في عالم تتشابك فيه المصالح وتتقاطع خيوط الجغرافيا السياسية، تُطالعنا بين الحين والآخر صيغ شعاراتية براقة تحت عناوين فضفاضة مثل “اتفاقيات الدفاع المشترك”، لتشكل في ظاهرها ملاذًا آمنًا للدول، وفي باطنها حكايات تُبتدئ بصخب الأماني وتنتهي على صخرة الواقع.
وإن القراءة المتفحصة لأية اتفاقية إقليمية تجمع أطرافًا متباينة الرؤى والمشارب، تكشف سريعًا أنها في كثير من الأحيان لا تعدو كونها فقاعات إعلامية وأوراق ضغط سياسية ودبلوماسية، يسعى من خلالها أصحابها لترميم جدران متهالكة أو محاولة يائسة لصناعة توازنات وهمية لا تقوى على الصمود أمام اختبار الميدان الأول.
وحين نغوص في أعماق المشهد ونسبر أغوار أقطار ما يُسمى بـ”اتفاقية مكة” بين السعودية وتركيا وباكستان، سنجد أنفسنا أمام بنية هشة تتهاوى عند أول احتكاك حقيقي مع المصالح البراغماتية الكبرى للدول المعنية.
ففي ميزان السياسة الدولية، لا مكان للعاطفة ولا للشعارات المجردة..
البُوصلة الأوحد هي “المصلحة الوطنية العليا”.
من هنا يتساءل العقل المنطقي: هل تفرط باكستان في استقرارها الاستراتيجي وعلاقتها التاريخية العميقة مع جارتها الإقليمية إيران —التي تمثل لها عمقًا أمنيًا وسندًا حيويًا لا غنى عنه، خصوصًا في ظل تصاعد التهديدات والاعتداءات الهندية المتكررة— لتخوض حربًا بالنيابة عن طرف آخر؟
وهل تستعد تركيا للمغامرة بمصالحها الاقتصادية والتجارية العابرة للقارات ودخول مواجهات صدامية لا ناقة لها فيها ولا جمل؟
ولنفترض مثلًا أن كيان الاحتلال الصهيوني قام بشن عدوان على تركيا، برأيكم، هل سيذهب النظام السعودي إلى دعم ومساندة أنقرة والوقوف إلى جانب تركيا، ويتخلى عن كيان الاحتلال الصهيوني الذي يُعد حليفه الأساسي وشريكه الرئيسي والداعم الرسمي للرياض في كل الاعتداءات والحروب التي شنها هذا النظام المتسلط الجبان على دول الجوار، بما في ذلك العدوان على اليمن؟
إن الواقع السياسي يؤكد يقينًا أن الدول الكبرى والإقليمية لا تفرط في تحالفاتها التاريخية ومكاسبها الاقتصادية لصالح اتفاقيات ورقية لا ترتكز على عقيدة قتالية موحدة أو تهديد وجودي متطابق.
فعلى الجانب المقابل، تدرك السعودية أن هامش مناورتها محكوم بضوابط شديدة التعقيد، تتقاطع حتمًا مع حسابات الحلفاء التقليديين في الدوائر الغربية والقرار الدولي الواسع، تمامًا كما تتكشف هشاشة تلك التحالفات حين يُطرح التساؤل حول مدى قدرة هذه المنظومة أو شجاعتها على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة تتناقض مع رغبات وتوجيهات القوى الكبرى المسيطرة على مفاصل القرار العالمي.
إن الانتقال من مربع “التهويل الإعلامي والشكوك العاطفية” إلى “دائرة العقلانية والتحليل الرصين” يتطلب منا أن ندرك جيدًا أن الاتفاقيات التي لا تُبنَى على تكامل اقتصادي حقيقي، وتوافق استراتيجي عميق، وسيادة قرار منفكّة عن التبعية، تظل مجرد حبر على ورق.
إنها أداة للاستهلاك المحلي أو محاولة تكتيكية لكسب الوقت وترميم الذات في مستنقع الأزمات، لا مشروعًا حقيقيًا لصناعة الردع.
وحين تسقط أوراق التوت عن تلك التحالفات المصطنعة، لا يبقى سوى الحقيقة العارية: السياسة دولٌ تُدار بالمصالح لا بالأمنيات، والتاريخ لا يعترف إلا بالحقائق الصُّلبة التي تصنعها الدول القوية بإرادتها الحرة والتي تستطيع أو تتجاوز الأزمات دون الاستعانة بالأنظمة والكيانات.
ختامًا، نؤكد أن هروب النظام السعودي من الاستحقاقات الإنسانية والسياسية عبر الرهان على التحالفات المستحدثة والاتفاقيات الهشة—كـ”اتفاقية مكة”—لن يغير من حقيقة المأزق شيئًا.
إن محاولات الرياض الالتفاف على خارطة الطريق، والتملص من التزامات رفع الحصار، وصرف المرتبات، وإعمار ما دمرته حرب السنوات الاثنتي عشرة، لن تؤدي إلا إلى تكريس الفشل.
وكما تحطمت على صخرة صمود الشعب اليمني تحالفات “عاصفة الحزم” و”إعادة الأمل”، فإن أي تحالف جديد يهدف إلى الاستفراد بالثروات وتقسيم البلاد سيصطدم بذات المصير، لتبقى إرادة الشعب اليمني وحقه السيادي في الحرية والكرامة هي الخاتمة الحتمية لكل أوهام السراب.
