ذات صلة

الأكثر مشاهدة

عندما غابت أخلاق المعركة

ما حدث في عمليات الدهس وإطلاق النار على الأسرى لا يمكن أن تقدّمه على أنه انتصار ولا يمكن أن تُسمّيه شجاعة بأي شكل من الأشكال.

الانتصار الحقيقي يكون في مواجهة الخصم وهو قادر على القتال لا في التعامل مع أسير فقد القدرة على الدفاع عن نفسه، أما أن تُستخدم المدرعات في دهس من وقع في الأسر أو أن يُعتدى على جثمان شهيد ويُصوَّر فهذه أفعال لا ترفع أصحابها، بل تكشف مقدار ما وصل إليه السلوك من قسوة وانحطاط.

الأسير في الحرب يبقى إنساناً وسقوط سلاحه لا يعني سقوط حقه كأسير أو أن تسقط كرامته ومن هنا تظهر المفارقة التي لا يستطيع أحد إخفاءها والمعلوم للجميع أن لدينا أسرى من قوات العدو في صنعاء وفي مختلف الجبهات، وهناك فرق واضح بين طريقة التعامل معهم وبين ما ظهر من مشاهد الاعتداء على أسرانا؛ فالأسير لدينا يبقى إنساناً له حقه في الحياة والمعاملة الإنسانية ولا يصبح سقوط سلاحه مبرراً لإذلاله أو الانتقام منه، وهذا الفرق لا يحتاج إلى كثير من الكلام وتكفي المقارنة بين المشاهد نفسها.

أما ما جرى من دهس الأسرى بالمدرعات فهذه ليست لقطة عسكرية عابرة يمكن تجاوزها، إنها مشهد ثقيل سيبقى حاضراً في الذاكرة؛ لأنه يضع السؤال أمام الجميع ماذا بقي من أخلاق الحرب حين يصبح الأسير هدفاً بعد أن انتهت قدرته على القتال؟

وما يزيد الأمر وضوحاً أن العملية لم تكن مواجهة بسيطة بين أفراد، بل جاءت في ظل إسناد جوي واسع وتمهيد بالنيران مع مشاركة عدد كبير من الطائرات في القصف والتمهيد للوصول إلى مواقع المقاتلين ومع ذلك فإن كل هذا الدعم الناري لا يحوّل قتل الأسير إلى بطولة ولا يجعل الاعتداء على من فقد القدرة على القتال إنجازاً يفتخر به.

المدرعة قد تستطيع أن تدهس جسداً والطائرة قد تستطيع أن تدمر موقعاً والقذيفة قد تستطيع أن تهدم بيتاً لكن لا شيء من ذلك يستطيع أن يمنح الفعل القبيح شرفاً، والقوة الحقيقية لا تحتاج إلى أسير أعزل كي تثبت وجودها ولا تحتاج إلى جثمان كي تستعرض انتصارها.

والأشد إيلاماً أن وراء كل واحد من هؤلاء الشهداء أهلاً ينتظرونه وأماً كانت تتمنى عودته وبيتاً ترك فيه أثراً لا يمكن أن يمحوه مشهد أو صورة، نحن لا نتحدث عن أرقام في تقرير عسكري، بل نتحدث عن رجال كانوا يعرفون أنهم قد لا يعودون ومع ذلك دخلوا الجبهات ومضوا فيها حتى النهاية وباعوا أنفسهم من الله دون خوف أو تردد.

لهذا فإن دماء شهدائنا ليست مادة للنسيان ولا حادثة يمكن دفنها تحت الضجيج السياسي والعسكري، ستبقى الحقيقة موجودة وستبقى الصور شاهدة، ومن اعتقد أن امتلاك القوة يعطيه الحق في فعل هذا الانتهاك الشنيع فهو لا يعرف من أخلاق الحرب أي شيء وهم كذلك.

لهذا نقول لا تنسوا ولا تُجمّلوا الجرائم تحت أي عنوان ونقولها بوضوح إن الأسير ليس هدفاً وإن الجثمان ليس غنيمة وإن القتل بعد انتهاء القدرة على القتال ليس شجاعة.

كان يمكن أن تكون المواجهة في الميدان وجهاً لوجه وكان يمكن أن يسقط الرجال وهم يقاتلون خصومهم وفي ذلك معنى يعرفه كل من يفهم معنى الحرب، أما أن يُترك السلاح جانباً ثم يُعامل الأسير كأنه لم يعد إنساناً فذلك لا يصنع مجداً لأحد.

وقد يظنون أن القوة تمحو آثار ما فعلوه لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة قد تختفي الأصوات وقد تتغير الروايات وقد يحاول البعض تبرير المشهد لكن الحقيقة تبقى أقوى من كل ذلك وما وقع على أسرانا سيظل شاهداً على الفارق بين من يرى الأسير إنساناً له حرمة ومن يراه فرصة للانتقام.

أما شهداؤنا فلهم منا الوفاء ولدمائهم حرمة ولأهلهم حق في الحقيقة والإنصاف، ولن يكون الحديث عنهم مجرد لحظة غضب تنتهي بانتهاء الخبر؛ لأن القضية في جوهرها أكبر من حادثة واحدة، إنها قضية أخلاق في الحرب وقضية إنسانية وقضية ذاكرة لا تقبل أن يُعاد تشكيلها وفق رغبة الأعداء.

ومن يعتقد أن دهس الأسير يمكن أن يكون شرفاً عليه أن يعيد تعريف الشرف أولاً؛ فالشرف أن تواجه خصمك وأنت قادر على مواجهته وأن تنتصر دون أن تفقد إنسانيتك، أما حين يصبح الأسير هو الهدف فليست تلك بطولة مهما كثرت المدرعات والطائرات ومهما ارتفع صوت الدعاية،

وسيظل السؤال قائماً من الذي انتصر فعلاً من واجه حتى النهاية وترك وراءه قضية ودمًا وذاكرة، أم من احتاج إلى أسير عاجز كي يثبت أنه الأقوى؟!

التاريخ وحده سيجيب.. لكن شيئاً واحداً لا يحتاج إلى انتظار، ما جرى ليس شرفاً لمن فعله وليس بطولة تستحق الاحتفاء ولا يمكن أن يُمحى من ذاكرة من رأى أبناءه يُعاملون بهذه الطريقة، شهداؤنا رحلوا لكن الحقيقة التي تركوها خلفهم باقية ودماؤهم لن تكون مجرد مشهد عابر في حرب طويلة، وأن الرد على هذه الجريمة الشنيعة قادم ولن ينسى ابداً، وعليهم أن يستعدوا للقادم لإن القادم أعظم وأشدّ، وأما شهداؤنا فنحن نعرف أن الله قد اصطفاهم إلى جواره، فلا حزن ولا ندم اليوم عليهم “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فاطمة عبدالإله الشامي

spot_imgspot_img