كشف منتدى الأمن الأمريكي “جاست سيكيورتي” في تقرير مطول عن ما وصفه بـتورط الولايات المتحدة في حملة عسكرية سرية داخل اليمن، مشيراً إلى أن الغارات الأمريكية المعلنة تحت عنوان مكافحة تنظيم القاعدة تستهدف في كثير من الحالات مدنيين أبرياء لا صلة لهم بالتنظيم، في ظل غياب شبه كامل للشفافية الرسمية.
وأوضح التقرير أن الولايات المتحدة لم تؤكد رسمياً تنفيذ أي غارة ضد تنظيم القاعدة في اليمن منذ عام 2020، خلال السنة الأخيرة من الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، غير أن تقارير إعلامية يمنية ومصادر تحليلية محلية وأجنبية تحدثت عن سلسلة غارات جوية أمريكية خلال عامي 2025 و2026، ما يعزز فرضية استمرار حملة غير معلنة.
وأشار المنتدى إلى أن في 23 مايو 2025 نُفذت غارة بطائرة مسيّرة في محافظة أبين، ورغم نفي مسؤول دفاعي أمريكي تنفيذ أي ضربات بعد إعلان وقف إطلاق النار في 6 مايو 2025، فإن منظمة “نيو أمريكا” رصدت ما لا يقل عن أربع ضربات أخرى – وربما سبع – بين مايو 2025 ويناير 2026. وشملت العمليات المبلغ عنها غارات في وادي عبيدة بمحافظة مأرب في نوفمبر 2025، وأخرى أواخر الشهر ذاته، إضافة إلى ضربات في ديسمبر 2025 قيل إنها استهدفت عناصر من تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.
وأكد التقرير أن نمط الضربات السرية ليس جديداً، بل يمتد عبر إدارات أمريكية متعاقبة، من جورج بوش الذي نفذ أول ضربة عام 2002 في سرية، مروراً بإدارتي أوباما وترامب، وصولاً إلى إدارة جو بايدن التي أُفيد بأنها نفذت ضربتين في أوائل 2023 دون تأكيد رسمي. ويرى المنتدى أن هذا السلوك المتكرر يعكس إخفاقاً مستمراً في إرساء الشفافية وبناء الثقة العامة بشأن العمليات العسكرية الخارجية.
واعتبر “جاست سيكيورتي” أن غياب الإقرار الرسمي يعقّد محاسبة المسؤولين عن الأخطاء والخسائر المدنية، ويقوّض الرقابة البرلمانية، كما يعيق عمل المنظمات الحقوقية في التحقق من الوقائع أو نفيها. وأشار إلى أن الحرب الأمريكية بالطائرات المسيّرة في اليمن دخلت عامها الثالث والعشرين، ما يجعلها من أطول الحملات العسكرية غير المعلنة في التاريخ الحديث، وسط غياب استراتيجية واضحة لتحقيق أهداف قابلة للقياس.
ورأى التقرير أن الطابع المتقطع للضربات، التي تصاعدت خلال إدارة أوباما الأولى وبلغت ذروتها في الولاية الأولى لترامب قبل أن تنخفض لاحقاً، لا يلغي حقيقة أن الحملة اتخذت منحى حرب بلا أفق زمني أو سياسي محدد، في ظل سعي واشنطن لتحقيق أهداف يصعب بلوغها بالكامل عبر الضربات الجوية وحدها.
ودعا المنتدى الإدارة الأمريكية إلى تحمل مسؤوليتها في التوضيح العلني لما إذا كانت تشن حالياً غارات في اليمن، مطالباً بأن يُرفق أي عمل عسكري ببيانات رسمية تتضمن تفاصيل التاريخ والموقع وعدد الضحايا التقديري، إلى جانب نشر سجل شامل للضربات المنفذة منذ عام 2002. كما حمّل الكونغرس مسؤولية تكثيف الرقابة في حال استمرار الغموض الرئاسي.
وختم التقرير بالتأكيد أن استمرار العمليات في الظل لا يهدد فقط حياة المدنيين، بل يورط الولايات المتحدة في صراع مفتوح منخفض الوتيرة دون تفويض واضح أو مساءلة شفافة، ما يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية حول طبيعة الحرب الأمريكية في اليمن وحدودها الحقيقية.
