اعتبر ضابط سابق في استخبارات كيان الاحتلال الإسرائيلي أن الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني يمثل “انهياراً كاملاً” للاستراتيجية التي اعتمدتها تل أبيب تجاه طهران، في اعتراف يعكس حجم الفشل الذي مُني به الاحتلال بعد حرب راهن من خلالها على كسر إيران وتغيير معادلات المنطقة لصالحه.
ونقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن الضابط السابق في الاستخبارات الإسرائيلية، داني سيترينوفيتش، قوله إن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يكشف فشلاً ملموساً لأهداف الاحتلال من الحرب، بعدما كانت تل أبيب تراهن على أن تؤدي المواجهة إلى إنهاء التهديد الإيراني لسنوات طويلة، أو على الأقل فرض قيود استراتيجية قاسية على قدرات طهران النووية والصاروخية والإقليمية.
غير أن نتائج الاتفاق جاءت معاكسة لحسابات الاحتلال، إذ أعادت واشنطن فتح المسار التفاوضي مع إيران، وذهبت إلى مذكرة تفاهم لم تستجب للأهداف الإسرائيلية الكبرى، ما جعل الاتفاق يبدو داخل تل أبيب كأنه ضربة سياسية وأمنية مباشرة لحكومة بنيامين نتنياهو، التي دخلت الحرب وهي تتحدث عن تغيير جذري في ميزان القوة، ثم خرجت أمام واقع تفاوضي جديد تعترف فيه واشنطن بثقل إيران ودورها في ترتيبات المنطقة.
وترى “نيويورك تايمز” أن من أبرز نتائج مذكرة التفاهم اتساع الفجوة بين واشنطن وتل أبيب، بعدما فوجئ الاحتلال باتفاق أمريكي ـ إيراني لم يلبِّ مطالبه الاستراتيجية، رغم أنه دخل الحرب على أساس تنسيق وثيق مع الإدارة الأمريكية. وبهذا المعنى، لم يكن الاتفاق مجرد تسوية بين واشنطن وطهران، بل كشف تراجع قدرة الاحتلال على فرض شروطه داخل القرار الأمريكي.
كما أن إدراج وقف إطلاق النار في لبنان ضمن بنود الاتفاق وضع واشنطن أمام اختبار معقد، إذ باتت مطالبة بممارسة ضغوط مباشرة على حكومة نتنياهو لضبط عملياتها العسكرية ومنع تفجير الجبهة اللبنانية، وهو ما يفاقم التوتر السياسي بين الجانبين، ويؤكد أن لبنان لم يعد ساحة مفتوحة أمام الاحتلال، بل أصبح بنداً في معادلة إقليمية أوسع ترتبط بإيران والمقاومة ومصالح واشنطن.
وفي السياق ذاته، وصفت صحيفة “الغارديان” البريطانية رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بأنه “الخاسر الأكبر” من الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني، معتبرة أن تداعياته قد لا تتوقف عند حدود الملف الإيراني، بل قد تمتد إلى إعادة رسم طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، خصوصاً بعدما بدت الإدارة الأمريكية أكثر حرصاً على تثبيت تفاهمها مع طهران من مسايرة الاندفاعة التصعيدية الإسرائيلية.
أما صحيفة “فاينانشال تايمز” فنقلت عن مسؤول كبير سابق في حكومة الاحتلال قوله إن الاتفاق الأمريكي مع إيران يمثل “كارثة استراتيجية يصعب وصف حجمها”، مشيرة إلى أن اتفاق ترامب مع طهران أثار غضباً واسعاً داخل كيان الاحتلال، واعتُبر إخفاقاً استراتيجياً كبيراً وضع نتنياهو في أضعف موقع سياسي له.
وتكشف هذه المواقف حجم الصدمة داخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، فالاتفاق لم يمنح الاحتلال ما أراده من تفكيك للقدرات الصاروخية الإيرانية، ولم ينجح في عزل طهران عن ساحات المقاومة، ولم يفتح الطريق أمام إسقاط أو إنهاك الجمهورية الإسلامية كما كانت تأمل حكومة نتنياهو. بل على العكس، كرّس إيران طرفاً أساسياً في معادلة التفاوض، وربط ملفات لبنان والمنطقة بمخرجات التفاهم مع واشنطن.
وبذلك، يبدو أن الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني لم يكن مجرد نهاية لجولة من التصعيد، بل لحظة انكشاف استراتيجية للاحتلال الإسرائيلي، الذي وجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الحرب لم تكسر إيران، والولايات المتحدة لم تواصل السير خلف الأهداف الإسرائيلية إلى النهاية، ومحور المقاومة خرج من المواجهة قادراً على فرض ملفاته على الطاولة، من طهران إلى لبنان.
وتؤكد هذه الاعترافات أن ما جرى يمثل تحولاً أعمق من خلاف سياسي عابر بين واشنطن وتل أبيب. فالاحتلال الذي راهن على الحرب لتثبيت تفوقه الإقليمي، وجد نفسه أمام اتفاق يحد من اندفاعه، ويقيد حركته في لبنان، ويعيد الاعتبار لإيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. ومن هنا جاء توصيف الضابط الاستخباراتي السابق بأن ما حدث هو “انهيار كامل” لاستراتيجية الاحتلال تجاه إيران، لا مجرد تعثر تكتيكي أو خلاف في تفاصيل الاتفاق.
