دخلت المواجهة مرحلة أكثر اتساعًا وتعقيدًا مع تزامن يوم القدس العالمي مع تصعيد ميداني واسع نفذته إيران وقوى المقاومة على امتداد الجبهات، في وقت بدت فيه الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي أمام ضغط عملياتي متزايد وخسائر متراكمة في القواعد والمنشآت والعمق العسكري. وفي هذا السياق، أكد حرس الثورة الإسلامية أن يوم القدس يمثل مبادرة استراتيجية وإرثًا خالدًا للإمام الخميني لتحرير الشعب الفلسطيني من الصهيونية، معلنًا مواصلة تنفيذ عملية “الوعد الصادق 4” التي قال إنها بلغت 42 موجة قبل الانتقال لاحقًا إلى موجات جديدة، ومشدّدًا على أن هذه العمليات ألحقت الهزيمة والذل بالعدو الصهيوني الأمريكي.
ميدانيًا، افتتحت الساعات الأولى من الليل بمواصلة القصف الإيراني على الأراضي المحتلة، قبل أن يعلن حرس الثورة إطلاق الموجة الثالثة والأربعين مستهدفًا قاعدة الأسطول الخامس الأمريكي وقواعد أمريكية أخرى في المنطقة، إضافة إلى يافا المحتلة ومركزها، مستخدمًا صواريخ خرمشهر وعماد وخيبر شكن إلى جانب الطائرات المسيّرة. وتوسعت آثار هذه الموجة مع تقارير عن استهداف قاعدة مشتركة للقوات الفرنسية والبيشمركة في أربيل، ما أدى إلى إصابة ستة جنود واندلاع النيران، في وقت أعلنت فيه القيادة المركزية الأمريكية فقدان طائرة تزويد بالوقود من طراز KC-135، قبل أن تؤكد المقاومة الإسلامية في العراق لاحقًا إسقاطها غرب العراق بالسلاح المناسب. كما أوضح مقر خاتم الأنبياء أن طائرة التزود بالوقود الأمريكية أصيبت بواسطة أنظمة الدفاع الجوي غرب العراق، ما أدى إلى سقوطها ومقتل جميع أفراد طاقمها، فيما أفادت هيئة البث الصهيونية أن طائرة أمريكية ثانية من النوع نفسه فعّلت رمز الطوارئ 7700 وهبطت في فلسطين المحتلة.
التصعيد الإيراني لم يتوقف عند هذه الحدود، إذ أعلن حرس الثورة الموجة الرابعة والأربعين ضد القواعد الأمريكية والصهيونية في شمال الأراضي المحتلة والأسطول الخامس وقواعد أخرى في المنطقة، مستخدمًا عددًا كبيرًا من صواريخ خرمشهر وخيبر شاكان وفتاح وعماد وقدر الموجهة بدقة، إضافة إلى صواريخ فائقة الثقل وطائرات مسيّرة مدمرة، فيما أكد التلفزيون الإيراني إطلاق ثلاث موجات صاروخية خلال ساعة واحدة. وترافقت هذه الضربات مع انفجارات مباشرة ودمار كبير في المستوطنات، ما عزز صورة تفوق النيران الإيرانية في فرض معادلة الرد.
وفي الوقت نفسه، أعلن الجيش الإيراني استهداف مقار القوات الدفاعية في كيان العدو بطائرات مسيّرة، بما في ذلك قيادة القوة الدفاعية في بئر السبع، مؤكدًا أن العملية الواسعة ستتواصل خلال الساعات اللاحقة. كما واصلت الدفاعات الجوية الإيرانية استنزاف القدرات الجوية المعادية، إذ أعلن حرس الثورة إسقاط طائرة “هيرمس” مسلحة في أنديمشك، ثم إسقاط خمس طائرات مسيّرة هجومية أمريكية وصهيونية خلال ثلاث ساعات شملت أوربيتر 4 في تبريز، وطائرتي هيرمس في أنديمشك وطهران، وطائرتي MQ-9 في فيروز آباد وبندر عباس، ليرتفع عدد الطائرات المسيّرة التي أسقطتها إيران منذ بدء الحرب إلى 114 طائرة من مختلف الأنواع. هذه الحصيلة تؤكد أن السماء الإيرانية لم تعد ساحة رخوة كما أرادها العدوان، بل ميدان استنزاف مفتوح لأدواته الجوية.
وعلى الجبهة اللبنانية، أعلن حزب الله بدء عمليات “العصف المأكول” ردًا على العدوان الإسرائيلي الذي طال عشرات المدن والبلدات اللبنانية والضاحية الجنوبية لبيروت. وفي هذا الإطار، كثّفت المقاومة الإسلامية عملياتها بوتيرة مرتفعة، فأعلنت تنفيذ 26 عملية نوعية خلال 24 ساعة، ثم عادت لتؤكد تنفيذ 25 عملية نوعية إضافية في عمق الكيان وضد قوات الاحتلال خلال 24 ساعة لاحقة. شملت هذه العمليات قصف كريات شمونة، وتجمعات الجنود في المرج، ومعتقل الخيام، والحي الجنوبي لمدينة الخيام، وتلة الحمامص، وخلة العصافير، ومحيط بلدية الخيام، ومارون الراس، وبوابة فاطمة، وموقع العبّاد، كما استهدفت قاعدة ستيلا ماريس البحرية للرصد والرقابة على الساحل الشمالي، وقاعدة عين شيمر للدفاع الجوي الصاروخي شرق الخضيرة، في ما يشير إلى انتقال الحزب من الضربات الحدودية إلى استهداف مراكز حساسة للعدو في العمق العملياتي.
وفي المقابل، صعّد الاحتلال عدوانه على لبنان، مستهدفًا الجسر الواصل بين ضفتي نهر الليطاني في الزرارية وتدميره بالكامل، إضافة إلى قصف يحمر الشقيف، وبيت ليف، والعباسية، والضاحية الجنوبية لبيروت، فيما ارتفعت حصيلة غارة الفوار في صيدا إلى 10 شهداء، وأعلنت الصحة اللبنانية عن 8 شهداء و9 جرحى في حصيلة أولية، إلى جانب 6 شهداء بينهم طفلة في النبطية وشهيدين و5 جرحى من المسعفين في الصوانة. ويكشف هذا النمط من القصف أن الاحتلال يواصل تعويض عجزه الميداني بتوسيع دائرة الجريمة ضد المدنيين.
سياسيًا وشعبيًا، تحوّل يوم القدس العالمي إلى مشهد تعبوي واسع في إيران والمنطقة. فقد انطلقت مسيرات يوم القدس في العاصمة طهران ومدن ومحافظات إيرانية أخرى رغم الغارات والقصف، وشارك فيها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان شخصيًا، في دلالة مباشرة على تماسك القيادة مع الشارع في ذروة الحرب. وأكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن المسيرات المليونية في يوم القدس تعكس بوضوح إرادة الشعب الحاسمة في دعم إيران وفلسطين، وأن الجمهورية الإسلامية ستواصل مسيرتها بقوة وعزيمة حتى تُجبر الأعداء على الاعتراف بقوتها. كما أشاد أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب القسام، بالضربات الصاروخية الإيرانية المتواصلة على الكيان، معتبرًا أنها “أنارت قلوب الأحرار قبل أن تضيء سماء تل أبيب”، ومؤكدًا أن خروج الملايين في إيران نصرة للأقصى رغم الحرب هو دليل إضافي على موقفها المبدئي الداعم لفلسطين.
وفي اليمن، شهدت العاصمة صنعاء والمحافظات مليونيات حاشدة في يوم القدس العالمي، أكدت الوقوف مع فلسطين وإيران ولبنان وعدم التخلي عن المسجد الأقصى. وعبّر البيان الصادر عن المسيرات عن تجديد العهد بعدم التخلي عن الأقصى، والوقوف إلى جانب الجمهورية الإسلامية في إيران وحزب الله والمقاومة العراقية ضمن وحدة الساحات في مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني. كما أعلن عضو المكتب السياسي لأنصار الله محمد البخيتي أن قرار الوقوف عسكريًا إلى جانب إيران قد اتُّخذ بالفعل، وأن ساعة الصفر سيُعلن عنها في الوقت المناسب، مشيرًا إلى وجود تنسيق كامل بين دول محور المقاومة بما في ذلك اليمن.
على مستوى الحرب الإقليمية الأوسع، أعلن حرس الثورة خلال الموجة الخامسة والأربعين تدمير البنية التحتية للقيادة الشمالية للعدو الصهيوني ومواقع تجمع القوات الأمريكية بعد إنذارها بالانسحاب، مؤكدًا استهداف مراكز في حيفا، والقيصرية، وزارعيت، وشلومي، ومجمع حولون الصناعي العسكري بمسيّرات حزب الله وصواريخ إيران. كما أعلن استهداف ثلاثة مواقع لتجمعات قادة أمريكيين في قواعد الأمير سلطان بالسعودية وفيكتوريا وأربيل في العراق بالصواريخ والمسيّرات، بالإضافة إلى قصف مكثف على قواعد الظفرة وأربيل. وفي هذا السياق، نقلت وول ستريت جورنال عن مسؤولين أمريكيين أن خمس طائرات تزويد بالوقود أمريكية أصيبت وتضررت في قاعدة الأمير سلطان الجوية بالسعودية، في ضربة صاروخية إيرانية سابقة، فيما أكدت الصحيفة لاحقًا مقتل 13 جنديًا أمريكيًا وإصابة 210 بينهم 10 بحالة خطرة بعد أسبوعين من الحرب. هذه الأرقام تعكس أن القواعد الأمريكية في المنطقة لم تعد خطوط إسناد آمنة، بل تحولت إلى أهداف مباشرة في قلب المواجهة.
كما برزت مؤشرات على اتساع الخسارة الغربية سياسيًا ودوليًا. فقد رحبت حركة حماس بانضمام هولندا وآيسلندا إلى الدعوى المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية ضد الكيان الصهيوني، معتبرة ذلك خطوة مهمة في تحشيد الدول ضد جرائم الاحتلال. وفي الوقت نفسه، أعلنت الخارجية الصينية أنها ستواصل تقديم المساعدة اللازمة لدعم الشعب الإيراني في مواجهة الصعوبات، وهو ما يمنح طهران بعدًا إضافيًا من الغطاء الدولي والسياسي. أما على الصعيد الإعلامي والاقتصادي، فقد سخر عباس عراقجي من التناقض الأمريكي، مذكّرًا بأن واشنطن قضت أشهرًا في الضغط على الهند لوقف وارداتها من النفط الروسي، ثم عادت بعد أسبوعين من الحرب على إيران لتتوسل إلى العالم، بما فيه الهند، لشراء النفط الخام الروسي، في اعتراف ضمني بأن الحرب أحرقت أدوات الضغط الأمريكية نفسها.
وفي موازاة ذلك، سعى العدو إلى توسيع الفوضى الإقليمية عبر محاولات الوقيعة بين إيران وتركيا، وهو ما دفع مقر خاتم الأنبياء إلى نفي إطلاق أي صواريخ باتجاه تركيا الصديقة، مؤكدًا أن ما جرى يبدو أنه قصف نفذته أمريكا والكيان الصهيوني بهدف زعزعة العلاقات بين البلدين. كما وجّه حرس الثورة إنذارات جديدة لمواطني دول خليجية بالابتعاد عن شركات أمريكية وإخلائها، بينما دعت الاستخبارات الإيرانية المواطنين العرب في المنطقة إلى عدم إيواء الجنود الأمريكيين في الفنادق والمساكن الخاصة، محذرة من أن الأمريكيين يريدون استخدامهم دروعًا بشرية.
كل ذلك يوضح أن اليوم “الثالث عشر _ الرابع عشر” لم يكن مجرد يوم صاروخي آخر، بل محطة كشفت الانتقال الكامل للحرب إلى طور الضغط الشامل على معسكر العدوان. فإيران لم تعد فقط تدافع عن نفسها، بل تدير الهجوم على جبهات متعددة، من الكيان المحتل إلى القواعد الأمريكية في الخليج والعراق والسعودية، بالتوازي مع تصاعد نيران حزب الله والمقاومة العراقية، وتزايد الاستعداد اليمني للدخول العسكري. وفي المقابل، يتكشّف العدو الأمريكي–الصهيوني أمام واقع بالغ القسوة: قواعده مكشوفة، طائراته تُسقط، مستوطناته تُقصف، جبهته الداخلية تنزف، وحلفاؤه يتخبطون بين الخوف والارتباك. ومع كل موجة صاروخية جديدة، وكل عملية “عصف مأكول”، يتأكد أن محور المقاومة لا يكتفي بامتصاص العدوان، بل يعمل على إعادة تشكيل التوازن الإقليمي بالقوة والنار والإرادة.
