في خطوة وُصفت بأنها أخطر انزلاق سياسي في تاريخ الفصائل الموالية للإمارات باليمن، فجّرت قيادات بارزة في ما يسمى “المجلس الانتقالي الجنوبي” موجة غضب عارمة بعد تصريحات علنية تمهد لفتح قنوات اتصال وتعاون مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، في ما يبدو أنه تحول استراتيجي من السرية إلى الإقرار العلني بالتطبيع.
المتحدث باسم المجلس، أنور التميمي، قال في مقابلة مع صحيفة العربي الجديد إن “مبدأ التواصل مع إسرائيل غير مرفوض بالنسبة للمجلس”، مضيفاً أن “الحديث عن اتصالات مباشرة لا يعني وجود تواصل بالمعنى الدبلوماسي الكامل”. ورغم محاولته الإيحاء بأن المسألة ما تزال “فكرة نظرية”، إلا أن التصريح نفسه يعكس — وفق مراقبين — قبولاً مبدئياً بالتطبيع، وتخلياً عن الخطاب القومي التقليدي الذي طالما استخدمه الانتقالي لتبرير تحركاته العسكرية والسياسية.
وتزامن هذا الموقف مع تقارير عبرية جديدة، نقلت عن قيادي بارز في المجلس الانتقالي، تأكيده أن المجلس يسعى للحصول على دعم سياسي وعسكري من إسرائيل “لإقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن”. وأضاف القيادي في حديث لصحيفة يديعوت أحرونوت أن هناك “مصالح مشتركة” بين الجانبين في تأمين الملاحة الدولية ومواجهة صنعاء، مؤكداً أن أي تعاون مع إسرائيل سيكون “في إطار دعم السلام والاستقرار”. بل ذهب أبعد من ذلك حين وصف الرافضين للتطبيع بأنهم “أعداء للسلام”، في لهجة تعكس تطابقاً تاماً مع الخطاب الإسرائيلي الرسمي.
هذا الانفتاح المفاجئ على تل أبيب، والذي يأتي بعد أسابيع من الكشف عن لقاءات سرية جمعت مسؤولين في المجلس الانتقالي مع ضباط من جهاز الموساد الإسرائيلي في الولايات المتحدة وأوروبا، يكشف عن انتقال العلاقة من التنسيق الأمني غير المعلن إلى مرحلة الشراكة السياسية المعلنة. وتشير مصادر مطلعة في عدن إلى أن الإمارات هي من تدفع بقوة نحو هذا المسار، في إطار مشروعها لدمج الكيان الجنوبي في محور التطبيع الإقليمي الذي تقوده أبوظبي.
تحليلات صحف إسرائيلية، من بينها يديعوت أحرونوت ومعاريف، رأت أن تنامي نفوذ المجلس الانتقالي في المهرة وحضرموت “يفتح فرصاً إستراتيجية غير مسبوقة لإسرائيل”، خصوصاً في ظل وجود موانئ وممرات بحرية تقع على خط الملاحة نحو البحر الأحمر وباب المندب. وأشارت تلك التقارير إلى أن أبوظبي — التي تمتلك علاقات أمنية عميقة مع تل أبيب — تعمل على تحويل الجنوب اليمني إلى عمق لوجستي إسرائيلي في المحيط الهندي، تحت واجهة “مكافحة الإرهاب وحماية الملاحة”.
غير أن هذا المسار التطبيعي يواجه رفضاً يمنياً واسعاً وغضباً شعبياً كبيراً، إذ اعتبره ناشطون وسياسيون “خيانة وطنية تتقاطع مع الأجندة الصهيونية”، فيما حذر محللون من أن التطبيع العلني مع إسرائيل سيقضي نهائياً على ما تبقى من شرعية الانتقالي في الشارع الجنوبي، ويفتح الباب أمام مواجهة شعبية ضد وجوده العسكري والسياسي.
ويرى مراقبون أن المجلس الانتقالي، الذي يواجه عزلة داخلية متزايدة وتراجعاً في علاقاته مع السعودية، يحاول من خلال تل أبيب البحث عن مظلة دعم جديدة تمنحه اعترافاً دولياً بكيانه الانفصالي مقابل تقديم خدمات أمنية واستراتيجية في البحر الأحمر وخليج عدن، ما يعيد إلى الأذهان النموذج الإماراتي في إقامة علاقات مع الاحتلال تحت غطاء “السلام الإقليمي”.
وفي حين تلتزم قيادة المجلس الصمت تجاه الغضب الشعبي، تواصل وسائل إعلامه الترويج لفكرة “التعاون مع القوى العالمية لمواجهة الخطر الإيراني والحوثي”، في تبرير واضح للتقارب مع إسرائيل. لكنّ الوقائع على الأرض تُظهر أن ما يجري هو تحويل الجنوب اليمني إلى ساحة مفتوحة أمام النفوذ الصهيوني، وتطبيع على حساب الهوية العربية والموقف التاريخي من القضية الفلسطينية.
إن ما كشفته هذه التصريحات لا يعد مجرد زلة سياسية، بل انعطافة استراتيجية تكشف حقيقة المشروع الذي ترعاه أبوظبي في الجنوب: كيان مفكك مرتبط بعلاقات أمنية مع إسرائيل، ومفصول عن الإجماع العربي والإسلامي الذي يرى في القضية الفلسطينية جوهر الصراع وميزان الموقف من العدوان والاحتلال.
