمة على اعتبار أن الفوز هو القضية المرتجاة من الانتخابات بأي ثمن ومهما كانت التحالفات وكان الخطاب. وكان هذا حال خطاب وتحالفات قوتين كبيرتين هما تيار المستقبل والتيار الوطني الحر. فقد قالت النتائج إنه لم ينجح في تأمين المشاركة الشعبية التي توخّاها، والتي كانت رهانه على حصاد نصيب أكبر من المقاعد.

– الدرس الرابع الذي قالته الانتخابات النيابية هو أن الحكومة المقبلة لن تكون كما سبقها من حكومات، وأن مخاضاً سيسبق ولادة هذه الحكومة وتبلور اسم رئيسها، والمهمات التي تنتظر الحكومة كثيرة، ومكانة رئيس الجمهورية وقوة العهد تستمدّان حضورهما من الدور الذي سيضطلع به رئيس الجمهورية في ترسيم التوازنات الجديدة، والمهمات التي يرسمها للحكومة الجديدة، وفي طليعتها عودة النازحين السوريين وما تستدعيه حكومياً من رئيس حكومة قادر على التعاون مع الحكومة السورية، إلى رؤية المهام الداخلية وفقاً لمعادلة رسمها سيد المقاومة تحت عنوان مكافحة الفساد وترجمها بعنوانين: لا تعيين دون مباراة، ولا تلزيم دون مناقصة. ووزن الرئاسة هنا مخطئ مَن يقيسه بحجم مقاعد التيار الوطني الحر وحدَها، وهو حجم لا يُستهان به، ولا بحجم الشراكة التي كثر الحديث عنها بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر، كركيزة لأكثرية نيابية لحكومة جديدة، لم يعُد لها مكان، بقدر ما يبدو المكان متاحاً لعودة الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة بدفتر شروط جديد، ترسمه المعادلات التي فرضتها نتائج الانتخابات، وخصوصاً في كل من بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع الغربي.

– السادس من أيار، قال الشعب كلمته، والمعادلات السياسية في الديمقراطيات ترسمها كلمة الشعب، رغم شوائب القانون ونقاط الضعف التي أحاطت بتطبيق مبدأ النسبية، والثغرات التي رافقت أداء وزارة الداخلية في رعاية العملية الانتخابية.

– مبارك للحزب السوري القومي الاجتماعي نوابه الذين فازوا، ولموقفه المبدئي في خيار المقاومة واحترامه لمبدأ المصداقية السياسية في التحالفات الانتخابية والمعايير المبدئية التي حكمتها.

مصدرصحيفة البناء اللبنانية

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا