المشهد اليمني الأول/

 

بإصدار مجلس الأمن الدولي الجمعة 21 ديسمبر الجاري قراره بشأن الأزمة اليمنية وبالإجماع، يكون اتفاق التسوية اليمنية بالسويد «وقف إطلاق النار بالحُديدة وتعز»، من اليوم وصاعداً قد اكتسب قوة وصفة دولية ملزمة التقيد والالتزام بها من قِبَــل أطراف الصراع الموقعة عليه. فهو لم يعد اتفاقاً يخص هذه الأطراف وحدها، ما يعني بالضرورة أن إي إخلال به يمثّل انتهاكاً صريحاً لقرار مجلس الأمن الدولي الأخير، وانتهاكاً واضحاً للقانون الدولي، وسيجعل الأطراف الموقعة ومعها بالتأكيد «تحالف العدوان تحت طائلة العقوبات والمحاسبة الأممية – أو هكذا يفترض أن يكون الأمر- إن كانَ ثمّـة جديّــة لدى المجتمع الدولي بوضع حد لهذه الحرب.

 

كما أن هذا القرار يشكّــل أول قرار أممي يتحدث عن وقف الحرب -ولو بصورة غير مباشرة- كما يشكّــل نقطة العودة لنوعية القرارات الأممية البالغ عددها تقريبا 16 قراراً منذ أكتوبر 2011م، والتي كانت تصبُّ جميعها لمصلحة سعودية محضة، كما أنه القرار الأممي الأول الذي يستخدم مفردة «أطراف-طرفي- الصراع باليمن»، عوضاً عن مفردات ومصطلحات «انقلاب وشرعية».

 

هذا القرار أتى مشروعه المقترح في البداية من بريطانيا، (كثَّفت بالأسابيع الماضية ضغوطها لوقف الحرب والانتقال إلى طاولة المفاوضات)، قبل أن يتم تعديله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وتفرغه من بنود مهمة، بل تم إسقاط بعضها نهائياً بطلب سعودي ورغبة أمريكية ملحة، بحسب مصادر في الأمم المتحدة.

 

من تلك البنود التي أسقطت «بند محاكمة الأطراف التي ارتكبت وترتكب فظائع حرب وانتهاكات»، ما اعتُبر مفارقة غريبة من قبل «تحالف العدوان» الذي يتحدث دوماً عن انتهاكات الطرف الآخر «الحوثيين»، خاصة أنه ومع كل لحظة يسعى فيها المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية لإقرار مثل تلك البنود، يسارع هذا «التحالف» الى إجهاض مثل هكذا جهود ومساع، تماماً كما حدثَ آخرة مرة، الجمعة الماضية، وحدث قبل هذا كثيراً، حين أحبطت السعودية قراراً من مجلس حقوق الإنسان بجنيف بهذا الشأن، ونجحت بإخراج اسم «التحالف» من القائمة السوداء للأمم المتحدة بعد ضغوطات مالية مارستها على الأمين العالم السابق بان كي مون، كان هذا قبل أن يتمكن الأمين العام الجديد أنطونيو جوتيريش من إعادة وضع «التحالف» على «القائمة السوداء» مرة ثانية، ولما يزل فيها حتى اللحظة.

 

واشنطن التي رفضت الصيغة الأولية لمشروع القرار البريطاني أسقطتْ أهم بنوده، وهو بند محاسبة جميع الأطراف اليمينة والإقليمية التي ارتكبت جرائم حرب باليمن، ليس تلبية لضغوطات سعودية فقط كما يعتقد البعض، وإن كانت الضغوطات السعودية قد تدخلتْ فعلاً وبقوة لدى لندن لإسقاط هذا البند، خصوصاً وأن هناك تقارير حقوقية دولية موحشة تؤرق «التحالف»، كالتقرير «الصادم» الذي أصدره مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قبل أشهر.

 

التوجه الأمريكي كان رغبة ذاتية موجودة بقوة لا تقل عن الرغبة السعودية، وذلك لمعرفة واشنطن أن أي جرجرة قانونية للسعودية في المحاكم الدولية سيعني قطعاً جرجرتها معها بصفتها شريكاً لوجستياً بهذه الحرب، والمورد الرئيس للأسلحة، وبالذات قنابل وصواريخ الطائرات التي حصدت المئات من الضحايا، بحسب تقارير دولية كثيرة، ما سيضع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في زاوية ضيقة، وهي التي تعاني الأمّرين من الإنتقادات الدولية على خلفية مقتل الصحافي جمال خاشقجي وأيضاً حرب اليمن.

 

على كل حال، لم يكن أمر إسقاط هذا البند من مشروع القرار البريطاني عسيراً على واشنطن والرياض، فقد لجأتْ الأولى الى حيلة ذكية حين طالبت إضافة بند يدين إيران بحرب اليمن، وهي تعرف معارضة موسكو ولندن لذلك، وفعلاً تم رفضه بريطانياً وروسياً، مقابل إسقاط بند المحاكمة.

 

وإجمالاً، فإن هذا القرار وبرغم ما شابه من مساومات يشكل بداية النهاية لهذه الحرب، ورافداً قوياً لمشوار الحل السلمي، وإقراراً دولياً وخليجياً بفشل الحسم العسكري وبصعوبة شطب الآخر من على الخارطة اليمنية والإقليمية، بعدما تأكد للجميع حقيقة أن الحل السلمي وحده هو المتاح أمامهم… ولا عزاء للجنوب ولتضحياته المجانية الباهظة، إلى جانب شركاء محليون وإقليميون لا يأبهون بقضيته ولا يعبأون بتضحياته شيئاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقرير – صلاح السقلدي