دخلت مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن مرحلة اختبار خطيرة في يومها الثالث، بعد تصاعد الخروقات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وشن الاحتلال سلسلة غارات مكثفة على بلدات الجنوب، بالتزامن مع إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية رداً على ما وصفته بخرق الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي لبنود الاتفاق.
وشهد جنوب لبنان، منذ صباح السبت، موجة غارات إسرائيلية مكثفة استهدفت كفررمان وشوكين ومحيط كفرتبنيت والنبطية والنبطية الفوقا، رغم الإعلان الإسرائيلي عن وقف إطلاق النار، في مشهد كشف محاولة واضحة للالتفاف على البند الأول من مذكرة التفاهم الذي ينص على وقف الحرب في جميع الجبهات، بما فيها لبنان.
وأكدت غرفة عمليات المقاومة في لبنان أن العدو الإسرائيلي يتذرع مجدداً بادعاءات كاذبة لتبرير خرق وقف إطلاق النار، مشددة على أن المقاومة التزمت منذ مساء الجمعة بالاتفاق، حتى بعد خرق العدو له منذ اللحظة الأولى.
وأوضحت الغرفة أن مجاهدي المقاومة تصدوا لقوة مشاة إسرائيلية متسللة تابعة للواء الكوماندو باتجاه مرتفع علي الطاهر، وأوقعوا أفرادها بين قتيل وجريح، مؤكدة أن الغارات المكثفة التي نفذها الاحتلال على المدنيين جاءت للتغطية على فشله العسكري بعد إحباط محاولة التسلل.
وشددت المقاومة على أنها، بالتوازي مع التزامها بوقف إطلاق النار، “لن تتهاون في التصدي لأي محاولة لقضم الأراضي”، مؤكدة أن المجاهدين في كامل الجهوزية لمواجهة أي محاولة إسرائيلية لفرض وقائع ميدانية جديدة في الجنوب.
وفي بيان لاحق، أكد حزب الله أن مزاعم العدو بشأن خرق المقاومة للاتفاق “محاولة مفضوحة لتخريب الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة”، مشيراً إلى أن انتهاكات الاحتلال منذ فجر الجمعة بلغت 300 خرق واعتداء موثق.
واعتبر حزب الله أن الاعتداءات الإسرائيلية ليست مجرد خرق لاتفاق وقف إطلاق النار، بل “عدوان واستكمال للحرب”، مؤكداً أن من حق لبنان ومقاومته الدفاع في مواجهة الاعتداءات، وأن سعي العدو لتثبيت حرية الحركة في الجنوب “أمر مرفوض ولن يمر دون رد”، وأن طرد الاحتلال مسألة وقت.
في المقابل، صعّدت طهران موقفها بصورة مباشرة. فقد أعلن مقر خاتم الأنبياء أنه، نظراً لخرق الولايات المتحدة لمذكرة التفاهم واستمرار العدوان الإسرائيلي في جنوب لبنان، سيتم إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية.
وبعد ذلك، نقلت وكالة فارس عن مصدر في بحرية الحرس الثوري تأكيده أن المضيق أُغلق بالكامل، فيما أفاد التلفزيون الإيراني بأن السفن لا تزال تنتظر التنسيق والأوامر من بحرية حرس الثورة لعبور المضيق، وأنها متوقفة عند مدخله لاستلام الجداول الزمنية الخاصة بالعبور.
وحذرت بحرية حرس الثورة السفن من عدم الالتزام بالمسار المحدد جنوب جزيرة لارك، مؤكدة أن أي سفينة تخالف التعليمات ستتحمل مسؤولية أي حادث، في إشارة إلى أن طهران انتقلت من مرحلة فتح المضيق المشروط إلى إدارة ميدانية صارمة للممر البحري الاستراتيجي.
وأكد التلفزيون الإيراني أن التحذير البحري صدر عبر وسائل الإعلام والأجهزة اللاسلكية لجميع السفن المبحرة والراسية في الخليج والمضيق، مشيراً إلى أن القرار جاء بعد “رصد انتهاكات متكررة وعدم التزام مستمر بالاتفاقية”، وأن الخليج أصبح أكثر خلوّاً مما كان عليه وقت الظهيرة.
وفي الموقف الدبلوماسي، أكدت الخارجية الإيرانية أن “البند الأول هو الأهم في مذكرة التفاهم”، وأن الطرف المقابل أخل بالتزامه بإجبار الكيان الصهيوني على وقف اعتداءاته على لبنان، محذرة واشنطن من أنها ستواجه مشكلات إذا لم تسرع في تنفيذ بنود المذكرة.
وشددت الخارجية على أن إيران “لم توقع تفاهماً لن يتم تنفيذه”، وأن مقاربتها تقوم على قاعدة “الالتزام مقابل الالتزام”، مؤكدة أن بنود مذكرة التفاهم مجموعة متكاملة، وإذا لم يتم تنفيذ بعضها فإن الاتفاق سيواجه مشكلات.
وبالتوازي مع التصعيد، تحركت الوساطة الباكستانية على خط طهران. فقد وصل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى العاصمة الإيرانية لمتابعة جهود إسلام آباد بشأن المفاوضات مع واشنطن، والتقى وزير الخارجية الإيراني في مقر الوزارة، كما التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
وأكدت الرئاسة الإيرانية أن بزشكيان أعرب للوزير الباكستاني عن تقديره للنهج الأخوي والمسؤول للحكومة الباكستانية، مشيداً بالدور البناء والمؤثر لإسلام آباد في إسناد الدبلوماسية وتثبيت نتائج المفاوضات.
وفي السياق نفسه، أعلنت الخارجية الباكستانية أن المحادثات الإيرانية الأمريكية ستبدأ غداً على المستوى الفني، بمشاركة ممثلين عن الولايات المتحدة وإيران ووسطاء من باكستان وقطر، فيما أوضحت الخارجية الإيرانية أن الوفد الإيراني المتجه إلى سويسرا سيذهب لمتابعة تنفيذ الطرف المقابل لتعهداته، لا للمشاركة في مفاوضات الاتفاق النهائي.
وكشف التلفزيون الإيراني أن الوفد الإيراني المفاوض يضم محافظ البنك المركزي ونائب وزير النفط ومسؤول الشؤون الدولية في مجلس الأمن القومي، ما يعكس أن طهران تريد اختبار التنفيذ العملي لبنود رفع الحصار، وحركة النفط، والأموال، والملاحة، قبل الانتقال إلى أي مسار تفاوضي جديد.
وعلى المستوى الإسرائيلي، أفادت القناة الـ12 بأن رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه أوعزا للجيش بوقف إطلاق النار في لبنان، لكن دون الانسحاب من المناطق التي يسيطر عليها، في مؤشر واضح على محاولة الاحتلال تحويل الهدنة إلى غطاء لتثبيت الاحتلال الميداني.
كما نقلت المعطيات أن سفير كيان الاحتلال في واشنطن أعلن وقف العمليات الهجومية في لبنان اعتباراً من الساعة 11:30 صباحاً بتوقيت واشنطن، غير أن الغارات التي استهدفت جنوب لبنان أظهرت أن الإعلان لم يترجم فعلياً إلى وقف للعدوان.
وتكشف هذه التطورات أن معركة تنفيذ مذكرة التفاهم أصبحت اليوم على ثلاث جبهات مترابطة: جبهة لبنان حيث يحاول الاحتلال خرق وقف النار وتثبيت وقائع جديدة، وجبهة هرمز حيث تستخدم إيران ورقة الملاحة للضغط على واشنطن، والجبهة الدبلوماسية حيث تتحرك باكستان وقطر وسويسرا لمنع انهيار المسار قبل انتقاله إلى الاتفاق النهائي.
وبذلك، لم يعد إغلاق مضيق هرمز مجرد خطوة بحرية، بل رسالة سياسية وعسكرية مباشرة: لا اتفاق بلا تنفيذ، ولا وقف حرب يستثني لبنان، ولا حرية حركة للاحتلال تحت غطاء الهدنة. فحزب الله يثبت في الميدان أن محاولات التسلل ستُكسر، وطهران تضع واشنطن أمام مسؤوليتها عن كبح تل أبيب، فيما تتحول مذكرة التفاهم من وثيقة سياسية إلى اختبار حقيقي لميزان القوة والالتزام.
